قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


الحركة الحوثية في اليمن الأطماع المذهبية والتحولات الدولية 

 2009-12-30

 

مصادر قوة الحركة
 
المبحث الأول: نقاط القوة الذاتية والفرص المتاحة:
 
إن اليمن الذي يزيد عدد سكانه عن عشرين مليوناً، ويشكل الزيدية فيه خمس عدد السكان –تقريبا- انفتح سياسياً بعد الوحدة في عام 1990م، وأتاح لجميع الشرائح والتوجهات الاستفادة من الوضع الجديد. وبالفعل استفاد بعض أتباع المذهب الزيدية بدورهم من التغير الحاصل من خلال تأسيس بعض الأحزاب السياسية، أو الانخراط في أحزاب أخرى كالمؤتمر والاشتراكي وغيرهما، أما الإصلاح فالذين انخرطوا فيه من الزيديين هم بالأساس منحدرون من عوائل ذات أصول زيدية لكنهم متسننين.
هذا الانفتاح والتعدد السياسي والحرية الإعلامية أسس لمرحلة جديدة أعطت لكافة القوى الفكرية والمذهبية والحركية لترتيب تنظيماتها وأحزابها بما في ذلك الزيديون. كما أن الصراع الذي تلا هذا الانفتاح بين شريكي الحكم –المؤتمر والاشتراكي- أشغل قوى السلطة عن تحركات بعض التيارات وشغلها عن مواجهتها بل أفسح المجال لوجود تحالفات جديدة بين القوى السياسية على أساس من الأهداف والمصالح المشتركة. وهنا جاء موقف الأحزاب الشيعية المساند للحزب الاشتراكي لأسباب من أهمها:
-            حقد التيارين على الحركة الإسلامية التي كانت في ذلك الحين ربيبة السلطة في الشمال وحليفا له. فالاشتراكيون والإماميون يحملون على حركة الإخوان المسلمين حقدا لاعتبارات إيديولوجية وتاريخية.
-            رغبة كلا التيارين في الانقضاض على سلطة الحكم وإزاحة القوى الحاكمة لاعتبار الثأر التاريخي بينهم.
-            وجود تنسيق وعلاقة مسبقة واتصالات منذ فترة حروب المناطق الوسطى التي تحالفت فيها بعض القوى اليسارية مع القوى الإمامية.
غير أن الحظ لم يساعد التيارين على تحقيق أهدافهما من خلال حرب (94). وخسر كل منهما جولة من جولات الصراع السياسي على الحكم.
الحزب الحاكم الذي انتصر في الحرب عمل –تحت ضغوط خارجية وإيعاز من أطراف داخلية- على إقصاء الحركة الإسلامية وقلب ظهر المجن لها، ليدفع بها إلى صف قوى المعارضة بأساليبه الاستبدادية التسلطية ومواجهته إياها في الانتخابات والمؤسسات والوظائف والمشهد الإعلامي.
وشيئا فشيئا استطاعت بعض القوى أن تدفع بالمؤتمر والقيادة السياسية إلى التخلص من كافة الحلفاء التاريخيين والاعتماد على الذات في سبيل توريث الحكم وإقصاء أي محاولة لإزاحة العائلة الحاكمة من السلطة. وهذا ما دفع بعض الأطراف والشخصيات الاجتماعية والقبلية والحزبية لرفع حدة الخصومة مع المؤتمر الشعبي العام والرئيس علي عبدالله صالح. في وقت كانت القوى اليسارية تعمل على رص صفوف قوى المعارضة في تكتل سياسي يجمع المتناقضات الفكرية والمذهبية في بوتقة عمل مشترك. وكان جار الله عمر مهندس هذا الكيان الجديد الذي أعلن عنه في 6 فبراير 2003م.
ضم الكيان السياسي الجديد الإصلاح –الإسلامي- والاشتراكي –اليساري- والحق واتحاد القوى الشعبية –الشيعيين- والبعث والناصري –القوميين. وجاء الإعلان عنه باسم (مجلس أحزاب اللقاء المشترك). وبهذه الخطوة فقد النظام الحاكم حلفاءه بالأمس ليصبح منفردا بالحكم لكن مجردا من الحليف.
في هذه الأجواء وتحت ذريعة العمل من أجل المذهب الزيدي الذي اختطف من قبل السلطة أو الوهابية –حسب تعبير الحوثيين- جرى العمل على تأسيس كيان مذهبي لتأطير الكوادر المذهبية وفقا لرؤية خاصة. فكان تنظيم (الشباب المؤمن) الذي استطاع اكتساح الساحة في المناطق الزيدية من خلال الدروس والمناشط العلمية والدعوية والثقافية. وشيئا فشيئا تكونت لهذا التنظيم الذي تزعمه عدد من المرجعيات الزيدية (الجارودية) كبدر الدين الحوثي قاعدة جماهيرية عريضة في المناطق الزيدية من صعدة إلى الجوف وعمران وصنعاء وذمار وحجة.
يقول محمد عزان، الأمين العام السابق لمنتدى (الشباب المؤمن): إن فكرة الشباب المؤمن كانت عبارة عن فكرة دينية.. منتدى يجتمع فيه الشباب وتدرس فيه بعض الدروس الدينية والفكرية. وكان الهدف منه توعية الشباب وإخراجهم من حالة القوقعة والتعصب وما شابه ذلك. واستمر المنتدى فترة طويلة حوالي عشر سنوات منذ عام 1990م وحتى عام 2000م، ولهم أدبيات وكتب ونشرات تعكس فكرتهم ورؤيتهم المنفتحة الواعية المدركة إلى أقصى الحدود. لكن جاء الأخ حسين بدر الدين الحوثي وتبنى خطاً آخر ونهجا جديدا وحاول أن يسير بهما من خلال الشباب المؤمن، وواجهناه حينها، وحاول التغيير في المناهج، مما أدى إلى أن أعلن لنفسه تيارا آخر يسمونه حاليا حركة الشعار.. ولا علاقة للشباب المؤمن بما يجري، وكثير منهم هم ضد الحركة الحالية حتى قبل أن تختلف الحركة مع الدولة.[1]
لقد استطاع حسين الحوثي تزعم التنظيم باعتباره (سيدا) كما يطلق على المنتسبين لـ(آل البيت) في اليمن في ظل ثقافة الإمامية والتشيع. ونتيجة اقتراب المذهب الجارودي من المذهب الاثنى عشري في بعض الجوانب استطاع الحوثي أن يوجد من هذا التقارب الفكري مدخلا للعلاقة مع إيران التي مكث فيها مع والده عقب حرب (94). فمثلت الأرضية المذهبية بيئة مناسبة لتقبل تواصل من هذا النوع فيما يبدو، وإن حاول الحوثيون التبرؤ من ذلك. ففي حين رأت إيران في دعمها للحوثي وسيلة لنشر الفكر الاثنى عشري بغضِّ الطرف عنه وتبني سياسة الانفتاح معه. في مقابل ذلك يحصل الحوثيون على سند ودعم مالي ومادي ومعنوي لصالح مشروعهم السياسي –كما هو مبين في هذا البحث. وبذلك يحقق هذا الالتقاء لكل طرف مصالحه الخاصة تجاه خصوم مشتركين لكلا المذهبين، هم: نظام علي عبدالله صالح و(الوهابيون) –حسب وصف الشيعة.
