قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    بحوث  


التترس أحواله وأحكامه 

د.يوسف صقر 2006-09-06

مقدمة:

ان مسألة التترس من النوازل الواقعة في هذا الزمان والتي توسع فيها البعض حتى استحلوا كثيرا من الأنفس والأموال المعصومة بحجة أن العدو تترس بهم، وأن حفظ الدين مقدم على حفظ الأنفس. فعندما قصدوا بلاد الكفار لقتالهم استحلوا قتل كل من يلاقيهم من كبير أو صغير أو امرأة من غير تمييز. فالذي يفجر بناية أو حافلة أو قطارا أو يخطف طائرة أو ينسف جسرا فانه ولا بد أن يصيب هؤلاء. ومنهم من يقول كل هؤلاء أحل لنا دمه، ومنهم من يقول نحن لم نقتل هؤلاء قصدا، ولكن قتلناهم تبعا لأن الكافرين تترسوا بهم. ثم ازداد الطين بلة عندما جاء الكفار الى بلادنا وهنما أصبح الترس من المسلمين، فلربما هاجموا قافلة أو فجروا آلية في شارع مزدحم بالناس أو في سوق من الأسواق، فلربما قتل الواحد أو الأثنين من هؤلاء وسقط معه العشرات ان لم يكن أكثر من المسلمين، ثم يقولون نحن لم نقتل هؤلاء قصدا ولكن قتلناهم تبعا والله يبعثهم على نياتهم. وللأسف الشديد فان هذه المسألة من أخطر المسائل سيما وهي تتعلق بالدماء، ولا تكاد تجد من هؤلاء الذين تقحموا هذه الميادين من هو طالب علم فضلا عن أن يكون راسخا فيه، ثم بعد ذلك يتكلم بعمومات تاركا أقوال العلماء الفحول وفهمهم لعموماته.

وترتب على فعلهم هذا قتل الكثير والكثير من المسلمين وغيرهم ممن عصم الله دماءهم وحرمها. وأصبحت تهمة الأرهاب والقتل خاصة بالمسلمين، ومن أراد دليلا، فلينظر الى ما فعل هؤلاء. واذا تحدث أحد عن الجهاد ـ ذروة سنام الأسلام ـ حشر مع أولئك، واتهم بكل نقيصة. وتحول الأمر من حق واضح لنا، الى اتهام للمسملين جميعا بالأرهاب وحب القتل والتدمير. لقد عجز أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه عندما قابل هرقل عظيم الروم أن ينال شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين الا أن قال: انا واياهم على هدنة ولا نعلم ما يفعلوا بعد ذلك. فهل يعجز أعداؤنا اليوم عن اتهامنا بكل التهم من تطرف وارهاب. لا بل يجدون لهم كل الأدلة من فعل هؤلاء وصنيعهم.

ف هل صحيح أن الكافر اذا تترس بترس مسلم كان أو غير مسلم جاز لنا قتله وترسه في كل حال؟ وهل صحيح أننا لو تركنا الترس ومن تترس به من الكفار تعطل الجها وتوقف؟ وهل يجوز لنا أن نعامل الكفار بالمثل في استحلالهم قتل نسائنا وأطفالنا ـ والبادىء أظلم؟

ونحن في هذا البحث ندرس التترس كما بينه علماؤنا ووضعوا ضوابطه وبينوا أحواله المختلفة، وعلى الله التوكل، فما كان فيه من حق فمن الله وحده وما كان فيه من خلل فمن نفسي ومن الشيطان واستغفر الله منه.

ونبدأ فنقول ان التترس أن يتخذ الأعداء ممن يحرم في الأصل قتلهم تروساً ودروعاً بشرية يحتمون بها؛ لعلمهم أن المسلمين يحرم عليهم قتلهم. كما يفعل اليهود مثلا حين يجعلون أحد أقارب المطاردين أو جيرانه أمامهم ليفتح لهم الأبواب ويفاوض المطارد أو يسهل قتله أو القبض عليه. أو كاقامة مراكز القيادة والجيش في الأماكن السكنية. وعند الأستقراء، نجد أن الترس نوعان: المسلمون ومن يلحق بهم من أهل الذمة وأهل الأمان، والنوع الثاني الكفار. قال الشيرازي في المهذب(3/265): « و إن تترسوا بأهل الذمة أو بمن بيننا و بينهم أمان كان الحكم فيه كالحكم فيه إذا تترسوا بالمسلمين لأنه يحرم قتلهم كما يحرم قتل المسلمين ». وينقسم التترس الى حالات أربع وهي:

أن يتترس العدو بناس من المسلمين أو أهل الذمة وهناك ضرورة لقتاله.

