قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


مأساة المخيمات الفلسطينية في لبنان 

 2009-10-20

 

المقدمـة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله.
أما بعدُ:
عام 1986 صدرت الطبعة الأولى من كتابي «أمل والمخيمات الفلسطينية»، وهو تغطية لأخبار المجزرة التي ارتكبتها حركة أمل ومعها جمهور الشيعة في لبنان، وبدعم ومساندة [ن.ب.س]،([1])وقد نفذت هذه الطبعة خلال أقل من عام؛ لأنّ لغة الخطاب في الكتاب كانت صريحة، وقد سميتُ الأمور بأسمائها دون غموض أو تورية، فضلاً عن كونه الكتاب الوحيد الذي تعرض لوصف المجزرة من منظور إسلامي، لأنّ بعض أعلام الدعوة لا يريد أن يستخدم اللغة الطائفية فيما يكتب أو يحاضر حتى لو دُمّــرت مدن وأحياء ومخيمات، وارتُكبت فيها مذابح وحشيّة يشيب من هولها الأطفال، فهنيئاً للموارنة والشيعة والنصيرية والدروز بهذه الفلسفة السقيمة. إني أتفــهّم أن يطلب هؤلاء من المسلمين أن يُحسنوا التعامل مع أبناء الطوائف الأخرى، وألا يعتدوا عليهم أو يتحرشوا بهم.. فمثل هذه المطالب مشـروعة، وقد أمر بها ديننا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدوة حسنة في تعاملهم مع اليهود والنصارى.. أما أن يعتدوا على مدننا وأحيائنا ومخيماتنا ويهلكوا الحرث والنسل، ثم يصمت بعضنا أو يقول -إن أفلح-: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، لأنه لا يريد أن يسمي الأمور بأسمائها أو بعبارة أوضح: لا يريد أن يفعل كما تفعل وكالات الأنباء ومنظمات حقوق الإنسان، فهذه -من أصحاب هذا المنطق المقيت- حيدة عن الحق وانحراف بيّن عن منهج خير القرون رضوان الله عليهم.
قلت: إنّ من أهم أسباب انتشار الكتاب وضوح لغة الخطاب، وتسمية الأمور بأسمائها [الدروز، النصيرية، الموارنة، أمل وشيعتها]، ولهذا فقد صدرت عدة طبعات من الكتاب كلها نفذت والحمد لله.. ثم شُغِلْتُ عنه بأمراضي التي ابتلاني الله بها منذ أكثر من سبعة عشـر عاماً، ولا تزال تنخر أعضاء جسمي، ولكن هذه الأمراض مهما بلغت حدتها لن تحول-إن شاء الله- بيني وبين أعز ما أهواه في هذه الدنيا، ولهذا فقد كنت أستغل الفترات التي تهدأ فيها آلامي، فأعيد قراءة وتنقيح مؤلفاتي وتهيئتها للطباعة، وعندما جاء دور هذا الكتاب «أمل والمخيمات الفلسطينية» وجدته يغطّي أخبار جهة معتدية واحدة، وهذا جزء من كلّ في الكتاب الجديد الذي أريده أن يشمل جميع الجهات التي مارست اعتداءات تعفّ عنها وحوش البراري في أكماتها، وسميت الكتاب: «مأساة المخيمات الفلسطينية في لبنان»، ثمّ قسمته إلى جزئين، ففي هذا الجزء [الأول] قدمت دراسة عن المخيمات الفلسطينية، تحدثت فيها عن التوزيع الجغرافي للمخيمات، وعن نسبتهم إلى عدد سكان لبنان وعن القوانين اللبنانية المجحفة التي لا تشبهها أية قوانين في العالم.
ثم قسمت الجزء الأول إلى بابين:
الباب الأول: تحدثت فيه عن موقف الموارنة والنصارى بعامة من الفلسطينيين ومخيماتهم، وعن تدميرهم لبعضها.