وهكذا امتلك الحوثيون بعدا أيديولوجيا وغطاء مذهبيا لحركتهم، ما أوجد له القبول والانتشار في ظل عوامل أخرى. يقول عبدالملك الحوثي: "لنا امتداد شعبي واسع في محافظة صعدة، وحجم الحوادث وانتشارها على نحو واسع يشهد على ذلك. تفاعل الناس معنا كبير، كما أن الجميع يضيقون ذرعاً بالممارسات الظالمة من جانب السلطة، التي يعاني منها الجميع".[2]
وما أعان هذه الحركة على تحقيق لُحمَة قوية بين عناصرها طبيعة العصبية القبلية التي تتميز بها غالبية المناطق التي تنتمي إلى المذهب الزيدي، بحيث يلتقي المذهبي بالأسري في بوتقة واحدة، ليصبح الولاء بالهوية (المتمثلة في مذهب وقبيلة) المحك الحقيقي للانتماء. فغالبية أبناء هذه المناطق إما منتسبون لآل البيت أو هاشميون أو موالون لهم. وهي مناطق تكثر فيها الأمية والجهل وتقل نسب التعليم ومعدلاته في أوساطهم. كما أنها مناطق قبلية منغلقة على ذاتها ولم تحتك بغيرها مدنيا نتيجة وعورتها وتقاليدها المتشددة.
وهذا ما جعل هذه المناطق وإلى عهد قريب خارجة عن سلطة الدولة ونفوذها. وفقدانها لمقومات العمران المدني والرقي الحضاري. فهي تفتقد للخدمات الرئيسية من طرق وكهرباء ومياه وهواتف ومراكز تعليمية وصحية وغيرها. وغالبا ما يعتمد الناس فيها على الزراعة أو الرعي أو التجارة. وهي أشبه بأماكن نائية إلى حدٍ كبير.
في جانب آخر، ونتيجة الصلح مع قوى الإمامة عقب حصار السبعين، نظرا لإيمان القيادة السياسية في السلطة بدور بعض القوى الإقليمية في دعمهم، ورغبة في إنهاء الصراع بين الجمهوريين والملكيين، والذي اختير للقيام به العقيد يحيى المتوكل[3]، امتلك الإماميون نصيبهم من السلطة وأصبحوا جزءا منها. ومع الوقت استطاع كثير منهم الوصول إلى مواقع أكثر وأرفع. فكانت بعض الوزارات كالأوقاف والعدل في أيديهم.
وهذا الانتشار لهم في أجهزة ومؤسسات ومرافق الدولة هو الذي ساعد الحوثي في حربه ضد الدولة. حيث مثل هؤلاء طابورا خامسا للحوثيين وجزءا من المشروع السياسي لهم. وهو ما دفع الرئيس للقول:... تلك العناصر الإمامية المتمردة لها جذور، ومعها عناصر في صنعاء تدعمها بالمال والحملات الدعائية والبيانات ومواقع الإنترنت وبشتى الوسائل.[4]
وفي رسالة بدر الدين الحوثي لجواد الشهرستاني ما يشير إلى ذلك. تقول الرسالة: "لدينا معرفة كاملة بما يدور في دهاليز النظام الحاكم، نظراً لوجود عناصر أمنية مسئولة في السلطة قريبة من أعضاء الحركة، ونحن نعرف خصومنا من كبار المسئولين، وهم لا يعرفون أن لدينا خمسة من الوزراء بين مؤيدين ومناصرين لحركتنا، مع وجود أربعة من المحافظين من الأتباع أو يضمرون الشر للحكم الظالم جهاراً نهاراً، ويعملون على دعم الشباب المؤمن دون خوف".[5]
إضافة إلى ذلك استطاع الحوثيون بتعاطفهم مع قضايا الناس من كسب ودهم وحبهم، في مناطق تعاني من الفقر بشكل كبير. فقد تبنوا أعمالا خيرية وإنسانية في هذه المناطق التي أغفلتها الدولة والجمعيات الخيرية الأهلية التي يقتصر نشاطها غالبا على ضواحي المدن الرئيسية.
وقدموا خطابا دينيا يمس احتياجات الناس وفق رؤية مذهبية تناسب طبيعة المجتمع المحلي وتقاليده وأعرافه. لذلك جاءت محاضرات حسين بدر الدين الحوثي في غالبها باللهجة العامية البسيطة الخالية من أي تعقيد وتكلف. ومن بين القضايا التي تبنتها حركة الحوثي ما ذكره عبدالملك الحوثي حيث قال: "التيار الحوثي هو عبارة عن مجاميع شعبية تتحرَّك سلمياً لمعارضة الهجمة الأمريكيّة الإسرائيليّة على العالم الإسلامي عبر شعارها الشهير (الله أكبر الموت لأمريكا الموت لإسرائيل اللعنة على اليهود النصر للإسلام)، والدعوة إلى مقاطعة البضائع الأمريكية الإسرائيلية، ونشر الثقافة القرآنية في مواجهة الغزو الفكري. وهو ليس حزباً سياسياً".[6]
والتعبئة ضد إسرائيل وأمريكا لها قبولها في الأوساط اليمنية التي تتمتع بعاطفة جياشة ونخوة عربية وغيرة إسلامية. فكان شعار الحوثيين بمثابة الاستجابة لنداء وجداني في نفوس اليمنيين الذين وقفوا في كثير من القضايا إلى جانب المسلمين شرقا وغربا. وكانت التعبئة والشحذ العاطفي يأتي تحت مبرر هذا الشعار. ويبدوا أن الحوثيين استفادوا من تجارب صدام حسين سابقا وحسن نصر الله لاحقا في رفع الشعار المعادي لإسرائيل وأمريكا لتجييش الناس وتحريكهم في إطار من التبعية لحامل الشعار!
وقد ساعد وجود السلاح في مناطق نفوذ الزيدية بشكل ميسر، حيث يقع أحد أهم أسواق السلاح في منطقة (الطلح) بصعدة، على قدرة الحركة على توفيره وتوفير الذخائر له. علما بأن السلاح متوفر في كثير من المحافظات الشمالية وغالبا ما تقتني القبائل أسلحة مختلفة ومتنوعة.