أن يتترس العدو بناس من المسلمين أو أهل الذمة وليس هناك ضرورة لقتاله.

أن يتترس العدو بناس من الكفار وهناك ضرورة لقتاله.

أن يتترس العدو بناس من الكفار وليس هناك ضرورة لقتاله.

وسنناقش هذه الحالات الأربع ان شاء الله ولكن في البداية لابد من تبيين المقصود بالضرورة.

« جرى التعبير في المراجع الفقهية عن حالة الضرورة هذه بعدة صور منها: أن يهجم العدو على المسلمين وأن يكون المسلمون في حالة التحام مع العدو في القتال وأن يترتب على عدم القتال ما يخشى منه على المسلمين من الأحاطة بهم أو استئصالهم أو هزيمة تصيبهم أو كثرة في قتلاهم أو أي ضرر يلحق بهم ». (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية2/1330).

الحالة الأولى: أن يتترس العدو بناس من المسلمين أو أهل الذمة وهناك ضرورة لقتاله.

وقد قال جمهور الفقهاء بجواز رمي أهل الكفر في هذه الحالة حتى لو أدى ذلك الى قتل بعض المسلمين، ولكنهم وضعوا لذلك شروطا مهمة وصعبة صيانة لدماء المسلمين. وفي كل الأحوال فيقصد الكفار بالرمي ويتجنب المسلمين قدر الأمكان مع الكراهة القلبية لذلك.

قال في المبسوط(6/126): « وكان الحسن بن زياد - رحمه الله تعالى - يقول هذا- أي جواز تحريق حصون المشركين - إذا علم أنه ليس في ذلك الحصن أسير مسلم فأما إذا لم يعلم ذلك فلا يحل التحريق والتغريق لأن التحرز عن قتل المسلم فرض وتحريق حصونهم مباح والأخذ بما هو الفرض أولى. ولكنا نقول لو منعناهم من ذلك يتعذر عليهم قتال المشركين والظهور عليهم والحصون قل ما تخلو عن أسير وكما لا يحل قتل الأسير لا يحل قتل النساء والولدان. ثم لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها فكذلك لا يمتنع ذلك بكون الأسير فيها ولكنهم يقصدون المشركين بذلك لأنهم لو قدروا على التمييز فعلا لزمهم ذلك فكذلك إذا قدروا على التمييز بالنية يلزمهم ذلك ». قلت: كلامه في المبسوط ليس على اطلاقه، فترك ضرب الحصن الذي تترس به هؤلاء المشركين في هذا الوقت لا يعني ترك جهاد غيرهم في أماكن أخرى وأوقات أخرى. بل نفس أهل الحصن ربما بان لنا منهم غفلة أو غرة فأخذناهم دون الوقوع فيما حرم الله من قتل الذرية والنساء أو من تترسوا به من أسرى المسلمين. وفي الوقت الحاضر، تمر دورية للعدو في وسط سوق أو بين تجمع كبير للناس، ان ترك قتال هذا العدو في هذا المكان وفي هذا الوقت بالذات لا يعني ترك الجهاد وتعطيله، فهناك غيره في مكان آخر بعيد عن التروس. وهذا العدو نفسه يمكن تحين ابتعاده عن الناس، أو استخدام وسائل أكثر دقة مثل القنص تصيبه ولا تصيب القريب منه قدر الأمكان.

وقال القرطبي في تفسيره (16/244): « قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف ان شاء الله وذلك اذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول الى الكفار الا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فان لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى أنها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا. قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا فاما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، واما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه تلزم منه ذهاب الترس والأسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فان تلك المفسدة بالنسبة الى ما يحصل منها عدم أو كالعدم ».

وقال الشافعي(الأم4/409): « إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها الساكن إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصن فلا بأس أن ترمى بيوته وجدرانه فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون وإذا تترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان وإن كانوا غير ملتحمين أحببت له الكف عنهم حتى يمكنهم أن يقاتلوهم غير متترسين وهكذا إن أبرزوهم فقالوا : إن رميتمونا وقاتلتمونا قاتلناهم، والنفط والنار مثل المنجنيق وكذلك الماء والدخان ».

