قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


هذه التفجيرات من يقف وراءها ؟ 

د. حكمت الحريري 2009-03-14

بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعدففي زيارتي الأخيرة إلى فضيلة شيخنا وأستاذنا الجليل محمد سرور زين العابدين أعلى الله كلمته ورفع قدره وأدام قدرته، خطر ببالي سؤال عما يقوله بعض الشائعين، ممن فسدت نيته وبطلت أمانته بأن الشيخ تغيرت مواقفه وذلك لأنه قد كتب مقالين نشرتهما مجلة السنة بيّن فيهما موقفه من التفجيرات التي وقعت في مكة المكرمة قبل سنوات بعنوان:هذه التفجيرات من يقف وراءها والأخرى توضيح لما ورد في المقالة الأولى، مستنكراً لهذه الأفعال التي لا تعود على المسلمين بفائدة دينية ولا دنيوية بل المستفيد من هذه الأفعال هم أعداء الإسلام.كنت متردداً بسؤال الشيخ عن هذا الموضوع لما للشيخ في نفسي من هيبة وإجلال واحترام، لكني قطعت التردد بطرح السؤال وذلك لقلة مجالستي إليه ولبعد الديار...ثم إن الشيخ –أكرمه الله- دفع إليّ صورة المقالتين فطالعتهما بإمعان وتدبر، فإذا به لم يدع مجالاً لشاك أو مستريب وأنا أعلم حصافة رأي الشيخ ونفاذ بصيرته، إنه إذا تصدى لقضية أو بحث موضوعاً استفرغ فيه الوسع والطاقة، وجرد فيه العناية وأظهر فيه الكفاية. بصير بأعقاب الأمور كأنما تخاطبه من كل أمر عواقبهعندما كتب الشيخ مقالته وبيّن موقفه من التفجيرات لم تعلن حكومة المملكة في وقتها عن هوية الجناة، ومرت الأيام وأصدرت الحكومة بياناً كشفت فيه عن هوية الجناة واعترافاتهم فإذا بمعظم أسمائهم من الرافضة، ومن دولة مجاورة، ومن أصول غير عربية!!!ولقد بيّن الشيخ في كتبه المتنوعة التي سارت سير المثل، خطر الرافضة والخوارج والغلاة والمرجئة وغيرهم من المنحرفين والمعاندين لكتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين.وحذر من أفعال الغلاة الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وقتلوا الأبرياء من العباد وفنّد أفكارهم وإن ربك لبالمرصاد، كما وضح كيف كان من السهل اختراقهم وتسخيرهم لأهداف يريد الأعداء تحقيقها.وإن العجب لا ينقضي من هؤلاء الذين يزعمون أن الشيخ غيّر وبدل!! يحرفون الكلم عن مواضعه ليّاً بألسنتهم وهم يعلمون أن ما يكتبه الشيخ ليس اتباعاً لهوى ولا يبتغي إلا رضا الله تعالى، هذا ما أفصح عنه في كتبه.أجل إنك لتعجب من هؤلاء الذين لا يرفعون أنفسهم إلى منـزلة إلا إلى التي هي أوضع منها، ولا يكرهون خطة سوء إلا انتقلوا إلى ما هو أسوأ منها!!! ألم يقرأوا قول الله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.ولكن كيف أصنع وماذا أفعل مع من أعرف أنه ذو عقل قليل ولسان طويل وعجب شديد ورأي غير سديد تسؤهم الحسنات وتسرهم السيئات أشحة على الخير؟وما على العنبر الفواح من حرج أن مات من شمه الزبال والجعلوعلى أية حال فليس من جمع إلى الكفاية الأمانة كمن جمع إلى العجز الخيانة، والإصغاء إلى الكذب داعية إلى العطب، وإرضاء الناس غاية لا تدرك، وإذا كان الأنبياء عليهم السلام لم يسلموا من أذية الجهال فكيف يسلم الشيخ وأمثاله من الفضلاء؟