كما أن زيادة نقمة الناس على النظام الحاكم وتذمرهم منه أفسح لحركة الحوثي لطرح فكرة البديل إما بالعودة إلى الإمامة –حسب الرسالة الموجهة من بدر الدين الحوثي إلى جواد الشهرستاني- وإما بالانقلاب على النظام.
وقد أشار عبدالملك الحوثي إلى أن أكثر اليمنيين يتفقون على "طغيان النظام، وأنه لم يقدم للشعب إلا الجهل والمرض والحروب والدمار"، وأن أغلبهم مجمعين على "ضرورة تغيير هذا الواقع. وهذه خطوة مهمة يمكن أن تليها خطوات أخرى في تنسيق المواقف وتكاتف الجهود بما يغيّر الواقع المأساوي والمظلم الذي يعيشه الشعب اليمني المظلوم".. مع كونه عبر عن أن نظام علي عبدالله صالح فاقد للشرعية فإن "كان المقصود بالشرعية، الشرعية الدينية، فلا شرعية دينية لأي ظالم، سواء باسم إمام أو رئيس أو ملك أو أمير. وإن كان المقصود الشرعية الديمقراطية، فهذا يعود إلى مدى التطابق بين الأسس الديمقراطية في الحكم والممارسة. أما لماذا لم نلجأ إلى المؤسسات الدستورية بدلاً من حمل السلاح، فنحن لم نحمل السلاح من أجل تحقيق طموحات معينة، نحن ننشط ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وبالطرق السلمية، والسلطة هي التي حملت السلاح علينا وعاملتنا بالعنف من دون مبرر".[7]
وبحسب تصريح مرتضى المحطوري فالمرجعية الدينية والسياسية في الفكر الزيدي لا يمكن فصلهما: "لأن الزيدية عندما كانوا يبايعون إماماً لأنه أعلم أهل الأرض كان الإمام هو المرجعية السياسية والدينية، وحينما ذهبت المرجعية السياسية انتقضت المرجعية الدينية فلم يتح للزيدية أن ينظموا أنفسهم لتكون لهم مرجعية".[8]
فمحاولة نصب إمام يدخل في باب إيجاد المرجعية الدينية، وبذلك أصبح الحوثيون يتطلعون إلى الوصول إلى هذه الغاية وإن من خلال مراحل. وهنا يلتقي الحوثيون مع الثورة الإيرانية في هدف إعادة حكم (آل البيت) –وفقا لرسالة بدر الدين إلى الشهرستاني. ولأهمية الرسالة وما تتضمنه نورد فيما يلي نصها:
"بحكم أنكم ستتحملون مسؤولية الإشراف على عملية تنسيب مدراء مكاتب المرجعية في العالم، وبما أنك صهر وابن شقيق سماحة المرجعية –أي علي السيستاني، نحب أن تكونوا على معرفة بالأوضاع والأحوال الحالية والمستقبلية القريبة في اليمن، لمعرفتنا بجهودكم التي تبذلونها لتقوية آل البيت الشيعي وإعادة حكم آل البيت -سلام الله عليهم- إلى حكم اليمن، وذلك بالشكل الآتي:
الجهوزية: إن الحركة في اليمن لديها من الأفراد المقاتلين من تم تدريبه وتعليمه في معسكرات الحرس الثوري، والبعض الآخر من هؤلاء الأفراد خضعوا للتدريبات والتربية العقائدية التي قام بها الولد حسين تجاههم، وأصبحوا يشكلون تنظيم "الشباب المؤمن"، وقد اطلع على هذه الوضعية مسئول البعثة العسكرية التي زارت مناطق حيدان، ورافقها الولد حسين، واطلعت على الأوضاع بكل تفاصيلها، وعند زيارة البعثة إلى منطقة (ضوران آنس)، استقبلها هناك سماحة السيد يحيى بن محمد موسى، وتنقلت هذه البعثة في هذه المنطقة بشكل مريح، مما جعل مسئول البعث يثني على جهود السيد على جمبز.
القدرة: لا نبالغ لكم إذا قلنا إن لدينا القوة التي توازي قوة النظام والحكم العميل، فليس لدينا قوة هذا النظام الكافر، لكن لدينا القدرة على هزيمته، فالحركة نجحت نجاحاً باهراً في إذكاء الانقسام بضربه على وتر حساس يتعلق بالخلافة والقول بالفرق بين الخلافة والإمامة، وهذا ساعدنا في كسر الحاجز النفسي، وسمح لنا بالمجاهرة بأن عودة الإمامة للحكم هي الأصلح والأنفع للشعب اليمني. وقد بثت عناصرنا ذلك في الشارع وبين عسكر وأفراد النظام وموظفين المخلصين، فظهرت على نفوسهم الروح الانهزامية التي ستمكننا في المعركة من النصر على القوة الظالمة، ولا ننسى هذا الدور البارز والحيوي للإعلام الصحفي الموالي للحركة[9]، فقد عمل ولا زال يعمل على نقد الفساد والتهجم على رموز النظام وأقرباء وأسرة الحاكم الظالم المغتصب، ويكفي أن نبين لكم مدى قدرتنا بالاكتفاء بصنع وإيجاد صحف مناصرة للحركة في اليمن، ففي هذا الأسبوع ستصدر صحيفة (الوسط)، وهدفها إثارة المشاكل بين الدولة الوهابية المجاورة ونظام الحكم الظالم في اليمن، والمستفيد من ذلك هم السادة الأشراف الموجدون في الخارج، والذين يعارضون حكم الدولة الوهابية التي قضت على حكم السادة الأشراف في الحجاز، والإخوة في الأردن، بالتنسيق معنا في خروج هذه الصحيفة، وبالتعاون مع السيد عبد الرحمن الجفري.
وفي هذا المجال فإن لدى الحركة صحف موالية ومناصرة: صحيفة (الشورى)، وصحيفة (البلاغ)، وصحيفة (الأمة)، أما الصحف المناصرة للحركة، منها صحيفة (الثوري) وصحيفة (14 يوليو)، ولدينا كوادر إعلامية مخلصة في صحف وأجهزة السلطة.
لدينا معرفة كاملة بما يدور في دهاليز النظام الحاكم، نظراً لوجود عناصر أمنية مسئولة في السلطة قريبة من أعضاء الحركة، ونحن نعرف خصومنا من كبار المسئولين وهم لا يعرفون أن لدينا خمسة من الوزراء بين مؤيدين ومناصرين لحركتنا، مع وجود أربعة من المحافظين من الأتباع أو يضمرون الشر للحكم الظالم جهاراً نهاراً، ويعملون على دعم الشباب المؤمن دون خوف، ويمكنكم على سبيل المثال الاستفسار عن ذلك السيد الخفَّاف مدير مكتب المراجعة في بيروت عند لقائه بالسيد يحيى موسى، الذي أوضح له شخصيات مدنية وعسكرية تقدم الدعم والمساندة وتسخر إمكانيات الحكم لمصلحة الشباب المؤمن الذين نشطوا من خلال المراكز الصيفية والحوزات العلمية والمجامع الدينية التي يبلغ تعدادها أكثر من ألف وتسعمائة منشأة تشرف عليها الحركة.
لقد أوصلنا الأمور إلى مرحلة النضوج، فالظروف الداخلية مهيأة ونحن لا نعترض أن يقوم السيد إبراهيم بن علي الوزير بالاتصال والتنسيق بعناصر المعارضة وخصوصاً السيد عبدالله الأصنج، ونرجو منكم تحريك عناصر الحركة الموجودين في أوروبا وبالذات في هولندا، فنحن بحاجة إلى اتصالاتهم بالداخل لإثارة المشاكل في المناطق القبلية، ونحيطكم علماً بأن الولد يحيى عضو مجلس النواب، والمحب المخلص عبدالكريم جدبان عضو مجلس النواب سيتكفلان بما عليهم من دعم سياسي، كما تكفل سماحة السيد المجتهد أحمد عقبات والسيد المرتضى بن زيد المحطوي -وفقه الله وسدد خطاه- بالإضافة إلى شخصيات وقيادات بارزة بالتحرك وبذل الغالي والنفيس لتحقق الحركة هدفها النهائي، وما علينا سوى استغلال الوقت وما عليكم غير تقديم الدعم المعنوي والمادي والسياسي الذي سيمكننا من تحديد زمان المعركة وبدايتها ونهايتها لمصلحة آل البيت -عليهم السلام، وفقكم الله". وجاء التوقيع على الرسالة من قبل: بدر الدين الحوثي، وتحت وصف (المرشد الأعلى لمؤسسة آل البيت في اليمن).
لقد قُدِّرَ أتباع الحوثي الذين ربوا تربية عقدية مذهبية خاصة إلى خمسة عشر ألف شخص، حسب عدة مقابلات لمحمد يحيى عزان، وربما أوصلتهم بعض الأرقام غير الرسمية إلى خمسة وعشرين ألف شخص. وهؤلاء الأتباع لا شك لهم بعد ذلك مؤيدون لأفكارهم ومحبون لهم ومتعاطفون معهم.
ومما زاد من شعبية حركة الحوثي ارتفاع أسهم (حزب الله) اللبناني في الأعلام العربي خلال السنوات الأخيرة، وظهوره كحزب إسلامي مقاوم مع كونه حزبا شيعيا. وقد لمس المواطن العادي في اليمن مدى قبول كثير من أبناء اليمن فكرة (حزب الله) المقاوم والمنتصر، في زمن أصبحت الأمة تحتاج فيه إلى بصيص ضوء يرفع رأسها بالانتصار على الأعداء.
كما أن إيران أحمدي نجاد التي تقدم نفسها اليوم كحامية حمى الإسلام والدولة القوية والمواجهة للغرب وإسرائيل والواقفة إلى صف المقاومة، مع تخلي دول كالسعودية ومصر عن هذا الدور! بل وظهورهما مظهر المتآمرين على الحركات الجهادية في فلسطين ولبنان.. أضاف بعدا آخر لميل الشعوب إلى الشيعة، خاصة وأنهم يمارسون نوعا من النفاق (التقية) تجاه السُّنَّة بكونهم يدعون للتقريب معهم ويتعايشون مع مجتمعاتهم.
أما ما جرى في العراق من تمكين الشيعة فيه، وتحولهم إلى قوة مهيمنة، وسيطرتهم على مقاليد الأمور في ظل الاحتلال، فيعد بالنسبة لشيعة المنطقة أملا يودون تحقيقه في البلدان التي لهم فيها وجود نسبي مؤثر.
هذه الأمور والأحداث معا وفرت أرضية للتبشير الشيعي في المنطقة، وتسويقه في البلدان السُّنية، بهدف إحياء حلم الهلال الشيعي. وقد حذرت من ذلك جهود علمية وبحثية سابقة. ومؤخرا تنبه كل من الملك الأردني ورئيس جمهورية مصر ووزير الخارجية السعودي والشيخ الداعية يوسف القرضاوي لجدية الأمر وخطورته!
وهو أمر تقف إيران وراءه بكامل ثقلها لما له من انعكاس على مشروعها القومي ومخططها التوسعي في المنطقة والذي طالما حلمت به منذ قيام الثورة. وكانت اليمن هدفا قريب المنال لطبيعة الوجود الشيعي –بشقه الجارودي- وما يمتلكه من فرص قد تمكنه من المسك بزمام الأمور.
وقد تحدث وزير الداخلية اليمني عن دعم إيران للحوثيين فقال: "إن إيران سخرت وسائلها الإعلامية الرسمية كإذاعة طهران وقناة العالم الفضائية لدعم المتمردين الحوثيين في صعدة"، وأشار إلى أن القائم بالأعمال الإيراني السابق كان يحرص في الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء العمرة التي أداها عشرات المرات، أن يكون برًا عن طريق محافظة صعدة! في إشارة إلى تقديم الدعم المادي للحوثيين. وأن السفير الإيراني الحالي في صنعاء حاول مرارًا أن يذهب إلى العمرة عن طريق محافظة حجة التي يوجد بها جماعة تابعة للحوثي. لكن السفارة السعودية بصنعاء رفضت منحه تأشيرة العمرة برًا وأنها خيرته بالذهاب جوًا إلى الأراضي المقدسة. وأضاف أن المسئولين الإيرانيين يتحدثون عن أنهم مع الوحدة اليمنية وضد التخريب، إلا أن الواقع غير ذلك، مطالبًا إيران بتحديد موقف رسمي وواضح مما يدور في صعدة، مشيرًا إلى أنه وكرجل أمن يعرف أن الاستخبارات الإيرانية شكلت دورًا كبيرًا في حشد وتصوير المظاهرات التي خرجت في شوارع طهران وأمام السفارة اليمنية هناك والتي أبدت تعاطفًا وتأييدًا للمتمردين الحوثيين ضد الحكومة اليمنية.[10]
والاتهام ذاته كرره وزير الخارجية اليمني، حيث قال د. أبو بكر القربي: "سبق لي أن أعلنت عن وجود صلة ما لإيران وليبيا بما يحدث في صعدة، وقد أوضح نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية.... أن الدعم الإيراني المتمثل في احتضان مؤسسات قم لقيادات التمرد، إلى جانب الترويج للأعمال الإرهابية عبر وسائل الإعلام الرسمي، يتنافى مع التأكيد الرسمي الإيراني أن إيران مع وحدة اليمن واستقراره، وهو ما يدعونا لتجديد الدعوة للأشقاء في إيران بترجمة هذا الحرص إلى واقع عملي.. وفيما يتعلق بليبيا[11] فقد أعلنَّا الترحيب بموقفها الواضح وإدانتها للتمرد في صعدة.. وطالبناها بتسخير الأموال التي تقدمها لبعض الشخصيات اليمنية تحت مسميات متعددة لصالح التنمية في اليمن باعتبار ذلك أجدى وأنفع للبلدين ومصالحهما المشتركة".[12]
وسبق أن أكد يحيى النجار -وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية- تكرار زيارة حسين الحوثي ووالده وإخوانه لإيران. مشيرا إلى وجود دعم خارجي لهم، ودخولهم "في مسألة تصفية الحسابات الإقليمية". معتبرا أن المذهب الاثنى عشري "وافدا على جسم الأمة اليمنية"، وأنه "غلاف خارجي.. والأمر أخطر من ذلك".[13]
إذن لقد استفادت حركة الحوثي كما يبدو من عوامل تاريخية واجتماعية ومذهبية، ومن ظروف إقليمية ودولية قائمة. ولم تفوت على نفسها الاستفادة من عوامل الضعف لدى الخصم.