وقال في المهذب(3/265): « و إن تترسوا بمن معهم من أسارى المسلمين فإن كان ذلك في حال التحام الحرب جاز رميهم و يتوقى المسلم لما ذكرناه و إن كان في غير التحام الحرب لم يجوز رميهم قولا واحدا... و إن كان فيهم أسارى من المسلمين نظرت فإن خيف منهم أنهم إذا تركوا قاتلوا و ظفروا بالمسلمين جاز رميهم لأن حفظ من معنا من المسلمين أولى من حفظ من معهم و إن لم يخف منهم نظرت فإن كان الأسرى قليلا جاز رميهم لأن الظاهر أنه لا يصيبهم و الأولى أن لا نرميهم لأنه ربما أصاب المسلمين و إن كانوا كثيرا لم يجز رميهم لأن الظاهر أنه يصيب المسلمين و ذلك لا يجوز من غير ضرورة ».

وقال في المغني (10/505): « وان دعت الحاجة الى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حالة ضرورة ويقصد الكفار ».

الحالة الثانية: أن يتترس العدو بناس من المسلمين أو أهل الذمة وليس هناك ضرورة لقتاله.

لا يجوز في هذه الحالة قتل الترس وذلك للأدلة العامة في حرمة دماء المسلمين وأموالهم. ولقوله تعالى {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }(الفتح25). وكذلك فان التوصل الى المباح بالمحظور لا يجوز، سيما بروح المسلم. قلت: فاذا كان قتلنا للمسلم الذي يكتم اسلامه ونحن لا نعلم باسلامه سيصيبنا منه معرة ( وهي العيب، أي يقول المشركون قتلوا أهل دينهم وقيل اثم وقيل شدة وقيل غم وقيل وجوب الكفارة والدية) فكيف نقتل مسلما نعلم اسلامه ولا ضرورة الى قتله. وكيف نفضل أنفسنا فنحفظها ونضيع نفسه فنقتله. وقد اعتبر الله عز وجل هذه الحكمة فقدر ألا يكون هناك قتال في الحديبية حفظا لدماء المسلمين الذين يكتمون ايمانهم وليؤمن بعض الكفار فيما بعد ولا يعير المسلمون لقتلهم اخوانهم.

قال القرطبي في تفسيره:« هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن، اذ لا يمكن أذية الكافر الا بأذية المؤمن. قال أبو زيد: قلت لأبن القاسم: أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الأسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم: أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم أسرى في مراكبهم؟ قال: فقال مالك لا أرى ذلك، لقوله تعالى لأهل مكة:"لوتزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما" وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه. وان فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة. فان لم يعلموا فلا دية ولا كفارة، وذلك أنهم اذا علموا فليس لهم أن يرموا، فاذا فعلوا صاروا قتلة خطأ والدية على عواقلهم. فان لم يعلموا فلهم أن يرموا. واذا أبيحوا الفعل لم يجز أن يبق عليهم فيها تباعة. قال ابن العربي: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء فكانوا ينزلون الأسرى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا. وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وان كان فيهم أسرى من المسلمين وأطفالهم. ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك، وان أصيب أحد من المسلمين فلا دية ولا كفارة. وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية. وقال الشافعي بقولنا. وهذا ظاهر، فان التوصل الى المباح بالمحظور لا يجوز، سيما بروح المسلم ».

وقال في المغني(10/505): « وان تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة الى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لأمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فان رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه... وان لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم الا بالرمي فقال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم لقول الله تعالى "ولولا رجال مؤمنون" قال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ انما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم اذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي الى تعطيل الجهاد فعلى هذا ان قتل مسلما فعليه الكفارة وفي الدية على عاقلته روايتان (احداهما) يجب لأنه قتل مؤمنا خطأ فيدخل في عموم قوله تعالى: {ً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ }(النساء92). (والثانية) لا دية له لأنه قتل في دار الحرب برمي مباح فيدخل في عموم قوله تعالى: { فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ }(النساء92). ولم يذكر دية. وقال أبوحنيفة: لا دية له ولا كفارة فيه لأنه رمي أبيح مع العلم بحقيقة الحال فلم يوجب شيئا كرمي من أبيح دمه. ولنا الآية المذكورة وانه قتل معصوما بالأيمان والقاتل من أهل الضمان فأشبه ما لو لم يتترس به ».

