قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


هل هي بداية صحوة شيعية في لبنان 

جهاد الزين 2006-08-03
مصارحة مع السيد خامنيء
سماحة المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي:
في هذه اللحظات التي اكتب فيها اليك يبدو ان العدوان الاسرائيلي على لبنان يدخل مرحلة جديدة بعد حوالي اسبوعين من القصف التدميري الهائل في عدد من المناطق. لقد بدأ التوغل البري. وها هي اليوم "بنت جبيل" اكبر بلدة – مدينة في اقصى الجنوب الجنوبي والمحاذية لمنطقة الجليل وراء الحدود تكاد تسقط في يد الاحتلال الاسرائيلي بعد اكثر من ست سنوات على تحريرها عام 2000.
أخبرك هذا والالم يعتصرني كعاملي وكلبناني وكعربي. اننا نشهد اذن مع عودة هذا الاحتلال انهياراً محتملاً لاحد اكبر الانجازات في تاريخنا اللبناني تحقق في السنوات الممتدة من تسعينات القرن العشرين على يد "حزب الله" اساساً الذي ورث بأشكال مختلفة ومعقدة تراث جيلين لبناني وفلسطيني من مقاومة اسرائيل. ما قد ينهار الآن – يا للوعة – هو انجاز التحرير عام 2000، رغم ان "المقاومة" ألحقت ولا تزال خسائر موجعة جداً بالعدو ومفاجئة له.
ارجو ان يتمكن المقاتلون من صد او تأخير الاجتياح الاسرائيلي الجديد. وهم يقومون على اي حال بمجهود استثنائي ليسوا معدين له. فهم كما تعلم اكثر مني رجال "حرب عصابات" اكفياء وشجعان لا رجال جيش كلاسيكي مسلح. لكن هذا الرجاء لا يمنع السؤال الكبير الذي اريد ان اتوقف عبره معك سماحة المرشد الآن:
هل من الجائز لاية سياسة مهما كانت دوافعها ان تغامر بخسارة انجاز تحرير جنوب لبنان عام 2000؟
أطرح عليك هذا السؤال سماحة المرشد لان الخسارة هنا ليست لـ"حزب الله" ولا لـ"الشيعة" بل بالتأكيد لكل اللبنانيين الذين احتضنوا هذا الانجاز واعتبروه ميدالية يتباهون بها امام العرب والعالم على الصعيد المعنوي، ونقطة تحوّل في تاريخ بنائهم الوطني الذي يحتاج دائماً الى تدعيم على الصعيد السياسي. لقد كان اول تحرير لارض عربية بالكفاح المسلّح دون اي معاهدة صلح مع العدو الاسرائيلي.
انتم في طهران وفي ظل مرجعيتك تعرفون الاجابة عن درجة المسؤولية في التقدير السياسي للمعركة الاخيرة التي فاجأ فيها العدو الاسرائيلي كل اللبنانيين حين ظهر انه استفاد من عمل خطف الجنديين الاسرائيليين وراء الحدود التي تعترف الامم المتحدة، اي القانون الدولي، لاسرائيل بها، او ما اصبح يسمى الخط الازرق والبعيدة جداً - بالمسافات اللبنانية – عن مزارع شبعا... استفاد لينقضّ في حملة تدمير وحشية على لبنان وسط تأييد شعبي اسرائيلي يبلغ السبعين بالماية بعكس اتجاه الرأي العام الاسرائيلي عام 2000 الذي ساهم رفضه لكلفة الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان التي كبدته اياها المقاومة في ارغام الحكومة الاسرائيلية على الانسحاب يومها. كذلك مع الاسف، وبعكس جو العام 2000، يتم الهجوم الاسرائيلي الجديد وسط تأييد سياسي معلن وغير معلن رفيع المستوى في الاتحاد الاوروبي.
سماحة المرشد:
ارجو – ومثلي كثيرون داخل الطائفة الشيعية في لبنان وبين مواطنينا من ابناء الطوائف الاخرى الذين يبدون تضامنا وطنيا ناضجا مع النازحين وغالبيتهم الساحقة من الشيعة، الهاربين وسط ظروف مأساوية جدا من مناطق القصف الاسرائيلي، ويستقبلونهم ويساعدونهم – أرجو كما هو رجاء الكثيرين من اللبنانيين ان يكون بالامكان تعويض الخسائر السياسية الفادحة التي كان ايضا كثير من النخب اللبنانية قد حذرت من وقوعها معتبرة ان التحرير المشرِّف جدا عام 2000 بات يستلزم وضعا جديدا في جنوب لبنان يكون فيه الجيش اللبناني هو المسؤول الوحيد عن المنطقة الحدودية.
أما السؤال الآخر الذي أطرحه في مجال هذه المصارحة، فهو ما اذا كانت هذه الاحداث المأساوية فرصة لتأمل علاقة ايران بالجماعات الشيعية خارجها، وخاصة في بلدان صغيرة مثل لبنان والكويت والبحرين، وبصورة أخص في لبنان.
سماحة المرشد سؤالي هو:
أيا تكن صعوبات الموقع الدولي والاقليمي (بل الاقاليمي من آسيا الوسطى الى القوقاز الى العالم العربي) لايران... هل هذه الاحداث اللبنانية ستعطي انطباعا ان السياسة الايرانية مستعدة لاستخدام هذه البيئات الشيعية ضمن مشاريعها السياسية ايا تكن كلفة الاستخدام التي تدفعها هذه البيئات والبلدان التي تعيش ضمن نسيجها العام؟
