قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    اصدارات  


اغتيال الحريري..وتداعياته على أهل السُّنة في لبنان 

محمد سرور زين العابدين 2006-08-28

هذا عنوان لكتاب ألفه محمد سرور زين العابدين, وهو جاهز للطباعة نرجو الله أن يهيء له الأسباب, ويتحدث المؤلف فيه عن معاناة أهل السنة خلال ثلاثة عقود عجاف, وننشر فيما يلي مقدمة الكتاب لأنها تعرف القاريء بموضوعاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد قتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ومن كان في موكبه...وقتل من قبله العالم العامل مفتي لبنان الشيخ حسن خالد، وقتل قبل هذا وبعده عشرات الآلاف من جميع مدن ومخيمات وأرياف لبنان، كان من بينهم؛ علماء أفاضل ودعاة كرام وشيوخ مسنون وأطفال صغار...وقتل أكثر من هذا العدد في سورية.

في لبنان تعدد القتلة المجرمون خلال ما يقارب الثلاثين عاماً، ولكن الباطنيين الغزاة وحلفائهم كانوا أشد تنكيلاً بالمسلمين من أي عدو آخر.

وعندما نتحدث عن هذه الاغتيالات، فنحن لا نخاطب الأموات، لأن صفحات أعمالهم قد طويت، ولن ينفعهم في قبورهم ويوم يعرضون على ربهم إلا عملهم الصالح، فنسأل الله لهم العفو والمغفرة.

فللأحياء نقول :

كان اغتيال الحريري من أهم الأحداث التي شهدها لبنان في تاريخه المعاصر؛ فالعالم بأسره لم يحفل باغتيال رياض الصلح، وبشير الجميل، ورينيه معوض مثلما حفل باغتيال الحريري، وفضلاً عن ذلك فقد فجر هذا الحدث الخطير انتفاضة ضد الاحتلال السوري شارك فيها جميع المواطنين -مسلمين ونصارى- لا نستشني من ذلك إلا الشيعة، ومجموعة أخرى من عملاء النظام السوري، قليلة العدد ضعيفة التأثير.

أدرك المسلمون السُّنة أن اغتيال الحريري يستهدفهم -دون غيرهم من طوائف لبنان- في وجودهم ودورهم وكرامتهم، بل هم مستهدفون منذ دخول قوات الغزاة الباطنيين إلى لبنان...وقرروا على لسان مفتيهم العام وكبار علمائهم وأهل الحل والعقد فيهم بمن فيهم الوزراء ورؤساء الوزارات السابقين:

[ بأنه قد نالهم من الضيم ما يكفي، ومن الصبر ما لم يعد يحتمل ( [1] ) ...]

ولهذا قادوا الانتفاضة ضد القوات السورية الباطنية في لبنان، واجتمعت كلمتهم في الانتخابات على اختيار سعد بن رفيق الحريري وقائمته، وهم الذين لا يعرفون سعداً، ولا يدرون ما هو فاعل غداً، وهل سيخذلهم كما خذلهم أبوه من قبل؟

كل الذي أرادوه الانتقام من الباطنيين والانتصار لرفيق الحريري في قبره...فهل يستمر هذا الشعور، أم سوف يعتريه النسيان، وسوء قراءة وفهم للأحداث التي تمر بأمتنا؟!

ولكن : كيف أخلص رفيق الحريري للنظام الطائفي النصيري ؟ وكيف أسرته شخصية حافظ الأسد، وصار يعد نفسه من أعز أصدقائه ؟

فهاكم الجواب على ذلك:

ورث الباطنيون المعاصرون عن مؤسسي ديانتهم القاعدة التالية، التي وصفها علماء الأمة بقولهم : ( يميلون إلى كل قوم بسبب يوافقهم، ويميزون من يمكن أن يخدعوه ممن لا يمكن ).

ومن أجل خداعنا وتضليلنا فقد انتسب الباطنيون، ثم هيمنوا على أحزاب ترفع الشعارات البراقة : الوحدة العربية، التحرر من الاستعمار، الحرية، الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، تحرير فلسطين ومقاومة الأطماع والمخططات الصهيونية والأمريكية.