الحالة الثالثة: أن يتترس العدو بناس من الكفار وهناك ضرورة لقتاله.

وهذا جائز باتفاق جمهور الفقهاء. فاذا كان يجوز قتل الترس المسلم للضرورة فما بالك بغير المسلم. وقد دل على هذا رمي النبي صلى الله عليه وسلم حصون الطائف بالمنجنيق، وقد احتمى بها مقاتلتهم ونساؤهم وأطفالهم. ولا بد أن يؤدي هذا الرمي الى اصابة بعض هؤلاء. وكذلك حديث الصعب بن جثامة: قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين، يُبَيَّتون، فيُصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: « هم منهم » رواه مسلم(1745). وفي رواية البخاري(3012): فسئل عن أهل الدار يُبيَّتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: « هم منهم ». والتبييت طروق العدو ليلاً على غفلة للغارة والنهب .

ي قول النووي في شرح مسلم(7/325): « هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور. ومعنى يبيتون: أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي » .

قال الشافعي (الأم4/335): « ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يعمد قتل النساء والولدان لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهم أخبرنا سفيان عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن عمه [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الذين بعث إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان ] قال الشافعي : لا يعمدون بقتل، وللمسلمين أن يشنوا عليهم الغارة ليلا ونهارا فإن أصابوا من النساء والولدان أحدا لم يكن فيه عقل ولا قود ولا كفارة فإن قال قائل : ما دل على هذا ؟ قيل : أخبرنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الصعب بن جثامة الليثي [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وأبنائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم منهم ] وربما قال سفيان في الحديث : [ هم من آبائهم ] قال الشافعي رحمه الله تعالى : فإن قال قائل : قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ هم من آبائهم ] قيل : لا عقل ولا قود ولا كفارة فإن قال : فلم لا يعمدون بالقتل ؟ قيل : لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمدوا به فإن قال : فلعل الحديثين مختلفان ؟ قيل : لا ولكن معناهما ما وصفت فإن قال : ما دل على ما قلت : قيل له - إن شاء الله تعالى - : إذا لم ينه عن الإغارة ليلا فالعلم يحيط أن القتل قد يقع على الولدان وعلى النساء فإن قال : فهل أغار على قوم ببلد غارين ليلا أو نهارا ؟ قيل : نعم أخبرنا عمر بن حبيب عن عبد الله بن عون أن نافعا مولى ابن عمر كتب إليه يخبره أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخبره [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية ] قال الشافعي رحمه الله تعالى : وفي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بقتل ابن أبي الحقيق غارا دلالة على أن الغار يقتل وكذلك أمر بقتل كعب بن الأشرف فقتل غارا فإن قال قائل : فقد قال أنس : [ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بقوم ليلا لم يغر حتى يصبح][1] قيل له : إذا كان موجودا في سنته أنه أمر بما وصفنا من قتل الغارين وأغار على الغارين ولم ينه في حديث الصعب عن البيات دل ذلك على أن حديث أنس غير مخالف لهذه الأحاديث ولكنه قد يترك الغارة ليلا لأن يعرف الرجل من يقاتل أو أن لا يقتل الناس بعضهم بعضا وهم يظنون أنهم من المشركين فلا يقتلون بين الحصن ولا في الآكام حيث لا يبصرون من قبلهم لا على معنى أنه حرم ذلك وفيما وصفنا من هذا كله ما يدل على أن الدعاء للمشركين إلى الإسلام أو إلى الجزية إنما هو واجب لمن تبلغه الدعوة فأما من بلغته الدعوة فللمسلمين قتله قبل أن يدعى وإن دعوه فذلك لهم من قبل أنهم إذا كان لهم ترك قتاله بمدة تطول فترك قتاله إلى أن يدعى أقرب فأما من لم تبلغه دعوة المسلمين فلا يجوز أن يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإيمان إن كانوا من غير أهل الكتاب أو إلى الإيمان أو إعطاء الجزية إن كانوا من أهل الكتاب ولا أعلم أحدا لم تبلغه الدعوة اليوم إلا أن يكون من وراء عدونا الذين يقاتلونا أمة من المشركين فلعل أولئك أن لا تكون الدعوة بلغتهم وذلك مثل أن يكونوا خلف الروم أو الترك أو الخزر أمة لا نعرفهم فإن قتل أحد من المسلمين أحدا من المشركين لم تبلغه الدعوة وداه إن كان نصرانيا أو يهوديا دية نصراني أو يهودي وإن كان وثنيا أو مجوسيا دية المجوسي » .