ولقد حفظت من كلام الشيخ - رعاه الله- بعد سؤالي له عن تلك المقالة مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية أنا رجل ملة لا رجل دولة.لا يهمه ما يقول الناس عنه مادام يسعى لرضى الله تعالى، والذّب عن حرمات المسلمين.ثم إني بعد مطالعتي للمقالتين، علماً بأنني قرأتهما سابقاً استأذنت الشيخ أدام الله نعمته وحرس مهجته بإعادة نشرهما على شكل كتيب يسهل تداوله والإطلاع عليه، فأشار –شكر الله سعيه- بأن يعاد نشرهما على الموقع الإلكتروني، وإنه لمن اليسير بعد ذلك بإذن الله إعادة طبعه ككتاب، والله الهادي والموفق للصواب،وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله الأصحاب.فليتأمل القارئ الكريم ومن أتى الله بقلب سليم ما كتبه الشيخ فيما يلي: د.حكمت بن أحمد الحريري هذه التفجيرات من يقف ورائها؟!عندما وقع انفجار "المحيا" بالرياض كان قد مضى على وجودي في جوار بيت الله الحرام بضعة أيام بعد أن أديت مناسك العمرة، وكان قد مضى يومان أو ثلاثة أيام على الاشتباك الذي حدث بين الشرطة ومجموعة من هؤلاء المغامرين في أحد أحياء مكة المكرمة. وكان لا بد لي وأنا على مقربة من الحدث وتداعياته من جمع الأخبار وتمحيصها، وأوليت عنايتي بروايات من سمع أو رأى من الثقات.قدم لي أحد ضيوفي صحيفة وفيها صورة لعائلة مؤلفة من الزوجين وأبنائهما الثلاثة ثم قال: هذا الرجل كان محاسباً بشركتنا وهو وحيد لأبويه، ترى كيف تكون حالهما عندما يأتيهم وهم في القاهرة نبأ هلاك ابنهم وأسرته؟! ثم توالت أخبار القتلى والجرحى من سودانيين ولبنانيين وجنسيات عربية أخرى، وكل عائلة لها قصة مفجعة، ولا يستطيع الإنسان تصور مصيبة غيره إلا إذا تصور أنها واقعة به وبأسرته.. ثم رأيت على شاشة التلفاز منظر مسجد المحيا الذي هدم جزء منه.فمن هؤلاء الذين يهدمون المسجد ويقتلون الأبرياء في شهر الصوم والصدقة؟وما ذنب هؤلاء الضحايا الذين تناثرت أشلاؤهم، ومزجت دماؤهم أرض المجمع باللون الأحمر القاني؟!وأين الأمريكان ومباحثهم الذين قتلوا في المحيا؟!! وتحت هذه الذريعة قد يفعلون أي شيء يحرمه شرع الله تحريماً قطعياً من قتل وسلب ونهب.لم تحدد السلطات السعودية حتى الآن فيما أعلم هوية الذين نفذوا انفجار المحيا، وليس لنا نتحدث عن أمر لا يزال مجهولاً(1)، لكن نفراً من الذين ينسبون إلى القاعدة في السعودية، أو لنقل بقايا المجاهدين السابقين في أفغانستان يقولون:ليس لنا علاقة بانفجار المحيا، والذين يقدمون على مثل هذه الأفعال نعرفهم وهم غلاة خطرون.هـذه رسالة مهمة، فقد لا يكون لهم علاقة بهذا الحدث، ولكن لابد من تذكيرهم بأمور:منها: أن عالم القاعدة وفي ظل الظروف الراهنة مجهول، ويمكن لمن شاء أن يصدر بياناً ينسب فيه أمراً من الأمور للقاعدة، ولمن شاء أن يصدر بياناً بالنفي.