 
المبحث الثاني: نقاط الضعف لدى الحكومة اليمنية:
 
أشرنا إلى شيء من نقاط الضعف لدى الحكومة اليمنية منها، ونضيف هنا ذلك النفور في العلاقات بين الحكومة اليمنية والإدارة الأمريكية.
يقول الدكتور عبدالله الفقيه - أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء: "وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد تحالفت مع النظام اليمني في خوض مرحلة المواجهات المباشرة في الحرب على الإرهاب، والتي كانت محدودة بطبيعتها، فإن واشنطن وبعد مرور حوالي خمس سنوات من الشراكة مع النظام اليمني تبدو وكأنها قد توصلت إلى قناعة مفادها صعوبة التعامل مع الحالة اليمنية في ظل الأوضاع القائمة في البلاد".[14] ويقول: "وحيث أن الحرب على الإرهاب قد أصبحت الموضوع الأول على أجندة الساسة الأمريكيين، فإنها قد أصبحت بالتبعية المحدد الرئيسي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في فترة ما بعد أحداث سبتمبر 2001م".. "ومع أن واشنطن تدرك جيدا صعوبة الموقف في اليمن إلا أنها تدرك أيضا أن النظام القائم بحاجة في أحسن الأحوال إلى إعادة تأهيل وفي أسوأها إلى التغيير".[15]
ثُمَّ يربط الدكتور عبدالله الفقيه بين توجه السياسة الأمريكية الخارجية باتجاه الإصلاح السياسي ومكافحة الإرهاب بقوله: "وبدأ الموقف الأمريكي يتحول في اتجاه الإصلاح السياسي الشامل الذي لا يعني بالنسبة للأمريكيين في المرحلة الحالية الديمقراطية بقدر ما يعني إعادة هيكلة النظام القائم وتوسيع تحالفاته وبشكل يجعله قادرا على:
1-              إضعاف العناصر الجهادية التي يعتقد الأمريكيون أنها تشكل أحد قواعد النظام القائم.
2-              الانقضاض على الفساد الذي ينظر إليه الأمريكيون على أنه يفشل جهودهم في الحرب على الإرهاب.
3-              تنفيذ عملية تحول اقتصادي وثقافي واسع.
4-              بسط نفوذ الدولة اليمنية على حدودها البرية والبحرية وبشكل يكفل الحد من عمليات تهريب السلاح والمخدرات والبشر من وإلى الدول المجاورة.
وباختصار فان تشخيص واشنطن لمشكلة النظام القائم تتلخص في نقطتين: سلطة أنهكها الفساد وجعلها غير قادرة على تحقيق الأهداف ولو بالحد الأدنى من الكفاءة؛ ومعارضة إيديولوجية -معادية بطبيعتها للولايات المتحدة- يصعب الوثوق بها".
وقد صرح السفير الأمريكي السابق بصنعاء "توماس كراجسكي"، لمجلة (يو. إس. نيوز آند وورلد ريبورت)، بهذا المعنى الذي ذكره الكاتب. فهو يقول: بأن اليمن تَتأرجح على "حافة الفشل"، محذرا من أنها قد تصبح "كالصومال" أو "أن يحدث شيء من الجدية في التغيير". وأضاف أن الفقر خطير في اليمن، وأن اليأس المتصاعد بين الناس يهدد بالتغلب على "الشراكة التكتيكية" بين اليمن وأمريكا من خلال "تحول هؤلاء الناس إلى إرهابيين". وأضاف السفير أن هناك فرص للفشل وأخرى للنجاح وأن على المسئولين في اليمن "أن يتخذوا بعض القرارات الصعبة الآن"؛ وقال: "بدون الديمقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد لا نستطيع إيجاد استقرار في البلاد، والشباب سيواصلون التوجه نحو التطرف، وفي أسوأ الحالات فإن انهيار الدولة سوف يؤثر على أمننا القومي".[16]
فعلى ذلك فإن الإدارة الأمريكية لم تعد ترى أن النظام الحاكم في اليمن يخدم أجندتها في مكافحة الإرهاب، سواء من خلال إيجاده لبيئة فساد واستبداد وحرمان تعزز من توجه الشباب اليمني نحو ممارسة الإرهاب –حسب زعمها! أو من خلال التسامح الذي تبديه القيادة في اليمن تجاه هذه العناصر.
وبالفعل فقد اتسمت العلاقات اليمنية الأمريكية بحالات من المد والجزر والتوتر. بل بلغت الأمور في فترات معينة حد الاتهامات المتبادلة. وبشكل يطفو إلى السطح وعلى مستوى عال.
فقد سبق أن هاجم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة سياستها في المنطقة أو منطقها في التعامل مع الحكومة اليمنية في تصريحات وحوارات عدة.
ففي حوار أجرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية معه، نفى الرئيس وجود أي تنسيق مع الولايات المتحدة بشأن مواجهات صعدة، وقال: "لكن هناك تعاون ثنائي بيننا وبين الولايات المتحدة الأمريكية ومع الأسرة الدولية حول مكافحة الإرهاب، خاصة فيما يخص تنظيم القاعدة وهو تعاون أمني ومعلوماتي ومن أجل مصلحة الجميع".. وأضاف: "نحن عملنا في الحرب ضد الإرهاب على مسارين المسار الأول الترغيب لمن يريد أن يتخلى عن الإرهاب ويعود كمواطن صالح في المجتمع نعطيه الأمان، بشرط أن يبتعد عن تنظيم القاعدة، وفي نفس الوقت يوفر لنا ذلك معلومات لمتابعة العناصر المتشددة، الشق الآخر هو المسار الذي نتابع عبره عناصر القاعدة بقوة وبحزم. فالولايات المتحدة الأمريكية كانت في البداية غير راضية عن الحوار مع القاعدة وهم يعتقدون بأن الحوار وإصلاح هذه العناصر خطأ"!