الباب الثاني: احتلال [ن.ب.س] للبنان وأبعاده.
أنهيت هذا الجزء قبل نحو عام، ثم شرعتُ في كتابة المقدمة، وقبل الفراغ منها سقطتُ مغشياً عليّ، فنُقلت على الفور إلى المستشفى، وتبين بعد التحليلات المخبرية ومعاينة الأطباء، أنّ هذا الزائر الجديد أشدّ خطورة مما سبقه، فخضعتُ لعملية جراحية، ثم بقيتُ بضعة أشهر بين الحياة والموت، وأسأل الله تعالى أن يحسن ختامنا ويغفر ذنوبنا.. ثمّ عدتُ إلى كتابة المقدمة، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأرجو أن يكون جهدي في تأليف هذا الكتاب من الصالحات.
أما الجزء الثاني؛ فهو تغطية للمجازر التي ارتكبتها حركة أمل بقيادة زعيمها نبيه بري، وقاتل معها جمهور الشيعة في لبنان من عسكريين ومدنيين، وقدَّمت لها قوات [ن.ب.س] أسلحة حديثة يفتقدها الفلسطينيون في مخيماتهم البائسة. كما شكلت هذه القوات طوقاً أمنياً يمنع أي اتصال بين الفلسطينيين المحاصرين في مخيماتهم وبين أية جهة تود أن تساعدهم أو أن تخفف الضغط عليهم، ومَثَل طوق القوات النصيرية الغازية كمَثَل الطوق الإسرائيلي الذي يحمي القوات المارونية في عدوانها على هذه المخيمات نفسها إثر مقتل بشير الجميل 1982. وأرجو أن يرى هذا الجزء [الثاني] النور قريباً.
هذا، ومن حق القارئ الكريم عليّ أن ألفت نظره إلى النقاط الثلاث الآتية:
الأولى: الشعب الفلسطيني المسالم كان هدفاً لكثير من المجازر التي ارتكبت بحقه، أما قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فلم تكن كذلك، فقد قدّمت المسوغ للموارنة منذ عام 1970 لضـرب الوجود الفلسطيني في لبنان عندما تدخلت بشؤون الحكم، وراحت تتحالف مع هذه الجهة السياسية ضد تلك، وتشتري ذمم المواطنين مقابل رواتب ومكافآت مغرية، ومعظم هؤلاء كانوا من المسلمين: [سنة وشيعة] أما النصارى فعددهم كان أقل من قليل.
انحازت منظمة التحرير إلى صف الزعيم الدرزي كمال جنبلاط الذي كان يطمح إلى رئاسة الجمهورية، ولن يكون ذلك إلا بانقلاب عسكري، فالنظام الديمقراطي لا يسمح له بأكثر من وزير، ولهذا فقد تحالف مع منظمة التحرير ومع مختلف الاتجاهات اليسارية والناصرية إضافة إلى الدروز، وعندما اجتاحت إسرائيل لبنان، وحاصرت أهل بيروت الغربية -أي السنة دون غيرهم-، لم يسمح الدروز للقوات الفلسطينية بالقتال من مناطقهم، ونكثوا بالوعود التي وعدهم بها وليد جنبلاط وآل أرسلان.. وعندئذٍ أدرك ياسر عرفات وصحبه أنّ هؤلاء الدروز لا يختلفون عن أبناء طائفتهم في البلاد الشامية، ولات حين مندم.
