قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


من أجل 400 مليون طفل جائع 

جيمس موريس - الحياة 2006-10-16
ينمو أطفالنا في عالم تتزايد فيه حدة المنافسة، عالم يبدأ فيه السباق الى القمة فى مرحلة مبكرة مقارنة بالماضي. ففي اليابان ومعظم أنحاء الدول الغربية، يواجه أطفال المدارس اختبارات موحدة فى سن مبكرة يمكن أن تحدد كيف ستسير بقية حياتهم. وفى بعض الحالات، تبدأ هذه الاختبارات الفاصلة فى عمر صغير مثل الخامسة.
وباعتبارنا آباء، فإننا قد نفعل أي شيء لمساعدة أطفالنا خلال هذه العملية القاسية. وينفق البعض منا مبالغ طائلة على التعليم الخاص. وينتقل آخرون للإقامة في أحياء معينة كي يتأهل أبناؤهم لأفضل المدارس. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل يقوم بعض الآباء باعطاء أولادهم دروسا خصوصية وفصول تقوية وحصص موسيقى، ويبعثونهم للدراسة فى الخارج، ويحضونهم لاختبارات مستوى الذكاء من أجل إعطائهم تلك الميزة الإضافية.
وفي العالم المتقدم، يساورنا القلق كذلك إزاء تقديم التغذية الملائمة والتدريب لأطفالنا لدفع أخطار السمنة المفرطة عنهم. ولكن على الرغم من أننا نجد سعادة في الحديث عن أن العقل السليم فى الجسم السليم، فإنه قد مر وقت طويل منذ أن كنا نقلق بشأن تأمين الغذاء الكافي لأطفالنا.
ولكن، ولسوء الحظ، فإن قضية سوء التغذية بالنسبة لنحو 400 مليون طفل في أكثر البلدان فقراً، ما تزال محور حياتهم. وليست هذه المسألة قضية تتعلق فقط بكون الطفل يصبح جائعا، أو دون الوزن الطبيعى، أو يعاني من مشاكل صحية وبدنية أو متأخرا من ناحية النمو الجسدي بسبب سوء التغذية. فقد قام الباحثون الآن بتوثيق نتائج تشير إلى أن الأطفال الصغار الذين يعانون من سوء التغذية عادة ما يظهرون مستويات أقل من الذكاء عن أولئك الذين يحصلون على تغذية جيدة، وذلك أثناء مراحل النمو المختلفة – وهذا يضعهم فى موقع متخلف، منذ البداية، بالنسبة الى منحنى النمو في هذا العالم التنافسي.
وقد أظهرت أبحاث حديثة اجريت فى تشيلي علاقة مباشرة بين حجم المخ ومستوى الذكاء: أي أنه ببساطة كلما كبر حجم المخ زاد مستوى الذكاء، فإذا سلمنا بأن 70 بالمائة من نمو المخ يحدث في السنتين الأوليين من عمرنا، فإن الأبحاث أظهرت أن سوء التغذية في الطفولة المبكرة من المرجح أن يؤثر تأثيرا ملحوظا على الأداء الذهني فيما بعد.
وقد أظهرت دراسات أخرى كثيرة أن سوء التغذية المبكر قد يترك آثارا مستديمة على قدرة الطفل على التعلم. كما كشف بحث بريطاني قام بفحص 5 آلاف شخص ولدوا عام 1946 أن أولئك الذين ولدوا دون الوزن الطبيعي عانوا من آثار ذهنية أخرتهم خلال فترة الطفولة وحتى المراهقة، مما أثر على أدائهم المدرسي ودخولهم إلى الجامعة.
إضافة إلى أن ملايين عدة من أكثر الأطفال فقرا، لا سيما في بلدان مثل النيجر وتشاد وبنغلاديش، من المحتمل ألا يجدوا فرصة للذهاب إلى المدرسة على الإطلاق، حيث تحتاج عائلاتهم إلى كل يد عاملة للتغلب على حدة الفقر. وقد يذهب أطفال فقراء آخرون إلى المدرسة بشكل متقطع، أو قد يذهبون ولكن يكون كل تركيزهم منصبا على موعد الوجبة التالية وليس على ما يقوله مدرسوهم لهم. وهكذا في ظل تآكل فرصته الأخيرة للفرار من الفقر عن طريق التعليم، يضيع جيل آخر.
ليس من الخطأ أن نتمنى الأفضل لأطفالنا، اذ من غير الطبيعي أن نتمنى غير ذلك. ولكن في المرة القادمة التي تشتري فيها حاسوباً آلياً محمولاً جديداً من طراز احدث لطفلك، أو تحجز لابنك مكانا في تلك الدروس الخصوصية الإضافية، فكر في حياة ملايين الأطفال الذين لن تلمس أناملهم لوحة مفاتيح الحاسوب، الأطفال الذين نعتبرهم محظوظين إذا تعلموا أساسيات القراءة والكتابة والحساب.
إن 16 تشرين الاول (أكتوبر) هو يوم الغذاء العالمي، وهو يعد فرصة لتذكر 850 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن حول العالم، ولنذكر أنفسنا بأنه بعد أن شهدنا عقودا انخفضت فيها تلك المعدلات، فإن ذلك الرقم قد بات ينمو وبالملايين كل عام منذ منتصف التسعينات. ما زال الجوع يحصد أرواحا أكثر من مرض الإيدز والسل والملاريا مجتمعين. أما أن يستمر ذلك في القرن الحادي والعشرين، فإنه أمر لا يمكن قبوله بكل بساطة.
يمكننا أن نحدث فرقا. إذ يوجد غذاء وفير في العالم. ففي إيطاليا، على سبيل المثال، بمجرد الوفاء باحتياجات السكان الغذائية، يكون هناك فائض من الغذاء يكفي كل من يعانون من نقص التغذية في إثيوبيا. أما في فرنسا فإن الغذاء «الإضافي» يطعم الجوعى في جمهورية الكونغو الديموقراطية، بينما قد يكفي الغذاء في الولايات المتحدة الاميركية الجوعى في أفريقيا كافة.
لقد ازدادت نسبة مساعدات التنمية الرسمية بشكل ثابت لسنوات عدة، وهي الآن تتخطى 100 مليار دولار. يمكننا أن نساعد، ولكننا في حاجة إلى وضع سياسة تركز على تقديم الغذاء أولاً، فلا يمكن محو الفقر قبل القضاء على الجوع وسوء التغذية. وإحدى الطرق للبدء قد تكون بالحيلولة دون حرمان الأطفال من الأمل فى المستقبل.
لذا، فلنعمل هذا العام معاً للمساعدة في القضاء على الفقر الذي يعاني منه الأطفال، من خلال أنشطة بسيطة مثل برامج الحفاظ على صحة وتغذية الأم والطفل، وتقديم الوجبات المدرسية لرفع معدلات الالتحاق بالمدارس والانتظام فيها. وفي ظل وجود كل هذه التحديات التي يواجهها هؤلاء الأطفال، فلنمكنهم على الأقل أن يبدأوا حياتهم بداية طيبة.

* المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©