وبعد أن حكى الرئيس اليمني عن كيفية اعتقال الحكومة اليمنية للمتهمين في تفجير المدمرة الأمريكية (يو. إس. إس. كول)، ومحاكمتهم، ثمَّ فرارهم من السجن وعودتهم إليه، وتعاونهم مع الجهات الأمنية لإقناع العناصر الهاربة بالعودة وتسليم أنفسهم للأمن؛ قال: "لكن المسئولين في الولايات المتحدة الأمريكية وأجهزتها الأمنية أقامت الدنيا ولم تقعدها، وبخاصة من قبل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، نتيجة للتنافس الانتخابي الجاري بينهما, وقالوا هذا قاتل كيف تطلقوا سراحه ولما رأينا أنه ستحدث أزمة في العلاقات اليمنية الأمريكية اضطررنا إلى إيداعه السجن مرة أخرى لإكمال مدة العقوبة وهو موجود الآن في السجن"..
وعبر الرئيس عن تحول السياسة الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي بقوله: "بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إذا بالولايات المتحدة الأمريكية تأخذ موقفا مغايراً ومتشدداً ضد الحركات الإسلامية بل وتمارس الضغط على بعض الدول لإقحامها في صراع مع هذه الحركات وإلا فإن هذه الأنظمة التي لا تقوم بذلك بحسب رأيها متواطئة مع هذه الحركات الإسلامية. نحن في اليمن لدينا ديمقراطية وتعددية سياسية ورفضنا الدخول في صراع مع الحركات الإسلامية، بل وأشركناهم في العمل السياسي وفي التعددية السياسية، ودخلوا المعركة الانتخابية الرئاسية والبرلمانية والمحلية وشاركوا في الحياة السياسية بفعالية".
وحول قضية الشيخ عبدالمجيد الزنداني وجامعة الإيمان، اللتان تعدان نقطة خلاف بين البلدين، قال الرئيس: "الولايات المتحدة الأمريكية تدرج الآن اسم الشيخ عبدالمجيدالزنداني في قائمة الإرهاب، لماذا؟ لأنها تتهمه بجمع تبرعات لحركة حماس الفلسطينية في الوقت الذي نحن لا نعتبر حركة حماس حركة إرهابية بل هي حركة إسلامية مناضلة تناضل من أجل الاستقلال ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي.. أمريكا كحليف لإسرائيل تعتبر حركة حماس إرهابية في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية تتفاوض مع حماس فكيف تدرج اسم الشيخ عبدالمجيد الزنداني على قائمة الإرهاب وتتهمه بأنه عنصر يدعم الإرهاب لمجرد أنه يدعم حماس، هذه أيضاً من المفارقات الغريبة في السياسة الأمريكية. نحن نطالب بشطب اسم الشيخ عبدالمجيد الزنداني من قائمة الإرهاب، ونحن في اليمن -كما قلت- لا نعتبر حماس منظمة إرهابية ولكنها حركة نضالية ضد الاحتلال، ثم إن أمريكا نفسها منحازة إلى إسرائيل؛... ونحن منحازون إلى الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من أجل الاستقرار والسلام. وكان المفروض على أمريكا كدولة عظمى أن تكون محايدة لأن سياسة العصى الغليظة لا تجدي أو تستمر".[17]
وفي حوار آخر يقول الرئيس اليمني: "نحن لسنا حلفاء لأمريكا، ولسنا عملاء لأمريكا، ولكننا نتعاون معهم ضمن الأسرة الدولية لمكافحة الإرهاب، وقد قدموا لنا مساعدات محدودة ليست بالكبيرة؛... نحن نتعاون معهم، وقلنا (هنا نعم) و(هنا لا) وهذا (خط أحمر) لا يمكن تجاوزه، وهم يعرفون هذا الموقف تماما، ليس لأننا قوة عظمى، ولكننا أصحاب قرار سياسي وإرادة سياسية وهما الأهم".. وانتقد السياسة الأمريكية بقوله: "استمر خطابنا وإلى الآن على أساس أن أمريكا منحازة كل الانحياز إلى جانب إسرائيل، وأنها تنفذ قرارات الشرعية الدولية بمعايير مزدوجة، وموقفنا هذا ثابت مع الأمريكان وصاروا متعودين على هذا الخطاب ليس من الآن ولكن من الثمانينات".[18]
إن قناعة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تجاه الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه لا تعبر عن الارتياح إليهما؛ وقد بدأت واشنطن منذ فترة بالتواصل مع القوى المعارضة، التي عبَّر عنها نبيل خوري –نائب السفير الأمريكي بصنعاء- في حوار مع الصحوة بقوله: "إن هناك بعض الإحباط الذي يشعر به الكثير من الليبراليين والمفكرين اليمنيين والعاملين في المجتمع المدني... لعدم إحراز تقدم أكبر في اليمن من ناحية الديمقراطية".[19]
وهذه القناعة تجاه (صالح) و(نظامه) مبنية أمريكيا على عدة اتهامات وتخوفات يستشفها المراقبون من تصريحات المسئولين الأمريكيين والسياسة الأمريكية تجاه النظام والمعارضة معا. ومنها:
-            قيام نظام الحكم في صنعاء على أساس من الاستقلال والتقليدية والمحافظة والانتماء القومي والإسلامي إلى حدٍ ما. فللنظام الحاكم مواقف من قضايا فكرية وتحديثية شائكة، ومن أحداث سياسية في المنطقة خاصة فلسطين.
-            واقع هذا النظام الذي أصبح مهددا بالتغيير والزوال نتيجة الفساد والاستبداد والأداء الاقتصادي والتنموي الضعيف جدا، بحيث يوفر منه بيئة خصبة للتطرف والعنف ومن ثمَّ (الإرهاب).
-            علاقة هذا النظام بالحركات الإسلامية وجماعات الجهاد! وهي علاقة لا تزال ترددها قوى المعارضة اليسارية منذ أزمة عام 1993م. كما ترددها أيضا القوى الليبرالية خارج السلطة، وداخلها وإن بشكل خفي! فأمريكا لا تر أن نظام صنعاء صادقا في عدائه لهذه التيارات التي يواجهها في العلن ويتحالف معها في الخفاء –حسب اعتقادهم.[20]
-            رغبة الولايات المتحدة في تقسيم اليمن الموحد –بصيغة- تضعف من دور كثافته السكانية وامتداده الجغرافي كلاعب ومؤثر إقليمي في المنطقة. فمن المعلوم أنه على افتراض تحسن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيكون اليمن دولة محورية في المنطقة وسيعزز تأثيرها كقوة إقليمية على الساحة[21]. لذا فقد حاولت الولايات المتحدة –إن لم تكن أوعزت- الوقوف إلى جانب الانفصال عام 1994م. وهي اليوم تستضيف قوى المعارضة –إلى جانب بريطانيا، وتقدم لها السند المعنوي والمادي.