الثانية: سردتُ بتوسع الأدلة التي تثبت بأنّ التدخل السوري في لبنان كان بالتنسيق التام مع كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الصهيوني والموارنة، وأنّ هذه الأطراف الثلاثة كانت ترفض التدخل السوري، ثمّ جرت مفاوضات مباشرة -كما ذكرت بعض وكالات الأنباء- وغير مباشرة عن طريق الوسيط الأمريكي -كما تواترت الأخبار- فاطمأنوا إلى أنّ ما تريده إسرائيل والأمريكان والموارنة سيفعله [ن.ب.س] ثمّ حدّدت إسرائيل خطوطاً حمراء لا يجوز لقوات [ن.ب.س] تجاوزها.. ولولا هذا الاتفاق لما استطاعت قوات [ن.ب.س] أن تخطو خطوة واحدة نحو لبنان.. وهكذا دخلت قوات [ن.ب.س] تحت مظلة جامعة الدول العربية، وتحت شعار ظاهره حماية الثورة الفلسطينية وإنهاء الحرب الأهلية، وباطنه توجيه أشرس الضـربات لأهل السنة في لبنان، والقضاء على الثورة الفلسطينية، وتسليم جنوب لبنان للشيعة بقيادة حركة أمل ثمّ بقيادة حزب الله وسيدها الفارسي الصفوي!!
فهل نسـي أم تناسى أهل حركة حماس وحركة الجهاد و[الإخوان المسلمون] مسلسل هذه الأحداث الرهيبة التي استمرت أكثر من ثلاثين عاماً؟! ومتى أصبح [ن.ب.س] والنظام الفارسي الصفوي والشيعة بعامة أنظمة ممانعة وغيرهم خونة عملاء؟!
إنّ ما كتبه هؤلاء الذين يغيّرون مواقفهم كما يغيرون قمصانهم من كلمات جارحة، ورميهم بالكفر والخيانة محفوظ لدينا، فإلى متى هذه التناقضات؟!
الثالثة: نقلتُ في هذا الكتاب تقارير مراسلين، وكان في ذلك إطالة، ولكل أسبابه التي لا بدّ منها، فالذي نقلته عن المراسل والخبير بالشأن السوري «باتريك سيل» جاء بعد أن أسهبتُ في الحديث عن أسباب التدخل السوري، ثمّ نقلت كلامه الذي يتفق مع ما ذهبت إليه.
أما تقرير الصحفي الشهير «روبرت فيسك» الذي ورد في كتابه «ويلات وطن» فهو أهم شاهد على مجزرة الموارنة والقوات الصهيونية، ويكفي فيسك فخراً أنه أحد أربعة صحفيين ظلوا في لبنان طوال سنوات الحرب، وكان كل يوم يُعرِّض نفسه للموت. أجل، إنه صاحب ضمير حيّ ورجل مهنة يقتحم ميادين القتال مضحياً بنفسه لينقل الحقيقة كما هي.
وأما كتاب «تحقيق حول مجزرة صبرا وشاتيلا» لمؤلفه «آمنون كابليوك» مراسل جريدة لوموند الفرنسية وعضو هيئة تحرير مجلة «نيو أَوْت لوك» التي تصدر في تل أبيب، فهو من أصدق مـا كُتب في هذا الشأن كما شهدت بذلك صحيفة لوموند الفرنسية.
هذا أهم ما نقلتُه عن أشهر المراسلين العالميين الذين شهدوا الأحداث، وسجّلوا هذه الشهادات الأليمة المفزعة، وإن لم أنقل عن هؤلاء، فلا أدري عمن أنقل؟!
وأخيراً: عندما يراجع الفلسطينيون تاريخ إقامتهم في لبنان منذ عام 1948 وحتى كتابة هذه الأسطر فسيعلمون أنّ أهل السنة وحدهم دون غيرهم هم الذين تعاونوا معهم، ووقفوا إلى جانبهم قدر الاستطاعة، وأنّ كل معتد أثيم كان يستهدفهم، فهو يستهدف أهل السنة اللبنانيين معهم، وأنّ العدو الصهيوني عندما اجتاح لبنان عام 1982 لم يحاصر الشوف ولا بيروت الشرقية، وإنما حاصر بيروت الغربية التي كانت تحتضن المقاومة كما تحتضن الأم الحنون ابنها الرضيع، وكذلك الحال عندما اجتاحت أمل الشيعية والقوات الدرزية عام 1983 بيروت الغربية.
