قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


المخاطر التي تجاهلتها حركة الحوثيين .. النتائج والآثار 

 2010-02-19

 

 
 
المخاطر التي تجاهلتها الحركة
إن أيَّ توجه إلى ممارسة العنف –من أي مذهب أو تيار كان- يمثل ولوجا إلى منطقة اللا عودة. فالعنف لا يؤدي إلا إلا العنف المضاد، وهكذا تسير عجلة الفعل ورد الفعل. فإذا ما توفر لهذا العنف ثقافة اجتماعية تقوم على (العصبية) الجاهلية للقبيلة أو الطائفة أو الحزب فإنه سرعان ما يخلف القتل وينشر الرعب وخرب العمران.
وإذا كانت حركة الحوثي جادة في توجهها الإيماني لمواجهة القوى الصهيونية والصليبية المحاربة للأمة، وهو مقصد مشروع في ظل الاعتداء الواقع على الأمة من هذه القوى، وممكن في مظانِّه من البلاد: كفلسطين أو العراق أو أفغانستان أو الصومال؛ وهي ميادين مفتوحة للمجاهدين وحاضنة للمقاومة؛ لكان الأولى بها بالفعل في ظل الظروف العصيبة التي يواجهها المسلمون أن يضعوا أيديهم في أيدي التيارات الأخرى المختلفة معها فقهيا في إطار المرجعية الإسلامية، لتعطي النموذج الحي على دعوى نبذ الطائفية والتوحد مع جسد الأمة في آلامه وهمومه.
غير أن الحركة اتجهت إلى اللعب بالنار، حيث استحالت صعدة إلى معسكر وخندق قتال تجاه (الدولة)! والتي تجمع عليها بين أوصاف: الولاء والتبيعة لليهود والنصارى، وبين العمالة للوهابيين وارتضاء السلفيين! ليكون توجيه السلاح إلى أبناء المجتمع تحت ذريعة (الدفاع عن النفس).
لقد كان صائبا أن يعلن (الحوثيون) مشروعا تصحيحيا للأمة يقوم على أسس فكرية ومنهجية يدعى إليه العلماء والمصلحون –دون بخس لجهود الآخرين. بحيث تكون هذه الحركة بالفعل (صرخة) في وجوه (المستكبرين) ولكن بكلمة حق (تجمع) ولا (تفرق) و(تنصح) ولا (تلمز)! فإن المجتمع اليمني لا تنقصه الجراح.
وقد سبق وأشرنا أن التركيبة السكانية للمجتمع اليمني تتمتع بتنوع عرقي ومذهبي وسلالي وطبقي، ما يجعل الطرق عليه سببا في زيادة تفتت هذه الأجزاء وتطاحنها فيما بينها. خاصة في ظل دخول عامل الدِّين أو التعصب القبلي أو تحت ضغوط الفقر وقلة ذات اليد. وقد شهد تاريخ اليمن حروبا كثيرة منذ عهود سابقة، ولم تتوفر لهذا المجتمع حتى اليوم فرصة بناء ذاته وتنمية بيئته والنهوض بمسئولياته الحضارية كغيره من المجتمعات الإسلامية أو حتى الإنسانية.
وإذا كانت اليمن –كما تقرره البحوث والدراسات والتقارير- تمثل منطقة أطماع منذ القدم وحتى وقت قريب –ولا زالت؛ فإن إعطاء الفرصة للأجانب في التدخل في شئون البلاد والمجتمع على حين صراع وغفلة من أهله يمثل جريمة كبرى في حق هذا الشعب. فقد ذهب اليمنيون ضحية الأفكار الوافدة والأطماع السياسية الخارجية ولم يستفد اليمنيون في الاستقواء بالخارج أي شيء يذكر سوى تعزيز حالة الانقسام والتبعية المذلة والمهينة للآخرين.. شرقا أو غربا!
وهذا ما تنبه له عدد من رجال الثورة بعد عقود من نضالهم لنيل الحرية والعدالة والرخاء. مؤكدين في مذكراتهم أن اليمن وقع ضحية صراعات خارجية، كان اليمنيون فيها أداة لهذه الصراعات. فمن الذي استفاد من حروب اليمن الداخلية منذ قيام الثورة في الشمال والجنوب؟ هل تحقق لليمنيين: استقلال قرارهم؟ وإقامة الحكم الشوروي المستند إلى نظام دستوري يُحدد حقوق الشعب وواجبات الحاكم وصلاحيات السلطة؟ أم هل جنوا من هذه الحروب مزيد رخاء وتنمية؟