وقال في المهذب(3/265): « فإن تترسوا بأطفالهم و نسائهم فإن كان في حال التحام الحرب جاز رميهم و يتوقى الأطفال و النساء لأنا لو تركنا رميهم جعل ذلك طريقا إلى تعطيل الجهاد و ذريعة إلى الظفر بالمسلمين ... و إن نصب عليهم منجنيقا أو بيتهم ليلا و فيهم النساء و الأطفال جاز لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه و سلم نصب المنجنيق على أهل الطائف و إن كانت لا تخلو من النساء و الأطفال و روى الصعب بن جثامة قال : سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم و ذراريهم فقال : [ هم منهم ] و لأن الكفار لا يخلون من النساء و الأطفال فلو تركنا رميهم لأجل النساء و الأطفال بطل الجهاد ».

الحالة الرابعة: أن يتترس العدو بناس من الكفار وليس هناك ضرورة لقتاله.

قبل البدء في الحديث عن هذه الحالة لا بد من الأشارة أن دماء الكفار ليست كلها مهدورة بل قد جاء النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أصناف من الكفاروقد دلَّ على ذلك:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، والصبيان. وفي رواية: فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. رواه البخاري(3014) ومسلم(1744).

وعن رباح بن الربيع رضي الله عنه قال : كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: « انظر عَلَام اجتمع الناس »؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل! فقال: « ما كانت هذه لتقاتل »! قال: وعلى المقدّمة خالد بن الوليد. قال: فبعث رجلاً فقال: « قُلْ لخالد: لا يَقْتُلنَّ امرأة، ولا عسيفاً ». رواه أبو داود(2669) وفي رواية: « انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك يقول: لا تقتلن ذُرِّيَّة ولا عسيفاً » رواه ابن ماجه(2843).

والعسفاء هم الأجراء، كما قال ابن الأثير في « النهاية » ويصدق على هذا الوصف الفلاحون الأجراء في الحقول في بلاد الحرب، وعمال المصانع، وعمال النظافة، والأطباء.وقال في عون المعبود:« وعلامته عدم حمل السلاح ». وكذلك جاء من طرق فيها ضعف النهي عن قتل الشيوخ.

قال ابن حجر في الفتح(6/147): « قوله "هم منهم" أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد اباحة قتلهم بطريق القصد اليهم، بل المراد اذا لم يمكن الوصول الى الآباء الا بوطء الذرية فاذا أصيبوا لأختلاطهم بهم جاز قتلهم... وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم ».

وقال الزرقاني في شرح الموطأ(4/11-12): « وقد اتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره على منع القصد الى قتل النساء والصبيان وحكى الحازمي قولا بجواز قتلهما على ظاهر حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب وقد أشار أبو داود الى نسخ حديث الصعب بأحاديث النهي... والأولى الجمع بين الحديثين بأن معنى قوله هم منهم أي في الحكم في تلك الحالة المسؤول عنها وهي ما اذا لم يمكن الوصول الى قتل الرجال الا بذلك وقد خيف على المسلمين فاذا أصيبوا لاختلاطهم بهم لم يمتنع ذلك وليس المراد اباحة قتلهم بطريق القصد اليهم مع القدرة على تركه جمعا بينهما بدون دعوى نسخ » .

وقال في المغني(10/503): « فان قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم، قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم فلا. قال وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث الى ابن أبي الحقيق وعلى ان الجمع بينهما ممكن: يحمل النهي على التعمد والأباحة على ما عداه ».

وقال ابن أبي عمر المقدسي (الشرح الكبير على المقنع (10/402)) : « إذا

تترسوا في الحرب بالنساء والصبيان ومن لا يجوز قتله، جاز رميهم، ويُقصد المقاتلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق، ومعهم النساء والصبيان؛

ولأن كف المسلمين عنهم يُفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم، وسواء كانت الحرب ملتحمة أو لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب ». وقال في المهذب(3/265): « و إن كان- أي رمي الكفار وقد تترسوا بذراريهم ونسائهم - في غير حال الحرب ففيه قولان: أحدهما أنه يجوز رميهم لأن ترك قتالهم يؤدي إلى تعطيل الجهاد و الثاني أنه لا يجوز رميهم لأنه يؤدي إلى قتل أطفالهم ونسائهم من غير ضرورة » .