أعتقد، سماحة المرشد، أن هذه النقطة ستكون مثارة بصورة أو بأخرى على المدى الابعد وربما الأقصر سواء داخل هذه البيئات الشيعية العربية او داخل المجتمعات التي يعيش ضمنها الشيعة العرب، وهم، جمهورا ونخبا، جزء لا يتجزأ منها ويحتلون، خصوصا في بلد كلبنان، مواقع أساسية بل ريادية، كغيرهم في الكثير من المجالات. لا بل، دعني أشير ان انجاز العام 2000 التحريري بما عناه من عمل "تأسيسي" كما نقول هنا في لبنان الكيان القلق، جعل "الشيعة" في نظامنا الذي هو نظام طائفي، للمرة الاولى يساهمون في رسم الجغرافيا الحدودية اللبنانية، على غرار مساهمة الطائفة المارونية التي كان لها دور في تأسيس الكيان اللبناني عام 1920، والطائفة السنية التي كان دورها تكريسيا لـ"لبنان الكبير" عام 1943.
لدينا في لبنان – في مجال تبادل الاتهامات السياسية – خلط بين اعتبار علاقات الطوائف مع الخارج "عيبا" قائما بذاته، وبين نمط هذه العلاقات الذي يمكن ان يكون مدعاة للانتقاد.
في الحقيقة كل القوى الاساسية في النظام الطائفي اللبناني هي على صلة مع الخارج... وذات سمة "خارجية" اذا جاز التعبير: المسيحيون، وخصوصا الموارنة ذوو العلاقة التقليدية الوثيقة جدا بالفاتيكان وفرنسا والغرب عموما، والسنّة كما الشيعة كما الدروز. هذه العلاقات وهي ثقافية وتربوية واقتصادية ناهيك عن السياسية وأحيانا الايديولوجية هي عناصر غنى للبنان تساهم في اعطائه طابعه الجذاب. علاقة الشيعة مع الخارج، ومنه ايران والعراق، هي ايضا جزء من هذا النسيج الفريد للبنان.
لكن سماحة المرشد، المشكلة انه بين الحين والآخر تظهر علاقات لبعض القوى اللبنانية ذات طابع عسكري مع الخارج. هذا الارتباط العسكري بالخارج الذي مرت به جماعات لبنانية في مراحل مختلفة، هو الآن حالة شيعية فقط.
إذن الاعتراض ليس على الخارج، وهناك قوى لا تقل عن "حزب الله" علاقة مع الخارج في بعض الطوائف الاساسية، انما المشكلة هي ان الحالة الشيعية تحتضن الحالة الوحيدة الباقية في الارتباط العسكري بالخارج اذا جاز التعبير. و"حزب الله" الذي حظي نتيجة تجربته في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي حتى العام 2000 باحترام شديد لبناني وعربي، كان يتعرض لنقد، لا بسبب علاقته الثقافية الايديولوجية السياسية بايران، ولكن بسبب استمرار هذا الجانب العسكري للعلاقة بعد العام 2000.
ان الصلات الوثيقة الايديولوجية السياسية الثقافية الاقتصادية تاريخيا للعديد من القوى والهيئات اللبنانية بالخارج هي أمر ضروري وحيوي. وبعد تحرير أرضنا عام 2000 كان لدينا ولا زال مجال واسع للمساهمة في دعم النضال الوطني الفلسطيني في الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي، كما في دعم سوريا لتحرير الجولان المحتل.
اننا سماحة المرشد، في لحظات صعبة، قدرنا ان نواجه العدوان الاسرائيلي على بلدنا مرة اخرى وان يسقط شهداء كثيرون وان ندفع دمارا كان بامكاننا تلافيه. لكن الصمود الان هو أولوية جميع اللبنانيين أيا تكن وجهات نظرهم مختلفة، فهو اختلاف في اطار التضامن الوطني.
سماحة المرشد، انها لحظة لايران هذا البلد المهم والكبير والعريق في المنطقة، هذه الدولة التاريخية بكل ما تعنيه الكلمة، الحاملة لثروة هائلة من الارث الثقافي والفني ناهيك عن الثروة النفطية، كي تطرح هي ايضا الاسئلة، حتى لو كانت أصوات المدافع "تصل" الى طهران، الاسئلة عن معنى ومستقبل العلاقة مع بلد كلبنان وآثارها على صورة ايران نفسها

تعليق: هذا مقال نشره الصحفي جهاد الزين ( وهو من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان) في صحيفة النهار, وهو عبارة عن رسالة وجهها الكاتب إلى المرشد العام للثورة الإيرانية.
المقال صريح وواضح, ويتردد أنه تعبير صادق عما يفكر فيه كثير من أبناء الشيعة, وبين كل فترة وأخرى نسمع مثل هذه الصيحة, ثم يتلاشى الصوت بسبب التأييد المطلق الذي يلقاه ما يسمى بحزب الله من الشيعة, فهل تتغير هذه الصورة بعد أن يتوقف القتال؟!

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©