ومنها: أن القاعدة بعد أن أصبحت رهينة لأفكار مجموعة الجهاد المصرية، وأصدرت فتواها التي اعتبرت الأمريكي حيثما كان هدفاً، ولم يكن بين هؤلاء المفتين عالم واحد يعتد بقوله... ونتيجة لهذه الفتوى الخرقاء جاء مسلسل الانفجارات الذي فتح باب الشر على مصراعيه.نعم قد لا يكون للقاعدة علاقة بأحداث المحيا، ولكن من بابهم دخل هؤلاء الفتيان الغلاة الأغرار كما دخل غلاة الباطنيين من باب التشيع لآل البيت.وكما قلت: إذا كان أمر مرتكبي مجزرة المحيا لا يزال مجهولاً فلنتحدث عما سبقها من انفجارات. سألت من أثق به: من يكون هؤلاء الجناة؟!، فأجابوا:هم شباب أحداث تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثالثة والعشرين، كان معظمهم عصاة كما كانوا مغرمين بأفلام المغامرات، ثم تابوا قبل عام أو عامين، فانصرفوا إلى مغامرات من نوع آخر سموها جهاداً في سبيل الله، أو هكذا سميت لهم... ومن الأعمال المنكرة التي يزاولونها بعد توبتهم المزعومة: تزوير جوازات السفر، وتزوير النقد، ولناس منهم علاقات تعاون وشراكة مع نيجريين يمتهنون هذه المهنة، وسرقة السيارات سواء لاستخدامها في التفجيرات أو لأهداف أخرى، وزيادة على هذا وذاك فهم غلاة يصدرون أحكامهم بالتكفير والتضليل والتفسيق وفق أهوائهم وأمزجتهم المتقلبة.مرة أخرى أقول: هذا ما علمته من ثقات، ومن هؤلاء الثقات أقرباء لبعضهم. وأنا في ذلك لا أعمم على كل منهم، ولكن الصالحين العقلاء من الشباب لا يقبلون مثل هذه الأجواء المحمومة، ولا يرضون مثل هذه الأفعال.أما عن الأسلحة التي تكتشف في فترات متلاحقة، وهل من المعقول أن تكون بمثل هذا الحجم الكبير والمثير للدهشة؟ ولماذا لا تلجأ السلطة لتخزينها ثم كشفها عندما تعتقل مجموعة منهم لتشويه سمعتهم، وليكون لديها غطاء شعبي من أجل مطاردتهم وسجنهم؟!.أقول رداً على هذه الأسئلة: تأكد عندي في حادثتين أن هذه الأسلحة هي بالحجم الذي أعلنت عنه قوات الأمن، وأنها مهربة من بلد عربي مجاور للمملكة وتنشط فيه مثل هذه الأنواع من التهريب، وإني لأستغرب أشد الاستغراب كيف يستمر هذا النوع من التهريب مع معرفة المكان وتوفر المعلومات!!!إنني ومنذ ما يزيد على ربع قرن أستنكر وأشجب هذه المغامرات أو المجازفات التي يسمونها جهاداً... استنكرتها في مصر... وفي سورية... وفي الجزائر... وفي المغرب... كما استنكرتها في دار السلام وفي استامبول... ونيويورك وواشنطن... وفي الرياض، وبينت في مؤلفاتي وفي المقالات التي كتبتها ونشرتها في مجلة السنة الأدلة الشرعية والنقلية التي اعتمدت عليها، وجاءت الأيام لتؤكد [بحمد الله وحسن توفيقه صحة ما كتبت]، وكم كنت سعيداً بموقف إخواني في الجماعة الإسلامية المصرية الأخير وعودتهم إلى جادة الحق.وأقول الآن بمنتهى الصراحة والوضوح:-إن أحداث [11سبتمبر 2001م] كانت غطاء عالمياً لأمريكا لاحتلال أفغانستان وارتكاب العديد من المجازر البشعة والمحرمة في جميع القوانين والمواثيق الدولية، وقتل وجرح أضعاف ما قتل في مركز التجارة العالمي.