لقد اختلفت أقوال العلماء في هذه الحالة، بينما كانت متفقة في الحالات الثلاث السابقة. والذي أراه في هذه الحالة هو المنع من قتل الترس، والذي يدفعني الى ترجيح المنع، الأدلة الكثيرة في النهي عن قتل النساء والأطفال ومن في معناهم. وهناك أمر آخر مهم في هذه المسألة، وهو أن المسلمين عندما يخرجون للقتال، لا يدفعهم الى ذلك حب القتل والتشفي والأنتقام، بل اعلاء كلمة الله ونشر دينه، وقد يكون في الأبقاء على النساء والصبيان ومن في معناهم فرصة لأسلام هؤلاء وادخالهم في دين الله ـ وأحد أمهات المسلمين واحدة منهم ـ ويكون فيه تحسين صورة المسلمين أمام الآخرين وتحبيبهم في دين الله الذي يرحم عدوه ويتجاوز عنه. ألا ترى أن الرسول صلى الله عليه وسلم عفا عن أهل مكة ـ بل عن بعض مجرميها والذين سبق أن أهدر دماءهم ـ فكان هذا سببا في اسلامهم وخدمتهم للأسلام فيما بعد مثل أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن أبي السرح. ألا ترى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل عبد الله بن أبي بن سلول وهو أهل لذلك حتى لا يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فيكون ذلك سببا في خوفهم من الدخول في الأسلام، وبقائهم على كفرهم. أقول ان مراعاة مثل هذه المسائل تخدم الدعوة الى الله، وهي الأساس والغاية من الجهاد في سبيل الله.

خاتمة:

الجهاد في سبيل الله من أعظم القربات الى الله، والجهاد ذروة سنام الأسلام، والذي يجاهد في سبيل الله مخلصا لله منضبطا بضوابط الشرع خير من الذي قعد عن الحهاد من غير ضرر. والذي نقصده من هذا البحث هو أن يكون جهادنا شرعيا منضبطا محققا لمقاصد الشريعة ومصالح الأمة، وليس قصدنا التخذيل عن الجهاد أو التنقيص من شأن المجاهدين.