إن المؤشرات جميعا الاقتصادية والاجتماعية، الثقافية والتعليمية، الأمنية والسياسية، تدل على أنَّ أوضاعنا –وإن بدت في ظاهرها تتحسن- إلا أنها تعود إلى الوراء. وليس ينقصها أي إشعال لفتيل الاقتتال الداخلي تحت ذرائع لا يقوم لها برهان أو حجة.
إن الأطماع الخارجية على بلاد المسلمين تتزايد بفعل زيادة رصيد هذه البلدان من الثروة، وبفعل محاولات التدمير الراغبة في القضاء على الوجود الإسلامي فيها. والعراق أكبر دليل وشاهد. فقد استحال هذا البلد العربي المسلم اليوم إلى خراب ودمار وبيئة رعب وفناء، بعد أن كان جنة يضرب بها المثل!
فاحتلال العراق –وعقب الاعتراف المتأخر من القيادة الأمريكية- لم يكن خطأ استخبراتيا من دول عريقة في التجسس ومعرفة خفايا الأمور! بل كان جريمة متعمدة في سبيل الانقضاض على الأمة بلدا بلدا؛ وتحويل كل بلد إلى (كنتونات) صغيرة، تشكل بحسب الأقليات العرقية والدينية والمذهبية. حتى يتمكن المحتل قويا محفوظ الجناب يرتكب جرائمه اللا إنسانية خارج طائلة القضاء والقانون.
وإذا كانت المقاومة العراقية قد أفشلت المخطط الاستعماري أو أخرت من حركته المستعجلة، فإن الأطماع الغربية لا تزال نهمة في طلب المزيد. وغالبا ما يؤهل الاحتلال الأوضاع لاستقباله من خلال مد يد العون للأطراف المختلفة لكي تدخل في صراع تكون خاتمته التحاكم إلى الجلاد!
وهنا يمكن أن نشير إلى جملة مخاطر باتت تتهدد اليمن، منها:
-            الانفصال: حيث أن الأداء الحكومي السيئ دفع بالكثير من أبناء المحافظات الشرقية والجنوبية للمطالبة بإصلاح مسار الوحدة أو إلغائها. وهناك حراك جاد في الداخل والخارج بدعم من أطراف مختلفة محلية وأجنبية.
-            اشتعال حرب أهلية: نتيجة التغذية المذهبية التي يروج لها الحوثيون تجاه بعض التيارات الإسلامية لجرها إلى المعركة مرغمة. ما قد يدفع بعجلة العنف للدوران والسير قدما. وصراع كهذا سيجد من يغذيه إقليميا لتصفية حسابات سيخرج اليمنيون منها (صفر) اليدين.
-            قيام ثورة شعبية عارمة: في ظل ازدياد الظروف المعيشية الصعبة وعجز الدولة عن حل الأزمات الاقتصادية ومعالجة اختلال المعيشة والفوارق الطبقية الحادة.
-            التدخل الأجنبي: تحت ذرائع (كاذبة) بمباركة أطراف داخلية في حال وجود انهيار أو عمليات إرهاب منطلقة من اليمن.
وهذه جميعا احتمالات واردة ولها ما يؤكدها من الدلائل. وفي حال وقع أي منها فإن اليمن وباعتبارات مختلفة منها الموقع المنفتح على ساحل بحري يزيد عن 2.400 كم سوف تعيش دوامة غير متناهية من الصراعات التي قد تأتي على الأخضر واليابس.
إن العديد من التقارير الأممية والدولية والأبحاث تشير إلى أن اليمن تسير إلى هاوية سحيقة و(نفق مظلم)[1]، وأنها (دولة هشة)، وأنها (مهددة)! وترسم صورة سوداوية للمستقبل القادم. غير أن هذا ينبني أساسا على مدى تجاوب القيادة السياسية والنخب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمع عموما مع صيحات النذير هذه.