-وكانت غطاء لابتداع سجن "غوانتينامو" وغيره من السجون في كل مكان، ثم أصبحت أمريكا قادرة على اعتقال وتعذيب من تريد في جميع بلاد الدنيا. ولأول مرة نسمع من يعتقل في بلدان العالم الإسلامي وأوربا وآسيا وأفريقيا ثم يرحل إلى أمريكا، ليلقى فيها حكم رعاة البقر.-وكانت غطاء للجزار شارون وحكومته وجيشه لاحتلال المدن الفلسطينية، وهدم المنازل، وقتل وجرح واعتقال وسجن آلاف مؤلفة.-وأخيراً وليس آخراً فقد كانت أحداث نيويورك غطاء لأمريكا لاحتلال العراق، وقتل وجرح الآلاف، ثم ترك الناس من غير حكومة ولا جيش ولا قوات أمن ينهبون المؤسسات العامة ويستبيحونها، ويقتل قويّهم ضعيفهم، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم جاءوا ليحرروا المواطن العراقي من الطغيان والاستبداد الذي كان يمارسه النظام السابق، مع أن العالم من خلال قناتي الجزيرة والعربية يرى من همجية ووحشية القوات الأمريكية ما لا يحتمل.وأملنا بأبطال العراق أن يلقنوا القوات الأمريكية مزيداً من الدروس التي تردهم إلى صوابهم –إن كان لهم صواب-، لاسيما وأن حق الدفاع عن الأعراض والأنفس والأوطان مشروع لكل أمة محتلة.وإذن: نحن المتضررون من مسلسل الانفجارات التي تحدث في كل مكان وليس عدونا المتضرر.أجل نحن المتضررون، وأعني بكلمة "نحن": الشعوب الإسلامية حيثما كانت، ومن غير استثاء... علماء الأمة ودعاتها... الجماعات والأحزاب الإسلامية... المجاهدون الشرعيون في فلسطين وكشمير وغيرها... هؤلاء كلهم متضررون.لقد تعطلت آلاف المدارس والمراكز الإسلامية بعد أن وقف عنها الدعم، ومنعنا من دفع زكاة أموالنا وصدقاتنا لمن أوجب الله علينا دفعها لهم، وفرضت قيود على البنوك لا مثيل لها من قبل، وأصبحت الحسابات في البنوك وسيلة من وسائل التجسس ومعرفة أسرار الناس، وسجن كثير من المسلمين لأنهم ساعدوا أخاً لهم اتهم فيما بعد أن له صلة بمجموعة جهادية أو أنهم قدموا يد العون والمساعدة لأسرته المنكوبة بعد اعتقال من كان يعيلها، ولو أن هذا العون جاء من مؤسسة خيرية لما تعرضت لأية مساءلة.المؤسسات التعاونية النصرانية واليهودية والوثنية لم تتضرر، وليتابع من شاء نشاط المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها... إنها تنشط بالتعاون والتنسيق مع المحافظين الإنجيليين في إدارة بوش، ويرسلون جميع أنواع الدعم للنظام الصهيوني الذي أهلك الحرث والنسل في فلسطيننا.لقد أصبح الإسلام متهماً، وما كان الأمر كذلك قبل هذه الفتن والتفجيرات... أصبحنا كلنا بلحانا وثيابنا الإسلامية متهمين. فقبل سنوات أفتى شيوخ هؤلاء المغامرين بجواز السرقة في ديار الغرب وسموها غنيمة، ولن أنسى ما حييت كم أساءت هذه الفتوى لنا ولديننا، وكيف تقنع البريطاني أو الفرنسي أو غيرهما أن ديننا لم يأمر بهذا، وأن هؤلاء الشباب يعبثون بدين الله؟وإذا كان الأمر كذلك –وهو حقاً كذلك وأكثر سوءاً-، فلابد أن يكون لنا جميعاً موقف قوي ليس فيه مجاملة أو مداراة أو تعميم.فنحـن ندين هذه الأفعال لأن ديننا يحرمها ثم نذكر الأسباب التي لا تخفى على المبتدئين من طلاب العلم.