فليعلم أهل السنة من أين يأتيهم الخطر، وليرسخوا التعاون فيما بينهم، وإذا كانت هناك أخطار فهي مشتركة، وليست قاصرة على طرف دون آخر، وليس هذا هو وقت تبادل الاتهامات. إنّ أياماً عصيبة تنتظركم، بل تنتظرنا جميعاً، لأنّ الفتنة لن تبقى ضمن حدود لبنان، ولا بدّ أن تمتد لتشمل المنطقة بأسرها، وإنّ ما يسمّى بحزب الله وأضرابه من الحركات والأحزاب الباطنية التي تتلقى أوامرها من «الفقيه الولي» في طهران قد حزمت أمرها، وكشّرت عن أنيابها، ومن الذي سينسى اجتياحهم لبيروت الغربية في السابع من أيار عام 2008، وما ارتكبوه فيها من قتل ونهب وسلب وتدمير للمباني والشركات وبخاصة الإعلامية منها.
غامر أحد معارفي بنفسه أثناء اجتياح حزب الله وحركة أمل لبيروت الغربية وزار سعد الحريري ليطمئنّ على سلامته، وكان أول وأهم ما سمعه منه:
«والله ما كنت أظن أن يفعلوا هذا الذي فعلوه».
يا شيخ سعد، ظنّك هذا من الإثم الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم)[الحُجُرات: 12]. أفبعد اغتيال أبيك رفيق الحريري الذي أحسن الظنّ بهم، وقدم لهم خدمات لا ينكرها إلا لئيم، ومن قبل أبيك مفتي لبنان الشيخ حسن خالد، والشيخ صبحي الصالح، ورشيد كرامي، وعشرات غيرهم.. أفبعد هذا كله تظن أنهم لن يفعلوا هذا الذي فعلوه؟! وهل هذه هي المرة الأولى التي يجتاحون فيها بيروت وطرابلس وصيدا وسائر مناطق وأحياء وقرى أهل السنة؟!
وأنت يا شيخ سعد، وكل من يعمل في صفك بأمسّ الحاجة إلى خبراء يعطونكم دروساً في تاريخ الحركات الباطنية الشعوبية وعداوتهم للعرب، وفي طليعتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقادة الفتوح الإسلامية الذين أعزّ الله بهم دينه.
ويا قوم الشيخ سعد، تذكروا جيداً أنّ سبعة بالمئة من سكان سوريا من غلاة هذه الطائفة، وهم الذين انفردوا بحكم هذا البلد بعد أن تحالفوا مع جهات كثيرة ترفع شعار العروبة وفلسطين والوحدة والصمود والتصدي [تماماً كما يفعل حزب الله في بلدكم] ثم تبيّن لكلّ من تحالف معهم أو لم يتحالف أن شعاراتهم جوفاء خرقاء.
وتذكروا التحالف الدنس بين كلٍّ من إيران وشيعتها من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ومن ورائهم الكيان الصهيوني من جهة أخرى، والذي أسفر عن سقوط كابل عام 2001 وسقوط بغداد عام 2003.
يا أهل السنة في لبنان، لا تركنوا إلى الذين ظلموا، ولا تتركوا أحداً -مهما كان- يلدغكم من جحر واحد مرتين، ولا يستخفنّـكم الذين لا يوقنون، واعلموا أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
 وأسأل الله تعالى أن يحفظكم من كل عدوٍ ظاهر أو كان مستتراً وما زلتم تحسنون الظن به، كما أسأله -جلّ شأنه- أن يعز بكم دينه، وأن يذلّ أهل الكفر والنفاق والشقاق، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
محمـد سـرور زين العابدين
الأربعاء/ 21 شعبان 1430 هـ
   


 

 

 
 

 



[1])) أي النظام الباطني السوري، وحاشا لله أن يكون الشعب السوري هو الذي قام بهذه الاعتداءات.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©