ومحاولة بعض المذاهب أو التيارات أو الفئات الاجتماعية رسم مخرج شامل للمجتمع وفق رؤاها الضيقة ستكرس من حالة الانقسام الموجود، ولن يكون أثرها إيجابيا مهما تكلفت هذه القوى العمل منفردة من أجل التغيير.
كما أن سعي البعض العمل لصالح مكاسب فئوية: مذهبية أو مناطقية أو عرقية.. وإهمال واقع حالة المجتمع ككل قد يعجل من الانهيار والتفكك. فأبناء الجنوب الذين يمثلون الأقل نسبة مقارنة بأبناء الشمال يحاولون إيجاد حل لأزمة (الجنوب)، وأتباع الحوثي الأقل نسبة مقارنة بالسُّنة يحاولون إيجاد حل لأزمة (اتباع المذهب الزيدي)، وهكذا..! ويعود الجميع إلى الولاءات الضيقة والعصبيات المقيتة.
أما توفر السلاح وتربص الحاقدين فأمر آخر.. فربما استحال اليمن إلى (لبنان) طائفي أو (صومال) قبلي أو (عراق) محتل! تحصد فيه الأرواح كما يحصد القمح!
وهنا يتذكر اليمنيون هدية الرئيس الليبي معمر القذافي لهم خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات. حيث قدم العقيد دعما ماديا ومعنويا وتحريضا علنيا، أثناء حرب المناطق الوسطى بين اليمنيين، بإرسال وزرع 12 مليون لغم أرضي، تسببت بقتل آلاف الضحايا وإلحاق عاهات مستديمة بعشرات الآلاف من الأشخاص.[2]
ومؤخرا كشفت صحيفة (سلاح الجو) الإسرائيلي -نقلا عن طيارين إسرائيليين- مساعدات عسكرية قدمتها إسرائيل للقوات الموالية لنظام الإمام البدر خلال معاركه ضد الثوار. ووفقا للصحيفة, فإن الطيران الإسرائيلي نفذ عددا من الطلعات الجوية فوق اليمن أسقط أثناءها السلاح والعتاد للقوات الموالية للإمام البدر في عملية أعطيت اسم "صلصة"!
إسرائيل لم تكن حريصة بالطبع أن يعود الحكم الإمامي إلى اليمن، ولم تهدف إلى إعادة الشرعية لوال مسلم اغتصب منه الحكم، إنما أرادت بذلك قطعا أن يظل الصراع بين أبناء اليمن هو سيد الموقف والصورة الطاغية على المشهد!
وسبق أن وجهت الولايات المتحدة الأمريكية عزمها على مهاجمة اليمن عقب أحداث 11 سبتمبر؛ فقد كشف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية "ريتشارد مايرز" أن "هناك دول تثير قلقنا لأنها تدعم الإرهابيين وتؤويهم، وهناك فرق بين وجود خلية في بلد ما وبين دعم ذلك البلد للإرهابيين". وأضاف أن الصومال من الدول المحتمل استهدافها مع "دول أخرى"! وجاء هذا التصريح بعد تصريح صدر عن وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" قال فيه: إنه من المعروف أن اليمن والسودان من الدول التيتؤوي خلايا نشطة للقاعدة، وأن الصومال استضاف زعماء للشبكة في الماضي.[3]
إذن الأولى باليمنيين أن يعالجوا أوضاعهم بالعقل والحكمة، ومن خلال لغة الحوار والحراك السلمي والمطالبة بالحقوق أو الإصلاحات عبر آليات آمنة وتضمن تحقيق أعلى المصالح بأقل المفاسد. عوضا أن يتوجهوا إلى لغة السلاح والقوة والعنف وفرض الرؤى الأحادية ومعالجة التطرف بتطرف مقابل.
إن حالة الغليان الشعبي اليوم تطال عددا من الشعوب الإسلامية، وما جرى في لبنان سابقا من حروب طائفية ومؤخرا في العراق لا يزال يغذي لدى المكون الرئيس في الأمة، وهم السُّنة، بالكراهية والبغض لمثل هذه التصرفات التي تعكس حقدا دفينا عليهم مخضبا بدماء التاريخ ومكحلا بنصوص (المعصومين)! وأي تكرار لمشهد كهذا قد يفتح الباب على مصراعيه في المنطقة لحرب طائفية شاملة.. لا قدر الله!
 