وممن نادى بهذه الشعارات حزب البعث، وجمال عبد الناصر، والأحزاب القومية في الوطن العربي.

وإذا كان الذين يرفعون هذه الشعارات استمالوا كبار السياسيين والمفكرين العرب، فلماذا لا تستهوي رفيق الحريري الذي تربى في أحضان القوميين واليساريين ؟

لا أشك بأن الحريري كان بعد حين من بداية تعامله مع الباطنيين قد تعلم الكثير عنهم، كان كل من حركة أمل، وما يسمى بحزب الله، والنظام السوري النصيري يقولون له شيئاً ويفعلون خلافه، كان يرى بعينيه مكرهم وخداعهم وتقيتهم التي تجعلهم من أكذب الناس، كان يفضي بسريرته لأقرب الناس إليه من أبنائه وأصحابه، ورغم ذلك فقد كان يهرب إلى الأمام، يقدم إليهم الأموال والخدمات، يتوسط لهم في المحافل الدولية، قال عنه أحد الذين يعرفون البيت من داخله : [كان الحريري وزيراً للخارجية السورية قبل أن يكون رئيساً لوزراء لبنان].

أسد" الأب " كان داهية، يضبط عواطفه، ويجيد استخدام التقية، ولكن أسد "الابن" أحمق متعجل وانفعالي شديد التأثر بما يهمس به إليه مستشاروه وأصدقاؤه، ولهذا أسفر عن وجهه الباطني الكالح في تعامله مع الحريري، وراح يتهدده ويتوعده، فلم يبق مجال أمام الحريري ليهرب إلى الأمام، ثم كان ما كان، وقضى الحريري نحبه دون أن يسجل لنا تجربته، ولو شاء لكتب مجلدات عن مكر الباطنيين وخداعهم، ولكنه وثق بكلام أصدقائه الذين قالوا له : لا تخش، لن يُقدِموا على اغتيالك! وهذه منه غفلة مؤسفة.

ومثل الحريري مئات من العسكريين والسياسيين والمفكرين والتجار الذين كانوا شركاء بل ورؤساء لأحفاد: ابن نصير، وابن العلقمي، وابن الطوسي، ثم انتهى بعضهم إلى ما انتهى إليه الحريري، وبعضهم الآخر كان مصيره السجن أو النفي، فإلى متى لا ينتفع هؤلاء بتجارب من سبقهم؟ وإلى متى يخادعون أنفسهم زاعمين أنهم علمانيون، ولا يؤمنون بالطائفية؟

نعم، أنتم علمانيون، ولا شأن لكم بالسُّنة ولا بصاحبها -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، ولكنكم في حسابات ومقاييس الباطنيين أنتم أهل سنة حتى ولو خرجتم من جلودكم، وناس منكم يكتشفون هذه الحقيقة المرة في وقت لا ينفع فيه الندم.

لي صديق التقيه في فترات متباعدة، وهو من حملة الفكر القومي بشتى أبعاده الناصرية والبعثية واليسارية، وكان يعجبني فيه صراحته فيما يكتب، وسلامة فطرته، قلت له ذات مرة: يا فلان أتعجَّبُ مما ينشر في صحيفتكم، ففي بعض الأحيان أقرأ فيها إشادة بتصريح أدلى به أسد -الأب كان أو الابن-وثناء على النظام، وفي أحيان أخرى أقرأ نقداً للأسد ونظامه، فكيف أجمع بين هذا وذاك؟ فأجابني ما خلاصته : نحن نتعامل مع الخير، ونتفاعل معه، وإذا كان يتفق مع قضايا أمتنا المصيرية أثنينا عليه أو أثنى عليه كتاب آخرون من أصدقاء الصحيفة، وإذا كان الخبر أو الموقف خلاف ذلك نقدنا الأسد ونظامه.

قلت : هذا يعني أنكم تتعاملون مع ظاهر التصريح الذي يصدر عن زعماء هذا النظام، وتغضون الطرف عن تاريخه الملوث، وعقيدته الباطنية.

قال: أمامنا خبر، تصريح، بيان، نفهمه حسب قواعد وآداب اللغة العربية، ونحن أبناؤها، ثم حسب خبرتنا، أما هذه الباطنية التي أسمعك تكرر النطق بها، فلا نأبه بها، ولا نقم لها وزناً، ثمة أمر آخر لا أظنه يغيب عن ذهنك: عوَّدنا هذا النظام بين الحين والحين الآخر على اتخاذ مواقف قوية ضد الأطماع والمخططات الأمريكية- الصهيونية التي تستهدف بلادنا، فكيف لا نبرزها لا سيما ونحن مقهورون، ونعيش عصر الصمت العربي المؤسف.

قلت: صديقي العزيز، لو كان الأمر لي، لجمعت السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب ونظَّمت لهم دورة " كورس" ولجعلت للدورة موضوعاً واحداً لا نتجاوزه إلى غيره، اللهم إلا ما يقتضيه التوضيح والاستطراد، وضرب الأمثلة من القديم والحديث، هذا الموضوع هو "الباطنية" التي قلت لي قبل قليل: سمعتك تكرر النطق بها، ثم جئت بأساتذة علماء متخصصين في الفرق والتاريخ، ثم نبدأ المقرر بتدريس الطلبة نشأة الفرق الباطنية، وعقيدتهم التي يدينون بها، وصلتها الوثيقة بعقائد المجوس، وأساليبهم في الخداع والتضليل وكرههم الشديد للعرب، وقادة العرب من الصحابة والتابعين الذين أعز الله بهم دينه، أو يدرسونهم كتاب"فضائح الباطنية" لأبي حامد الغزالي، وهو عالم جليل عاش في القرن الخامس الهجري، وكان قريب العهد من انتعاش هذه الفرق، وما شهده العالم الإسلامي من فرقة ودمار وتخريب على أيدي جيوش هذه الفرقة، ولا بد من إضافة شروح وتعليقات على كتاب الغزالي يقتضيها ما جد في هذا العصر وفي العصور التي تلت عصر الغزالي وبالأخص الخدمات التي قدموها للصليبيين والتتار.

هؤلاء الباطنيون، وتحديداً أتباع: ابن نصير، والعلقمي، والطوسي، والدرزي :

يرفعون شعار القومية العربية، وهم شعوبيون، يكرهون العرب والعربية.

ينادون بالوحدة العربية، وهم من ألد أعدائها لأنهم يخشون أن تتلاشى كياناتهم الطائفية في ظل الوحدة العربية.

يدعون إلى تحرير فلسطين، والقضاء على الكيان الصهيوني، وفي الخفاء يمدون أيديهم للصهاينة فيتعاونون وينسقون معهم، ولا يجوز لنا أن ننسى أو نتناسى المذابح الفردية والجماعية التي ارتكبها هؤلاء الباطنيون في المخيمات الفلسطينية بلبنان، ولا سياسة القَـتْـل والاعتقالات العشوائية، التي مارسوها ضد الفلسطينيين في سورية، ومن أبشع سجون المخابرات السورية ما أسموه" فرع فلسطين".

وهم اليوم الذين تحالفوا مع من يسمونه الشيطان الأكبر، وقدموا له كل أنواع الدعم والمساعدة من أجل احتلال قواته العسكرية للعراق، كما فعل أجدادهم من قبل مع التتار.

صديقي العزيز: أنت تعرف هذا وغيره، لاسيما وأنك فلسطيني وتعلم معاناة أهلك في مخيماتهم، وتعلم أيضاً ما يتعرض له الفلسطينيون في العراق على أيدي هؤلاء الباطنيين.

أنتم معشر الإعلاميين والسياسيين والمفكرين العرب تعرفون هذا وذاك، وتتحدثون في مجالسكم الخاصة عن شيء منها، لكنكم تخطئون بل وتكابرون في تفسيرها، ثم تتناسوها مع مرور الزمن، لأن قاموسكم الذي تستخدمونه ليس فيه مصطلح الباطنية، وتعدون مثل هذا التفكير ضيق أفق وتخلف، ولهذا تقعون في مثل هذه التناقضات.

صديقي هذا، تفهَّمَ – بعض الشيء- ما سمعه مني في أكثر من لقاء، وصار يردد أمام بعض الأصدقاء المشتركين إذا صدم من فعل فعلوه: حقاً إنهم باطنيون، ثم يضيف: كما يقول فلان ( يعنيني ).