-            رفض النظام اليمني تكرارا لمطالب الإدارة الأمريكية للحصول على قواعد عسكرية على أراضيه، أو تسهيلات بشأن وجود عسكري عليها، في ظل الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية للحكومة.
وقد صدرت تقارير أمريكية –رسمية وغير رسمية- تشير إلى هشاشة النظام الحاكم في صنعاء، وإلى مدى الفساد الإداري والمالي الذي بلغه، وإلى الأوضاع التي آل إليها الاقتصاد والتنمية والخدمات.. معتبرة أن هذه العوامل ستتسبب بتدهور الأوضاع مستقبلا، إما نتيجة حدوث ثورات شعبية أو صراع داخلي أهلي. وقد حفلت أحزاب المعارضة منذ عام 2004م –وبعد سقوط بغداد- بهذه التقارير التي تنشر بصور مختلفة.
وهي –فيما يبدو- رسائل واضحة للنظام حيث يؤكد بعض المسئولين الأمريكيين بعض ما يرد في هذه التقارير بصيغ دبلوماسية لا تخلو من الوضوح.
وهكذا نجد أن هذه الأجواء من الخلاف بين واشنطن وصنعاء أعطت الأمل لحركة الحوثي في أن يجد تمرد مسلح ضد هذا النظام نوعا من التأييد أو غض الطرف كأقل تقدير. ولا عجب إذن أن ترحب الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان وقف الحرب في محافظة صعدة، على لسن مصدر في السفارة الأمريكية بصنعاء[22]. على الرغم من أن الدولة كانت قد أعلنت عن قرب الحسم العسكري!
وهذا الموقف الأمريكي يتجاوزها إلى أوروبا والدول المانحة لليمن، نظرا لتأثير السياسة الأمريكية على القرار الدولي والأوروبي بشكل خاص.
وفي ظل انكشاف اليمن دوليا وإقليميا حيث لا تزال دول الخليج ترفض انضمامه إلى مجلس التعاون أو تعمل على تأخيره إلى أمد بعيد؛ إضافة إلى انكشافه محليا بتخلي الأحزاب المختلفة عنه –كما سبق وأشرنا- نتيجة ممارساته الخاطئة تجاههم أحيانا ومحاولاتهم الانقلابية عليه أحيانا أخرى. ولم تعد الحركة الإسلامية اليوم في صف النظام الذي أعلن الحرب عليها منذ عام 1997م في سبيل إرضاء التوجه الدولي في حينه. وهي التي أدت دورا في توطيد دعائمه خلال مراحل الصراع مع الجنوب والقوى اليسارية في الداخل وأثناء أزمة 1993م وحرب الانفصال. كما أن إقصاء مشائخ القبائل الكبرى في اليمن عن السلطة وتركيزها في دائرة ضيقة ومقربة من الرئيس –بحسب رصد عبدالكريم الخيواني[23] في صحيفة (الشورى)- جعل هؤلاء المشائخ يعبرون عن موقف سلبي من الرئيس والحزب الحاكم والنظام القائم.[24]
هذا الانكشاف لم يقتصر على الحلفاء السياسيين فقط بل شمل القاعدة الشعبية التي كان يتمتع بها الرئيس علي عبدالله صالح عقب الوحدة. حيث أبانت الانتخابات الرئاسية عام 2006م مدى امتعاض الناخب اليمني العادي من الأوضاع السيئة التي آلت إليه أحوال اليمن نتيجة سياسات الحكومة بقيادة الرئيس اليمني، والذي انعكس في مشاهد الحشود الجماهيرية في حملة مرشح أحزاب اللقاء المشترك فيصل بن شملان في أكثر من محافظة.
هذا الوضع للسلطة الحاكمة دفع بها إلى زيادة اعتمادها على الأجهزة الأمنية والعسكرية والتعامل مع مختلف القوى بالقوة والمواجهة والأساليب الأمنية. أكان ذلك مع الصحفيين أو الأحزاب أو القبائل أو الحراك الشعبي على الشارع أو تجاه الحركات الإسلامية. وهي حالة يرى البعض فيها إرادة بعض المتنفذين في السلطة الإيقاع بالنظام القائم من خلال تصعيد حالة الكراهية والبغض له. وهو تحليل يستند في رؤيته هذه إلى وجود جناح في السلطة يعارض هذه السياسات ويستنكرها على الرئيس والحزب الحاكم؛ حيث تعبر صحيفة (أخبار اليوم) و(الشموع) عن وجود جيب مؤتمري وفي السلطة يحاول الضرب على علاقة الرئيس بالحركة الإسلامية والقبائل والأحزاب الأخرى.
وإذا صح هذا الرأي فإن حركة الحوثي اعتمدت في تمردها وتحريضها ضد النظام القائم على خلفية معرفية وشعور منها بأن النظام في أضعف حالاته، وأن الفرصة سانحة في مواجهته حاليا للتأكيد على وجودها كقوة لا ينبغي لمن يرسم مستقبل الواقع اليمني أغفاله.
ولا ننسى هنا أن هناك حراكا معارضا خارجيا يؤيد الانقضاض على النظام في صنعاء خارجيا أو داخليا. وهذا الحراك محتضن غربيا وله حضوره في بعض الدول العربية. وله قنوات للتعبير عن آراءه والتواصل مع صناع القرار وموجهي السياسات الخارجية في واشنطن وبريطانيا. وهناك مطالب في الجنوب بالانفصال أو الحكم الذاتي أو التحرك ضد السلطة لإسقاطها، ولهذا الحراك الجنوبي تواصل مع معارضة الخارج وتنسيق في بعض المواقف.
ويبدي الحوثيون في كتاباتهم (بالإنترنت) وأحاديثهم في المجالس تأييدا للحراك الجنوبي ضد النظام، ويبادلهم الجنوبيون –النقامون على السلطة- الموقف ذاته. وقد أعلنت الأجهزة الأمنية في أكثر من مرة عن ضبط رجال الأمن لسيارات محملة بشحنة من الأسلحة من بعض المحافظات الجنوبية باتجاه صعدة![25]
وفوق كل هذا يأتي سوء الإدارة الإعلامية لحزب المؤتمر ليزيد موقف الدولة ضعفاً، في مواجهاتها من ناحية وفي علاقتها بالقوى الحزبية والاجتماعية من ناحية أخرى. فقد مارست الصحف والمواقع الإلكترونية التابعة للمؤتمر الشعبي العام التضليل والكذب والتزييف ومهاجمة أطراف حزبية واجتماعية مختلفة. ما أضعف حضورها الجماهيري في الساحة نتيجة رفض الشارع اليمني لهذا النوع من الإعلام. في المقابل رفع هذا الأداء الإعلامي السيئ من أسهم الصحافة المستقلة وشكلت له مرجعا للأحداث ومصدرا للتحليل وساحة للتعبير والنقد.
هذه الظروف مجتمعة وفرت فرصة لقبول أي حراك باتجاه السلطة.. ففي الجنوب عاد الاشتراكيون للحديث عن قضايا الناس وحقوقهم وقضاياهم مع أطراف (مطالبة بالانفصال)؛ وفي الشمال كان الحوثيون الذين ترعرعوا في بلاط السلطة قد بنوا قاعدة لهم ليكونوا مستقبلا قوة سياسية وعسكرية (وأيديولوجية) مؤهلة لخلافة الوضع أو نيل نصيب من ورثته الكبيرة.
يقول الرئيس علي عبدالله صالح: نحن نواجه الإماميين في صعدة بحزم وبقوة، لأنه إذا عادت الإمامة فإنهاسوف تجزأ اليمن إلى أربعة أجزاء وربما أكثر![26]


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الشرق الأوسط، عدد 10321، في 2/3/2007م.
[2]  صحيفة (الأخبار) اللبنانية، في ٤/7/2008م.
[3]  اللواء/ يحيى المتوكل في ذكرى رحيله الرابعة، د. علي عبدالقوي الغفاري، موقع (المؤتمر نت)، في 13/1/2007م.
[4]  الشرق الأوسط، عدد 10799، في 22/6/2008م. وموقع (المؤتمر نت)، في 22/6/2008م.
[5] رسالة بدر الدين الحوثي لجواد الشهرتساني، أرسلت قبل سنوات، ونشرتها عدة وسائل إعلام، منها موقع (مأرب برس) 25/10/2008م. وهي وإن لم توثق لكنها تتضمن أمورا أقرب للواقع والحقيقة القائمة للعيان. تجدر الإشارة إلى أن تفاصيل الوثيقة نشرت في كتاب (الزهر والحجر)، ص(353-355)، كما أعيد نشرها في كتاب (بوائق رافضة اليمن).
[6]  صحيفة (الأخبار) اللبنانية، في ٤/7/2008م.
[7]  صحيفة (الأخبار) اللبنانية، في ٤/7/2008م.
[8]  الوسط، في 1/2/2007م.
[9]  يقول د. أبو بكر القربي: "هناك مؤسسات شيعية وفرت الدعم للمتمردين".. و"هو دعم مادي في الأساس ودعم معنوي من خلال محطات الراديو والفضائيات التي تتبنى مواقفهم". الشرق الأوسط، عدد 10336، في 17/3/2007م.
[10]  إيلاف، في 28/5/2007م.
[11]  سبق للقربي أن أشار -في تصريح له بتاريخ 15/5/2007م- إلى أن وجود النائب البرلماني يحيى الحوثي فيليبيا، واستضافته هذه الأيام، هناك يعطي دليلاً كافياًَ على تورط ليبيا ودعمهاللحوثيين خصوصاً مع رفضها تسليمه لليمن التي طالبت به عبر الإنتربول الدوليللتحقيق معه في قضايا أمنية تخص علاقته بتمرد صعدة. (العربية، في 15/5/2007م).
[12]  (المؤتمر نت)، في 3/6/2007م. نقلا عن صحيفة (عكاظ) السعودية.
[13]  الشرق الأوسط، عدد 10321، في 2/3/2007م.
[14]  التغيير نت، في 21/12/2005م.
[15]  المرجع السابق نفسه.
[16]  نقلا عن موقع (التغيير نت)، الذي نقل الموضوع عن (رأي نيوز)، في 13/3/2006م.
[17]  انظر: نص مقابلة صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مع رئيس الجمهورية في موقع (المؤتمر نت)، في 22/6/2008م.
[18]  صحيفة (السفير) اللبنانية، في 19/8/2004م.
[19]  الصحوة، عدد 1010، في 16/2/2006م.
[20]  سبق لنائب وزير الدفاع السابق "بول وولفويتز"، في جلسة مشتركة للجان الاستخبارات من مجلسي النواب والشيوخ، في 19/9/2002م، أن اتهم علانية اليمن بوصفها "دولة حاضنة للإرهاب"! وأشار إلى وجود أشخاص "بالغي الخطورة" في اليمن! كما أشار أيضا إلى أن "هناك دولاً مثل اليمن وجورجيا تعرف أنه يوجد لديها إرهابيون نشطون وليس مجرد معسكرات تدريب"، مؤكدًا أنه "إذا توافرت لدينا معلومات استخباراتية موجبة، ولم تكن هذه الدول مستعدة للتحرك فإننا سنحسم الأمر وبأنفسنا"، وذلك في إشارة واضحة إلى إمكانية تدخل أمريكي مباشر وصريح في اليمن وجورجيا إذا تطلب الأمر.
[21]  يقول الرئيس علي عبدالله صالح: "من بين أهم المكاسب التي تحققت لأمتنا هي أن أعداءها سيفكرون ألف مرة قبل شن أي عمل عدواني مباشر عليها، ليس من قبل الدوائر الصهيونية فحسب، بل ومن القوى الحليفة لها التي هي الأخرى غاضها أن تمتلك الأمة العربية مقدرة متفوقة في التقنيه والتكنولوجيا العالية وأن تحقق التوازن العسكري والإستراتيجي مع العدو الصهيوني دفاعا عن الكرامة والسيادة العربية". في حوار مع صحيفتي (الثورة) و(الجمهورية) العراقيتين، في 21/7/1994م.
[22]  موقع (مأرب برس)، في 30/7/2008م.
[23]  عقب توليه رئاسة تحرير صحيفة (الشورى) مطلع 2004م نشر عدة ملفات هاجم فيها الحكومة اليمنية، في جوانب الفساد، وتوريث الحكم وتحويله إلى شكل (أسري)، إضافة إلى وقوفه إلى جانب الحوثيين في أحداث صعدة التي اندلعت منتصف مارس 2004م.
[24]  شهدت علاقة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر بالرئيس صالح آخر سني حياته –قبل وفاته رحمه الله- توترا حادا عبر عنه الشيخ والرئيس في مقابلاتهما الإعلامية، كما أن العلاقة بين الرئيس والشيخ سنان أبو لحوم تشهد حاليا –ومنذ فترة ليست باليسيرة- التوتر ذاته، فقد عبر سنان أبو لحوم في أكثر من حوار عن امتعاضه من تعامل الرئيس وسياسته.
[25]  هناك من يفسر الأمر بأنه طبيعي في ظل عمليات التهريب للأسلحة عبر السواحل الجنوبية المفتوحة!
 
 
 في حوار مع صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية، في 22/6/2008م.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©