ومما سبق يتبين لنا حرمة قصد الترس المسلم أو الكافر في حال تترس بهم الكافر ولم يكن هناك ضرورة لقتاله من التحام في القتال أو خوف على المسلمين من شره وتعدي الضرر لمجموع المسلمين وتحقق قتل الترس على كل الأحوال. نعم قد يعارض البعض في هذا ويستدل بأدلة منها: ان قتل الترس فيه ترك لحفظ النفس في حين قتل الكافر فيه حفظ للدين، وحفظ الدين مقدم على حفظ النفس. كما ويستدلون بحديث الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى اذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فقلنا: يا رسول الله، ان الطريق قد تجمع الناس، فقال: نعم، فيها المستبصر، والمجبور، وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله عز وجل على نياتهم ». ويقولون كذلك ان الكفار استباحوا منا كل الحرمات، ونحن نعاملهم بالمثل، بل أقل من ذلك والبادىء أظلم.
أقول: أولا اذا تعارض حفظ الدين وحفظ النفس فلا يقدم حفظ الدين مطلقا، ألا ترى أنا قدمنا حفظ نفس المريض والمسافر على حفظ الدين فسمح له بالفطر في رمضان وسمح للمسافر بالقصر والجمع في الصلاة، وسمح للمريض بكشف العورة أمام الطبيب الثقة للعلاج وأكل المضطر للميتة وشربه للمسكر. ان المصالح تتدرج من الضروري الى الحاجي الى التحسيني. فاذا كان حفظ النفس من الضروري وحفظ الدين من التحسيني فلا يقول كل أحد بتقديم حفظ الدين على حفظ النفس في هذه الحالة. نعم اذا كانت المصلحتان من نفس الدرجة أو كان حفظ الدين من درجة أعلى فهنا يقدم حفظ الدين على غيره من المصالح. وهكذا اذا تترس الكافر بالمسلم وكان خطر هذا الكافر قليلا وليس شاملا، فلا نقول بان حفظ الدين لا يتم الا بقتل هذا الكافر وحتى لو ترتب عليه قتل المسلم وترك حفظ نفسه. أما اذا كان قتل الكافر فيه المصلحة العامة للأمة وابعاد الخطر عن جمهورها فهنا يقدم حفظ الدين. ثانيا أما الحديث فهو دليل لما ذهبنا اليه فان الجيش الغازي يغزو بيت الله الحرام وهذه مفسدة تعم جميع المسلمين وليس آحادهم، وكذلك فقد ذكر كثير من العلماء هذا الحديث في باب المهدي وفي اهلاك هذا الجيش بداية نصر المسلمين وعزتهم جميعا فعلم الله المصلحة العامة للأمة فقتل الجميع وبعثهم على نياتهم. وأخيرا نأتي للمعاملة بالمثل. قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }(المائدة45). وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }(النحل126). وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ{39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ{41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ{42} وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{43} }(الشورى39-43).
والمتأمل في هذه الآيات التي تجيز المعاملة بالمثل، أنها لا توجبه، بل تبين أن العفو أفضل. بل سماها الله في سورة الشورى سيئة. عن أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا مثل هذا من المشركين لنربين عليهم، فلما كان يو فتح مكة. قال رجل من القوم لا يعرف، لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن الأسود والأبيض الا فلانا وفلانا، ناسا سماهم فأنزل الله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصبر ولا نعاقب. وفي رواية أخرى بنفس الأسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم الا أربعة منهم. رواه أحمد(21549) والترمذي (3129) وقال حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب، وحسن اسناده الألباني وشعيب الأرناؤوط. قلت فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بالأفضل وهو العفو وعندما أراد القصاص فانما أراد أن بقتص ممن وقع منه الجرم والتمثيل، ألا ترى أنه أباح قتل هند بنت عتبة ووحشي بن حرب الذين مارسا التمثيل بعمه ولم يبح قتل غبرهما ـ علما بأنه قد عفا عنهما بعد ذلك صلى الله عليه وسلم ـ وعندما عاقب العرنيين الذين مثلوا بالراعي انما عاقب من باشر الفعل ولم يعاقب كل من انتسب الي قبيلتهم. وعندما عاقب أبو بكر المرتدين حرق وقتل وألقى من شاهق من فعل ذلك منهم بالمسلمين وعفا عمن دونهم. فهل نحن عندما نقتل أبناء المشركين في بلادهم أو نفجرهم انما نقتل أبناء من قتل أبناءنا ونساءنا. بل ربما نكون قتلنا مسلما أو كارها لما يفعل قومه أو من خرج يوما في مظاهرات صاخبة ضد حكومته محتجا على حربها ضد المسلمين. وعلى كل حال فالصبر وعدم المعاملة بالمثل أفضل عند الله ـ كما ذكر الله ـ ولعله أن يحبب الناس بدين الله والمجاهدين المدافعين عن حرماته. ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا ترك المعتدي واعتداؤه. بل يدفع ويقاتل وان ظفر به فنحن مخيرون بين العقوبة بالمثل أو عقوبته بما هو دون فعله أو العفو، ولكن لا يتعدى على غيره. قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: « يقول تعالى ذكره للمؤمنين : وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة ولئن صبرتم عن عقوبته واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم ووكلتم أمره إليه حتى يكون هو المتولي عقوبته { لهو خير للصابرين } يقول : للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتسابا وابتغاء ثواب الله لأن الله يعوضه من الذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إياه من لذة الانتصار وهو من قوله { لهو } كناية عن الصبر وحسن ذلك وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله { ولئن صبرتم } عليه. وقد اختلف اهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الاية وقيل : هي منسوخة أو محكمة فقال بعضهم : نزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المشركون يوم أحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المثلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يوما فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل وإيثار الصبر عنه بقوله { واصبر وما صبرك إلا بالله } فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المثلة » . وقال القرطبيفي تفسيره(16/36):« قوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } قال العلماء : جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله : { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } وصنف ينتصرون من ظالمهم ثم بين حد الانتصار بقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي قال مقاتل و هشام بن حجير : هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم وقاله الشافعي و أبو حنيفة و سفيان ». نعم ينتصر المسلم من ظالمه وبالذات اذا أصر هذا الظالم على ظلمه ولكن دون تعد وتجاوز للشرع. وانما يكون القصاص ممن وقع منه الأعتداء وليس من غيره، فضلا عمن ربما كان كارها لأعتداء أهل دينه على المسلمين.



[1] رواه مسلم (382) والترمذي (1618) وقال هذا حديث حسن صحيح.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©