وندين عبث هؤلاء الشباب بدين الله، واستهتارهم بدماء المسلمين والمستأمنين من أي دين كانوا.وندين هذه الأفعال لأنها أضرت بنا وأعطت عدونا المبرر لضربنا وإيذائنا.ولا أرى بعد الآن أن يبحث بعضنا –وبحسن نية- عن أعذار لهؤلاء الجناة كقوله: هذه ردود فعل على انتشار الفساد، والتضييق على الدعاة، وترك الحبل على الغارب للعلمانيين الذين يسيطرون على وسائل الإعلام.نحن نعرف كيف نواجه العلمانيين، ونفند أباطيلهم، ونكشف الصفحات المطوية التي تفضح تعاونهم مع كل مستعمر دخيل، ونعرف نفاقهم وخياناتهم لأوطانهم... ونعرف كيف ندعو إلى الإصلاح، ورفع نير القهر والاستبداد... ونعرف كيف نواجه الفساد والمفسدين.. ونعرف كيف لا نمنح عدونا الفرصة التي يبحث عنها.. وهؤلاء جميعاً واجهناهم وسنواجههم بطريقتنا التي نختارها عن علم وبصيرة، أما التفجيرات والاغتيالات فقد ثبت أنها أفضل هدية تقدم لأعدائنا في الداخل والخارج.وأريد في هذا المجال أن أذهب إلى أبعد من هذا، فبيانات الشجب والاستنكار لم تعد تجدي نفعاً، لاسيما وأن بعضنا يخشى من سفاهة المجهولين-والأبوات- في مواقعهم أو يخشى أن يتهم السلطات فيحجم عما يجب أن يفعله.والذي أراه أن يكون للعلماء والدعاة والجماعات خطة شاملة في مواجهة هذه الفتنة كما واجه سلفنا من قبل فتنة الخوارج والإرجاء وغلاة الباطنية، ولا بأس أن يكون من فقرات هذه الخطة إخبار السلطات عن المعلومات المتوفرة لديهم قبل تنفيذها شريطة أن يكون ذلك: اجتهاد هيئة من العلماء والدعاة الثقات وليس اجتهاد فرد، وأن تكون المعلومات المتوفرة أكيدة، وأن يكون القصد من السجن التأديب والإصلاح والحوار، وليس الإذلال والقهر وأخذ البرئ بحجة المتهم، وأن يكون هناك تنسيق بين هيئة العلماء الثقات التي تحظى باحترام الناس وبين العقلاء من المسؤولين، وأن لا يكون ذلك في بلد دون بلد آخر.إن سجن الشباب وإصلاحهم لا يقارن بانتحارهم وقتل الأرواح البريئة، ومن ثم فنحن لا نريد لهم إلا الخير والهداية، وأن يكون إقدامهم وجهادهم وبطولاتهم في المواطن الشرعية التي لا مجال للاختلاف فيها بين أهل العلم والرأي.إن مسلسل الانفجارات مستمر، والأمة تعيش حالة من الذعر يرثى لها، وهذا كله ينعكس بالضرر علينا، وعلى مستقبل دعوتنا، ومما أعلمه أن هؤلاء المغامرين الأغرار يريدون توريط علماء الأمة ودعاتها وجماعاتها، ولم تعد الأمور تحتمل الصبر والتسويف، فلا بد من موقف جماعي ويد الله على الجماعة.هذه الانفجارات من يقف ورائها-توضيح-كنت أتوقع أن مقالي [هذه التفجيرات من يقف وراءها] الذي نشرته مجلة السنة في عددها [131] سيثير تساؤلات واعتراضات كثيرة.. وقد صح ماتوقعته، فقد وردتني رسائل واتصالات من دعاة كرام لا أعرف عنهم إلا سلامة الاعتقاد، والبعد عن مواطن الغلو والإرجاء، والحرص على وحدة الصف الإسلامي على المنهج الحق الذي ارتضاه وتمسك به رجال خير القرون المفضلة.. ورجال هذه هي صفاتهم لا أستطيع تجاهل الرد عليهم، ولكني سأوجزه فيما يلي:1-قال بعضهم: ألا ترى استبداد بعض الحكام وتشجيعهم للفساد، ومطاردتهم للدعاة، أوليس أنت كاتب مقال مصيبة أمتنا في حكامها ماذا دهاك؟