 
 
المواجهة المجريات النتائج المواقف الآثار
 
تمهيـــد:
مع بداية العام الميلادي 2002م بدأت الدولة تشعر أن تنظيم (الشباب المؤمن) بقيادة حسين بدر الدين الحوثي بدأ يشب عن الطوق ويثير المخاوف، نتيجة عدد من الملابسات، منها:
أن هذا التيار -الذي يلقى دعما رسميا من الدولة- أصبحت له علاقات قائمة مع القوى المعارضة للنظام، المتمثلة في اللقاء المشترك الذي يضم عددا من الأحزاب من أبرزها الحزب الاشتراكي اليمني. ففي حين يجد دعمه من النظام يتخذ مواقف مساندة لهذه القوى!
 كما أنه بدا ينحو خارج حدود اللعبة. فإذا كانت الدولة قد أرادت من هذا التيار مواجهة المد الإسلامي بجناحيه: الإخواني –السياسي، والسلفي –الدعوي، فإنه ما لبث يظهر كقوة مناهضة للدولة ورافعا شعارات "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل"! وهي شعارات تسبب لليمن إحراجا مع واشنطن باعتبار الحلف القائم بينهما للحرب ضد (الإرهاب)! وسبق وأشرنا أن تيار الحوثي قاد مظاهرة عارمة –بعد سقوط بغداد- في صنعاء باتجاه السفارة الأمريكية خرجت عن السيطرة وسقط فيها عددا من الضحايا!
إذن فقد أخذ الشِّعار الذي تبناه هذا التنظيم، والمستورد من إيران، بعداً غير كونه دعاء محضا![4] فقد تحول بالأداء الجماعي ومن خلال مراسيم تشابه تلك التي يتبعها الحرس الثوري والتنظيمات الموالية له إلى شعار تنظيمي! حتى ذكر محمد يحيى عزان أنه انتشر في بعض أوساط الزيدية اسم "جماعة الشِّعار"!
وهذا التوظيف للشِّعار يذكرنا بتعلق الشيعة الاثنى عشرية قديماً بمسألة (فدك)[5]! فقد ذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن هارون الرشيد كان يقول لموسى الكاظم: خذ فدكاً، وهو يمتنع، فلما ألح عليه؛ قال: ما آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: الحد الأول: عدن، فتغير وجه الرشيد قال: والحدث الثاني؟ قال: سمرقند؛ فأربد وجهه، قال: والحدث الثالث؟ قال: إفريقية؛ فاسود وجهه، قال: والحد الرابع؟ قال: سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية، فقال هارون: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي، فقال موسى: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها.[6]
والشعار على ما يبدو له من البعد عند الحوثي ما لفدك من الأبعاد عند الشيعة الاثنى عشرية، فهو ليس مجرد صيحة تدوي في مسجد أو مجلس أو منتدى؛ إن له من الأبعاد ما ظهر في مجريات الأحداث التي تلت ذلك.
ومما جعل الدولة تضيق ذرعاً بتصرفات الحوثي –أيضا- أعمال التسلح والإعداد التي بدأ الحديث عنها والسعي في تطبيقها! تحت مبرر (الشعار)! والتهيