قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


تيري ميسان: الشرق الأوسط الجديد .. قديم(1) 

عن موقع الإسلام اليوم 2006-08-09

ترجمة: بتول عبد الحق
كتب: تيري ميسان
*
7/7/1427
01/08/2006

سئلت كوندوليزا رايس عن الخطوات التي سوف تنتهجها في سبيل إعادة الاستقرار إلى لبنان، فكان جوابها: "إنني لا أرى أي مصلحة من أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً بين إسرائيل و لبنان. أعتقد أنه سيكون من الخطأ أن نعمل لأجل هدف كهذا. إن ما نفكر فيه هنا، بطريقة أو بأخرى، هي البداية، إنها آلام المخاض التي تسبق ولادة الشرق الأوسط الجديد، و مهما يكن من أمر، فإنه يتعين علينا أن ندفع باتجاه تشكُّل هذا، و ألاّ نتراجع إلى الوراء".بالتالي فإن ما يقع في لبنان في الوقت الحالي من وجهة نظر واشنطن، لا علاقة له بقضية تحرير الجنديين الأسيرين في يد حزب الله، بمعنى أن ما يقع هو التطبيق الجدي لما تقرره نظرية "الفوضى البناءة" التي جرى التبشير بها طويلاً. إذاً فإن أتباع الفيلسوف (ليو شتراوس) الذين يُعرفون إعلامياً تحت مسمى "المحافظين الجدد"، يؤمنون أن التغيير لا يتحقق من خلال الجمود، و إنما يتعين لأجل إحداث ذلك، تحطيم كل شكل من أشكال المقاومة. بعبارة أخرى، يتعين إدخال المجتمع كله في الفوضى حتى تتمكن 'النخب' في أن تنعم باستقرار مواقعها. ثم إنه و على حسب أتباع (شتراوس) دائماً فإنه لا يمكن للمصالح الإمبريالية الأمريكية أن تلتقي مع مصالح الدولة اليهودية إلا وسط هذه الفوضى.
الواقع أن الحرص الإسرائيلي على تقسيم لبنان، و إقامة دويلة مسيحية صغيرة فيه، ثم إلحاق جزء من ترابه بها أمر قديم، و ليس حديثاً مثلما قد يقول بعضهم؛ إذ أُعلن عن هذا في العام 1957، من قبل ديفيد بن غوريون بوساطة رسالة شهيرة له نُشرت ملحقة فيما بعد في مذكراته التي طُبعت بعد وفاته، (2) و هذه 'الطموحات' تم إدراجها في مشروع استعماري كبير للشرق الأوسط أُعد خلال العام 1996 تحت عنوان: القطيعة الحقيقية: الإستراتيجية الجديدة لأمن المملكة(3) -مملكة إسرائيل طبعاً-. هذه الوثيقة الأخيرة، أعدها أحد مراكز (الثينك تانكس) التابعة للمحافظين الجدد ( IASPS ) من طرف مجموعة من الخبراء الذين جمعهم (ريتشارد بيرل) ( الكاتب الصهيوني المعروف ) و تم تسليمها لبنيامين نتنياهو، و فيها ما يمكننا عده، شرحاً وافياً للفكر الصهيوني التحديثي الذي أسسه فلاديمير جابوتينسكي،(3) و تتمحور أساساً حول النقاط التالية:
- إلغاء بنود اتفاقات أوسلو.
- التخلص من ياسر عرفات
- ضم الأراضي الفلسطينية.
- إسقاط الرئيس صدام حسين في العراق واحتلالها تمهيداً لزعزعة كل من سورية و لبنان.
- تقسيم العراق و إقامة دولة فلسطينية فوق ترابه.
- استعمال التراب 'الإسرائيلي' كقاعدة ملحقة بالبرنامج الأمريكي المعروف تحت مسمى: حرب النجوم.
لقد كانت هذه الوثيقة في الواقع، هي روح الخطاب الذي ألقاه نتنياهو بعد ذلك مباشرة أمام الكونغرس الأمريكي،(4) و يمكننا أن نلحظ في هذا الخطاب كل مقومات و 'توابل' هذه الوضعية الحالية التي نعيشها: تهديدات لسورية، إيران و حزب الله فضلاً عن الشروع الفعلي في ضم الجزء الشرقي من مدينة القدس.
من هنا، يمكننا أن نلحظ أن 'وجهة النظر' هذه تلتقي بشكل مباشر مع الرغبة الأمريكية في السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط التي يسميها كل من (زبيجنيف بريجنسكي) و (برنارد لويس): "قوس الأزمات" و هي كل المنطقة التي تمتد من خليج غينيا إلى بحر قزوين مروراً بالخليج العربي و التي تعني أيضاً، العمل على إعادة تشكيل الحدود، و تغيير الدول و الأنظمة السياسية السائدة فيها أو بحسب تعبير جورج بوش: "إعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير".
هذا هو الشرق الأوسط "الجديد" الذي تعتقد الآنسة كوندوليزا رايس أنها سوف تكون 'القابلة' التي تشهد ولادته.
الفكرة في عمومها بسيطة: الاستعاضة عن الدول التي تشكّلت بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بدويلات أصغر منها تكون ذات تركيبة أُحادية الإثنيات ثم تحييد هذه 'الدويلات' بعد ذلك من خلال شغلها ببعضها البعض. بعبارة أخرى، إن الأمر يعني مراجعة بنود الاتفاقية التي تمت المصادقة عليها بشكل سري خلال العام 1916، و التي عُرفت تاريخياً باسم 'اتفاقية سايكس-بيكو' بين الإمبراطوريتين الفرنسية و البريطانية(5)، وصولاً إلى تحقيق الهيمنة المطلقة من قبل الدول الأنجلوسكسونية على المنطقة. هذا يعني أن عملية إيجاد دويلات جديدة تقتضي تدمير هذه المتواجدة حالياً، و هذا ما تسعى لأجل تحقيقه إدارة الرئيس بوش منذ خمس سنوات قبل الآن، و يمكننا لأجل البرهنة على ذلك أن نستشهد بما يلي:
- لقد اقتُطع ما نسبته 7% من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم إن كلاً من قطاع غزة و الضفة الغربية قد جرى فصلهما بشكل فعلي بواسطة الجدار، أما السلطة الفلسطينية فلقد تم تدميرها قبل أن يُعمد أخيراً إلى توقيف النواب و الوزراء الذين ينتمون إلى حكومة منتخبة.
- لقد فرضت الأمم المتحدة على لبنان أن ينزع سلاحه، حيث أخرجت القوات السورية، و تم التشديد على حزب الله، أما رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فلقد جرى اغتياله؛ مما أدى إلى أن تفقد فرنسا نفوذها في المنطقة، و حالياً تم تدمير البنية التحتية للبلد، و صار أكثر من نصف مليون إنسان هناك، نازحين يبحثون عن مأوى.
- تم القضاء على نظام صدام حسين في العراق و استبداله بنظام حكم أشد قسوة بات يسجل مقتل نحو (3000) إنسان كل شهر هناك فضلاً على أن هذه البلاد التي بلغت أقصى درجات الاضطراب، مرشحة إلى أن تنقسم إلى ثلاث كيانات مختلفة.
- أما في أفغانستان فلقد تم إسقاط إمارة طالبان هناك، و جرى تعويضها بديمقراطية غريبة لا تزال لحد الساعة عاجزة عن فعل أي شيء مما وعدت به، و لا حتى الحد من زراعة الأفيون و الواقع أن هذه البلاد باتت مقسومة بين أمراء الحرب المحليين الذين تشتد المواجهات بينهم كل يوم؛ لأن الحكومة المركزية لم تستطع حتى أن تفرض على سكان العاصمة طاعتها.
أما في واشنطن، فإن صبر أتباع شتراوس نفد، و لم يعودوا قادرين على التحمل أكثر؛ لأجل هذا تراهم يحاولون تصدير 'الفوضى' صوب السودان، سورية و إيران. و الحقيقة أنه لا مجال للحديث عندهم عن ديموقراطية انتقالية، فالمرحلة لا تحتمل غير مزيد من الدماء و الدموع في نظرهم، في حين أن الرئيس جاك شيراك الذي حاول أن يتدارك آخر ما تبقى لفرنسا من مصالح في لبنان، أسرع بإيفاد رئيس وزرائه، (دومينيك دوفيلبان) قبل أن تتبدد أوهامه خلال قمة الثمانية في سانت بترسبورغ؛ لأن الرئيس جورج بوش أوضح له على هامش الأشغال، أن ما يجري في لبنان ليست حرباً إسرائيلية تباركها الولايات المتحدة، و إنما هي خطة أمريكية تنفذها القوات الإسرائيلية، و ظهر هذا جلياً في كلمات السيد (دوفيلبان) الذي لم يجد أي كلمات يقولها أمام محدثيه في بيروت، غير عبارات المواساة التي تعبر عن الضعف بشكل لا غبار عليه.
بطريقة أكثر وضوحاً، لقد طُرح مشروع تدمير لبنان قبل أكثر من عام من الآن، من طرف قيادة الجيش الإسرائيلي على إدارة بوش، و هذا ما كشفته جريدة سان (فرانسيسكو كرونيكل)(6). لقد كان هذا المشروع محل نقاش سياسي خلال أشغال المنتدى العالمي الذي ينظمه سنوياً معهد (أمريكن إنتربرايز) في دورته الأخيرة التي انعقدت يومي 17 و 18 من شهر حزيران/يونيو المنصرم في الولايات المتحدة؛ إذ تقول التقارير إن كلاً من نتنياهو، وديك تشيني، وريتشارد بيرل و غيرهم من رموز -التيار المتصهين- حضروا أشغاله، و يبدو أن الضوء الأخضر قد أُعطي من قبل البيت الأبيض أياماً قليلة بعد ذلك.

إن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية تقع تحت الإشراف المباشر من قبل كتابة الدفاع الأمريكية؛ إذ تقوم هذه الأخيرة بإعداد الخطط و تحديد الأهداف، و أما الدور الرئيسي فلقد خُوّل به الجنرال (بانتز غرادوك) بصفته قائداً للقيادة الجنوبية -الأمريكية- و هذا الأخير متخصص في حركات المدرعات مثلما أثبت ذلك خلال "زوبعة الصحراء' أو خصوصاً حينما كان قائداً لقوات مشاة حلف النيتو خلال حرب كوسوفا. إنه رجل يحظى بثقة مطلقة من قبل رامسفيلد؛ فهو من تكفل بأمر تسيير قيادة الأركان خصيصاً لأجله فضلاً على أنه هو من تكفل ببلورة و تطوير معتقل غوانتانامو، ثم إنه سوف يعين خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، قائداً للقيادة الأمريكية في أوروبا و قوات النيتو هناك و من هذا المنطلق يمكننا أن نتوقع أنه سوف يكون المشرف المباشر على القوات التي قد يبعث بها هذا الحلف إلى جنوب لبنان؛ زيادة عن تلك التي تم إرسالها إلى أفغانستان و السودان.
لقد اعتاد الجنرالات الإسرائيليون و الأمريكيون، على الالتقاء و التعاون ثم التنسيق منذ نحو ثلاثين سنة بناء على المبادلات التي ينظمها 'المعهد اليهودي لقضايا الأمن القومي' الذي يُعرف اختصاراً باسم: ( JINSA ) و هي 'جمعية' تجبر كل كوادرها على أن يحضروا -و بشكل منتظم- ملتقيات تنظم لدراسة فكر (ليو شتراوس).



(1) العنوان الأصلي للمقال: المحافظون الجدد و سياسة 'الفوضى البناءة' و يمكن قراءته على الرابط:
http://mondialisation.ca/index.php?context=viewArticle & code=MEY20060725 & articleId=2815
(*) تيري ميسان هو صحفي و كاتب فرنسي، إلى جانب أنه مدير شبكة فولتير العالمية، فضلاً على أنه صاحب كتاب 'الخديعة المرعبة' الذي دحض فيه الرواية الرسمية لحقيقة ما جرى في 9/11، و لقد تُرجم الكتاب إلى كل اللغات العالمية تقريباً.
(2) يمكن قراءة النسخة الفرنسية من رسالة بن غوريون إلى موشيه شاريت حول هذا الموضوع على الرابط:
http://www.voltairenet.org/article9886.html
(3) يمكن قراءة نسخة مختصرة من الوثيقة على الرابط:
http://www.israeleconomy.org/strat1.htm
(4) والد نتنياهو نفسه كان سكرتيراً خاصاً لفلاديمير جابوتينسكي، مؤسس الصهيونية الحديثة التي ينتمي إليها إيهود أولمرت أيضاً.
(5) تم التوقيع على هذه الاتفاقية 'السرية' بتاريخ 16 أيار/مايو بين السير مارك سايكس عن بريطانيا و فرانسوا جورج بيكو ممثلاً لفرنسا قبل أن تقبل بها بعد ذلك كل من إيطاليا و روسيا.
(6) نُشر هذا المقال في عدد جريدة سان فرانسيسكو كرونيكل ليوم 21 من شهر تموز/يوليو الحالي.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©