ولكن: إذا كان صديقي قد تفهم ما يسمعه مني، ولو على سبيل المجاملة، فمتى يفهم المحامون والإعلاميون، والنقابيون، وقادة الأحزاب العربية الذين يتوافدون على دمشق وبيروت؟

ففي دمشق يعقدون المؤتمرات لنصرة سورية – كما يزعمون- ضد التهديدات والمخططات الأمريكية-الصهيونية، ثم يتصدر رئيس النظام الباطني منصة الخطابة، ويطلق العبارات الجارحة التي تعبر عن حمقه غير المسبوق.

وفي بيروت يحتفلون بانتصار المقاومة على العدو الصهيوني، والمقاومة فيمفهومهم تعني حزب الشيعة المسمى بحزب الله، وزعيمه ( رجل إيران الفارسية ) حسن نصر الله، الذي يضفون عليه ألقاب التعظيم والبطولة والفداء، أما الشعب اللبناني بأحزابه وعلمائه ودعاته، أما الفلسطينيون ومقاومتهم الباسلة، فهؤلاء ليسوا أكثر من أصفار عند هؤلاء المغفلين من أبناء جلدتنا.

وثالثة الأثافي أن أكثر هؤلاء المعجبين أو المدافعين عن الباطنيين في كل من دمشق وبيروت هم من الإسلاميين، بل من الأخوان المسلمين،

فمتى ثم متى يفهم هؤلاء الحقائق التالية :

· وقف النظام الصهيوني ضد كل من يطالب بسقوط نظام الباطنيين بدمشق، وقد جاءت هذه التصريحات على لسان شارون وغيره من زعماء إسرائيل، وحجتهم في ذلك أنهم يفضلون التعاون مع نظام ضعيف، يعرفون دقائق أموره، ويخشون من البديل، وكذا أمريكا وفرنسا وبريطانيا، لم يطالبوا بسقوط هذا النظام، وإنما طالبوه بالعودة إلى بيت الطاعة، وحرمانه من الدور الإقليمي الذي منحه إياه، فلو لم يكن النصيريون في الحكم لجاء بهم الأمريكان إلىه، فمنذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970م والعلاقات السورية الأمريكية في أحسن أحوالها.

· ينص القانون السوري رقم (49) على إعدام كل من ينتسب للإخوان المسلمين، وقد طبقوا هذا القانون سابقاً ولاحقاً، وكل الإسلاميين في نظرهم من الإخوان المسلمين، ليتني أدري كيف يتعامل الإخوان المسلمون في بعض البلاد العربية مع هذا النظام، وهم لا يجهلون هذا القانون ولا غيره؟

· لنفترض أن الأمريكان وحلفاءهم يريدون اجتياح سورية، والله لن يقف في وجههم إلا المسلمون السُّنة، وسينحاز النصيريون بشكل أو بآخر إلى صف الغزاة المحتلين، أي كما فعل إخوانهم في العراق.

يا إخواننا..يا أبناء جلدتنا: إنكم تسوقون موقفكم المتخاذل بقولكم: إن المستهدف اليوم سوريا، وليس النظام ونحن مع سورية؟ لكن الحقائق الدامغة تؤكد أن سورية في العصر الحاضر لم تُسْتهدف بشيء، كما استُهْدِفتْ بأسد وحكمه وطائفته، فكيف تفهمون الأمر"بالمقلوب"؟

ولأبناء الحريري نقول :

لقد أغناكم الله بعد فقر مرير، وجعلكم سادة لبنان بعد أن كنتم نكرات لا يطمح أحد من عائلتكم المتواضعة أن يكون وكيل وزارة، بله أن يكون رئيس وزراء لبنان، ورجلاً مرموقاً في العالم، فلا تركنوا إلى أنفسكم وأموالكم وتتناسوا حق الله عليكم.

سبقكم والدكم في هذا الطريق، وهو كأي إنسان -خاض تجربة- له وعليه، وقد تحدثت في كتابي هذا عن أهم أعماله الطيبة التي استفاد منها الناس جميعاً، كما تحدثت عن بعض أخطائه، فاقتفوا أثره فيما قدم من أعمال جليلة، واحذروا أن تقعوا فيما وقع فيه من أخطاء.