لقد عدت إلى المقال وقرأته باحثاً عن موقف جديد لي من هؤلاء الحكام يخالف ما قد كتبته سابقاً فلم أجد ذلك ولو بإشارة، وأعود لأطمئن هؤلاء الإخوة فأقول:أنا صاحبكم ما غيرت ولا بدلت.فيا أيها الأخوة الأحبة لقد كتبت وسأكتب عن معاناتنا من هؤلاء الحكام الظلمة، ولعلكم فهمتم أن استنكاري للتفجيرات تراجع عن مواقف سابقة، وبالتالي هو تأييد للحكام، وهذا منكم فهم غريب لأنني أفصحت عن قصدي، وقلت بلسان عربي واضح.ليست أمريكا وحلفاؤها ولا حكام العرب ومستشاروهم من العلمانيين المتضررون بل نحن الإسلاميين المتضررين. روى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا علة من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً)).نحن وهؤلاء المغامرين في سفينة، والخطر يتهددنا من كل جانب، وهم يريدون خرق السفينة فهل نتركهم وما يريدون؟! قبل أكثر من نصف قرن ارتكب رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عدداً من المنكرات، ودارت حوله كثير من الشبهات التي تتعلق بدور الجيش المصري في حرب فلسطين، وفضلاً عن هذا وذاك فقد اضطهد الإخوان المسلمين وزج بهم في السجون، فتحمس بعض شباب الإخوان وأقدموا على اغتياله، وعندما سمع المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا رحمه الله بالنبأ قال قولته المشهورة: ليسوا إخواناً ولا مسلمين. لقد كان رحمه الله يدرك خطورة هذه العملية الحمقاء ومبلغ ضررها على الإخوان المسلمين والذي لابد وأن ينعكس على العمل الإسلامي بشكل عام.كان اغتيال النقراشي فرصة ذهبية للملك فاروق ولقوات الاحتلال الإنكليزي التي تقف وراءه، وتحت غطاء الحملة ضد الإخوان وإرهابهم نظموا اغتيال الشيخ حسن البنا رحمه الله، فهل كانت الخسارة باغتيال البنا مثل الخسارة باغتيال النقراشي؟! ليس هذا كذاك، فالأول كانت خسارة العالم الإسلامي [وليس مصر وحدها] بمقتله كبيرة ومريرة. لاسيما وأنه كان في أوج شبابه [43عاماً] وعطائه، أما الثاني فلقد كان في منتدى فاروق السياسي عشرات من أمثال النقراشي، والذي خلفه كان أشد منه شراسة في اضطهاد الإخوان المسلمين.اغتيال النقراشي كان في عام 1949، وفي عام 1954 جرت مسرحية اغتيال جمال عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية، ولم تكن قيادة الإخوان على علم بالحدث، ولا هي كانت تقر الاغتيالات كوسيلة للتخلص من الحاكم، ومع ذلك فإن نفراً منهم [هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف وغيرهما] كان لهم دور بالعملية من جهة، ومن جهة أخرى فقد كان لهم صلة بجهاز أمن عبد الناصر.منذ عام1954 والإخوان في محنة بسبب نزق وطيش من لا يقدر الأمور حق قدرها.. ومنذ نصف قرن ونحن جميعاً نعاني من ظلم الحكام وطغيانهم، ومن مغامرات هؤلاء الذين لا يحسنون استخدام عقولهم.. فإلى متى نبقى صامتين، وليت بعضنا يبقى كذلك، فهم وبكل أسف يغرقون في مجاملتهم والتماس الأعذار لهم.2-وأشكل على آخرين قولي:وكم كنت سعيداً بموقف إخواني في الجماعة الإسلامية الأخير وعودتهم إلى جادة الحق ومن بين هؤلاء الإخوة الدكتور خالد فكري الذي كتب لي رسالة، وها أنا أنقل فقرات منها تتعلق بهذا الموضوع:تعلمون فضيلتكم ما أقدمت عليه الجماعة الإسلامية المصرية فيما عرف بمبادرة وقف العنف-عام1997- قد أسعد الكثير واعتبر تصحيحاً لممارسات حادت عن الصواب وأدت إلى نتائج فادحة دفع الشباب المسلم ثمنها، لكن الوضع تجاوز كثيراً حدود تلك المبادرة، ولم يعد الأمر هو التوقف عن التفجيرات والاغتيالات والمواجهات المسلحة ضد النظام المصري، وإنما قدمت الجماعة بعد المبادرة مراجعات دراسية تؤصل لمنهج وسياسات وفكر جديد يناقض ما كانت عليه سابقاً، وقد اعتبره الكثير تنازلاً عن ثوابت وتراجعاً عن أصول لا يمكن بحال التسليم بها. ويضيف الدكتور خالد:ورغم أن مقالكم لا يبحث هذا الأمر، وليس هذا محل طرحه، ولكني أعتقد أنه كان يلزم التنويه إلى ما آل إليه أمر الجماعة الإسلامية المصرية حتى لا يظن أحد أنكم تؤيدون كل ما خرج عنهم.الأخ الدكتور خالد فكري –وكما أشار برسالته- يعرف جيداً بأنني لا أوافق الجماعة الإسلامية إلا في مبادرة وقف العنف، أما اجتهاداتهم وفتاويهم التي تلت المبادرة فلا أوافقهم عليها، والذي أراده أخونا خالد أن يكون موقفي هذا مكتوباً ومنشوراً قطعاً لكل التباس، فجزاه الله خيراً.ونصيحتي للإخوة قادة الجماعة أن لا يعالجوا خطأهم السابق بما هو أشد منه، وليعلموا أن سلطات الأمن سوف تستمر في ابتزازهم، وأخذ التصريحات منهم إن لم يتوقفوا عن إصدار البيانات والفتاوى.3-معظم الذين اتصلوا بي لا يعترضون إلا على الفقرة الأخيرة، وسوف أعمل على توضيحها فيما يلي:-الحوار مع هؤلاء الشباب هو الأصل، وأنا على صلة بالمعتدلين منهم وأحاورهم، أما الغلاة الجهلة فمن يقنعهم وكيف؟! ألا فليحاول القادرون على ذلك.-الجهاد الشرعي ذروة سنام الإسلام، وكل بلد محتل وجب على أهله الجهاد، وعلى المسلمين عامة تأييدهم ومد كافة أنواع الدعم والمساعدة لهم.-أما من أشرت إلى إخبار السلطات عنهم، أو لنقل بشكل آخر التعاون مع المسؤولين العقلاء في علاج مشكلتهم: فهو –من جهة- قاصر على الحالة الآتية: مجموعة من المغامرين أعدوا العدة لنسف مرفق عام، أو مجمّع سكني أو ما أشبه ذلك، وحاول من علم بأمرهم إثناءهم عن هذا الفعل الشنيع، ويبيّن لهم حرمته وضرره، ولكنهم أصروا، ومن جهة أخرى فالإخبار عنهم يعني إنقاذاُ لأرواحهم، ولأرواح عشرات من المستهدفين من الشيوخ والنساء والأطفال الذين لا ذنب لهم، ومع ذلك فقد وضعت لهذا الإخبار شروطاً:منها: أن تقوم به هيئة من الدعاة والعلماء تحظى باحترام الناس وتقديرهم، وهذا يعني استبعاد الهيئات الرسمية لأن الحاكم اختارها حسب المواصفات التي يريدها، وهي لا ترد له طلباً، ويعني الشرط الأول كذلك، أن لا يكون الإخبار فردياً لأن سلطات الأمن تستغل خبره، وهو لا يستطيع أن يفاوضها لأنه ضعيف أمامها.ومنها: أن يكون هذا الأخبار مقابل اتفاق بين الحاكم العاقل وهيئة العلماء، وللتذكير فقد جاء في مقال السابق عن هذا الاتفاق ما يلي:... وأن يكون القصد من السجن التأديب والإصلاح والحوار، وليس الإذلال والقهر، وأخذ البريء بحجة التهمة.أما عن اشتراطي بأن تقوم هيئة علماء مستقلة بهذا الإخبار، فلأن الأمة تريد مرجعية شرعية في جميع أمورها-وهذا من جملة هذه الأمور-، وتشتد الحاجة إلى وجود هذه المرجعية يوماً بعد آخر، وهي آتية إن شاء الله.وإنّ انتفاء هذه الشروط يعني انتفاء الإخبار، فالحاكم المتجبر الذي لا يقبل التعاون مع علماء الأمة، ويصر على الحل الأمني وحده دون غيره من الحلول، يترك وشأنه، ويكفي في هذه الحالة البراءة من هذه الأحداث.4-قال ناس من المعترضين: أنت تعلم أن هذه الشروط التي ذكرتها مستحيلة. وأقول: لو كنت أعلم بأنها مستحيلة ما ذكرتها، فمن الناحية النظرية ها نحن نرى أن حكامنا يفعلون كل شيء من أجل كرسي الحكم، وإذا ثبت عند العقلاء منهم بأن التعاون مع هيئة العلماء في هذا الجانب يحقق لهم الاستقرار على هذا الكرسي فلن يترددوا.ومن الناحية العملية فإنني أعلم أن مفاوضات جرت بين بعض الجماعات وجهات حكومية، وكانت بمبادرة من المسؤولين أنفسهم، وكان من الممكن أن تضع هذه المفاوضات حداً لنـزيف الدماء لولا تدخل الغلاة المغامرين في اللحظات الأخيرة.وأعلم أيضاً أن رئيس جمهورية عربية تبنى الحوار مع هؤلاء الشباب منذ أكثر من عشر سنين بدافع من قناعته بأن التركيز على الجانب الأمني لا يعتبر حلاً.. وقد كان يستقبل الشباب ويتحدث معهم ويستمع إليهم ويقضي حوائجهم، وزيادة على ذلك فالقوانين المقررة في بلد هذا الرئيس سمحت للمواطنين بهامش من الحرية قد لا يكون له مثيل في أي بلد عربي. وأعلم أيضاً أن علماء الأمة فاوضوا حتى الحاكم الكافر، ومن الأمثلة على ذلك مفاوضة علماء الشام ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية لقائد التتار "قازان".. والعبرة في هذه المواطن بنوعية العلماء، فإن كانوا أهل صدق وأمانة وقناعة فلا خوف من النتائج التي سينتهون إليها.5-قال محبون، ومنهم شيوخ أفاضل: ما ذكرته في مقالك صحيح، ولن نتردد في تبليغ السلطات عن أمثال هؤلاء الذين روعوا البلاد والعباد، ولكن ما كنا نريد أن يأتي هذا منك لأنك رمز، وستتناولك ألسنة السوء بالنقد والتجريح.وأقول لهؤلاء المحبين: لأني كما تقولون فقد رأيت من واجبي الصدع بهذا الرأي لعله يساعد على وضع حد لهذه الفوضى، وأنا قبل ذلك وبعده لا أهتم بما يقال لأن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وألسنة السوء والغوغاء لم يسلم منها حتى أنبياء الله عليهم الصلاة والتسليم... وحسبي فيما قلت إرضاء ربي، ثم إراحة ضميري. ويحضرني في نهاية هذا التوضيح قول دريد بن الصمة: نصحت لعارض وأصحاب عارض ورهط بني السوداء والقوم شهدي أمرتهـم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©