ولن ينسى الناس في لبنان لأبيكم تدريس أكثر من ثلاثين ألف طالب على حسابه الخاص تخرجوا من أشهر الجامعات الأجنبية، ومئات منهم حصلوا على شهادة الدكتوراه، ولن ينسوا أيضاً زكاة أمواله التي يوزعها سنوياً على الفقراء، وهذا مما ينبغي أن تفخروا به، وتكونوا خير خلف لخير سلف في عمل الخير.

ولكن ليكن معلوماً لديكم أن إيران تقدم لطائفة الشيعة عامة، ولما يسمى بحزب الله خاصة أكثر من ميزانية دولة، وتقدم كل من إيطاليا وفرنسا وكثير من الدول الغربية والأمريكية لمؤسسات النصارى المساعدات الوفيرة، أما أهل السُّنة فليس هناك من يتبنى مؤسساتهم التعليمية والخيرية، ولا يخفى عليكم ما آلت إليه أحوال جمعية المقاصد الإسلامية بعد تغريب الزعيم صائب إسلام، ثم موته..فهل يسد أبناء الحريري هذه الثغرة ويضاعفوا من المساعدات التي تقدم لأهل السُّنة ؟

ما يسمى بحزب الله هو الذي يتولى قيادة الطائفة الشيعية، وهو حزب عقائدي شعوبي، ومصالح الطائفة الشيعية وإيران بالذات مقدمة على مصالح لبنان والعرب.

وفي كل مسألة تتوحد كلمة علمائهم وزعمائهم رغم ما بينهم من خلافات في الرأي الذي يقرره الحزب.

والمطارنة هم المرجعية التاريخية والروحية للنصارى، وهذه الروحية تتحول في معظم الحالات إلى سياسية.

أما أهل السُّنة فقيادتهم منذ استقلال لبنان علمانية، وعندما جاء رفيق الحريري إلى الحكم ارتكب بحقهم خطأين فادحين؛ أما الخطأ الأول: فيتمثل في القائمة التي كان يختارها كنواب ووزراء ومستشارين، فليس بينهم من كان يتبنى الإسلام عقيدة وسلوكاً وشريعة ونظام حياة.

أما الخطأ الثاني فقد نالهم في عهد حكوماته أسوأ أنواع الظلم والاضطهاد، ولم يحاول رفع الظلم عنهم في أي موقف من المواقف، فكان وكأنه لا ينتسب إليهم.

يا أبناء الحريري...ويا سعد الحريري...ويا تيار الحريري...: إياكم ثم إياكم أن تخطئوا في قراءة الأحداث، وفي فهمها..فها قد مضى عام على الحكومة والمجلس النيابي وأنتم تمثلون الأكثرية في كل منها، ومع ذلك فما يزال أهل السُّنة يتعرضون للتهميش والظلم وكأن جيش الغزاة الباطنيين لم يخرج من لبنان، وإليكم الدليل: [ استقبل المفتي الشيخ رشيد قباني أهالي الموقوفين في أحداث الخامس من شهر شباط عام 2006م وأهالي موقوفي الطريق الجديدة في حضور مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، ورئيس هيئة رعاية السجناء وأسرهم في دار الإفتاء القاضي الشيخ محمد عساف، ومحامي الدفاع عن الموقوفين وحشد من العلماء.

وبعد أن شرح أهالي الموقوفين معاناة أولادهم من التعذيب والإهانات والإساءة إلى الكرامة البشرية والإنسانية، مما يتناقض مع حقوق الإنسان والقوانين الدولية، أدلى المفتي بالبيان التالي:

( لقد اطلعنا على أساليب التعذيب الإرهابية التي لم نسمع بمثلها في سجن "أبو غريب" على أيدي الأمريكيين المحتلين في العراق، الكهرباء، الضرب، التصرفات الداعرة اللاأخلاقية كلها تمارس مع الموقوفين في لبنان، أنا أطلب طلباً واحداً من جميع المسؤولين – وممن ذكر من بين هؤلاء رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير الداخلية أحمد فتفت- أن يأتوا لدار الإفتاء ليتكلموا مع مفتي الجمهورية حتى نرفع الظلم إذ لا زالت بقايا الجهاز الأمني السابق في لبنان تعيث فساداً في أكثر الإدارات، وأضاف : لن نقبل بعد اليوم باستمرار فتح ملفات الموقوفين لأهل السُّنة في لبنان، ولن نقبل باستمرار التأجيل والماطلة فيها ] وختم بيانه بقوله : [ فإن لم يتحقق ما نطالب به، فسوف أدعوا أهالي الموقوفين إلى اعتصام مستمر في دار الفتوى ليلاً ونهاراً، وفي مرحلة ثانية إن لم يتحقق شيء من ذلك فسوف أدعوا جميع المسلمين للاعتصام في "دار الفتوى " ].

هذا البيان بل هذه الصرخة المدوِّية تأتي من مرجعية أهل السُّنة، ومن علماء كبار أخلصوا لأبيكم غاية الإخلاص وتجاوزوا عن أخطائه نحو بني دينه، وأخلصوا لكم من بعد أبيكم، وحملوا أهل السُّنة على انتخاب قائمتكم في يوم فاصل، وتعرضوا لحملة ظالمة من خصومكم داخل الطائفة السنية.

فمن لكم بعد هؤلاء العلماء الذين يمثلون نبض الشارع السني ! وهل تعيدون تقويم تجربتكم في الحكم، وأنتم لا تزالون في بداية الطريق ؟

يا سعد : اعلم وأنت لا تزال في شبابك وحداثة تجربتك أن الشارع السني لن يُساق كما كان يساق بالأمس، فقد شب عن الطوق،ولن يرحمكم يوم الانتخابات القادمة ما لم تستجيبوا لنبضه وترفعوا سيف الظلم عن كاهله، ومرة أخرى أقول : لا تخطئ يا سعد، في قراءة الأحداث ولا يخدعنك المستشارون العلمانييون الذين يحيطون بك، ولن ينفعك وليد جنبلاط، ولا سمير جعجع وأمثالهما.

يا سعد: إن فضائية المستقبل تقدم لمشاهديها دليلاً فاضحاً على فساد مؤسساتكم، فلماذا الإصرار على ذلك ؟

وللمسلمين السُّنة نقول :

منذ أمد طويل ونحن ندعوكم إلى توحيد صفوفكم وإصلاح ذات البين بينكم، ولكننا اليوم لا نرى شيئاً مهماً قد تغير، فلا تزال الفوضى هي الفوضى، والخلافات تتوسع وتترسخ، وبعض المنظرين فيكم، يجيدون فن الهروب إلى الأمام، ويتمسكون بقول القائل ( عنزة ولو طارت ) ويرون ما صنعه الباطنيون في لبنان -إن اعترفوا به- ليس أكثر من أخطاء، ومن ثم فهم لا يدخرون وسعاً في التزلف لهم، وفي الثناء عليهم.

يا حكماء أهل السُّنة : كان الشيعة في لبنان متفرقون متخلفون، وفضلاً عن ذلك فهم موزعون بين اليمين واليسار ثم جاء أمامهم موسى الصدر مرسلاً من قبل شاه إيران محمد رضا بهلوي، ومزوداً بجميع أنواع الدعم، فتمكن خلال بضع سنين من نقلهم نقلة ما كانوا يحلمون بها..وها هم بالتعاون مع حلفائهم في دمشق يحكمون لبنان منذ عقود ثلاثة، ولم يتضاءل دورهم بعد خروج القوات السورية من لبنان.

وأنتم يا حكماء أهل السنة لا يعجزكم أن تحققوا لإخوانكم ما حققه الشيعة لأبناء طائفتم إذا أخلصتم نواياكم ، وأخذتم بأسباب التغيير.

إن شباب أهل السنة يرون أن هناك خطراً يهددهم ويبحثون عن مرجعية يستفيؤون في ظلها، وتجيبهم عن أسئلتهم التي جعلتهم حيارى، وأوقعتهم في أخطاء فادحة، فمن لهؤلاء الشباب غيركم، أيها العلماء والدعاة؟

اللهم بصر عبادك الموحدين بمخططات وكيد أعداء هذه الأمة، واجمع اللهم شتاتهم، ووحد صفهم ، وردهم إلى سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(1) سيأتي ذكر هذا البيان.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©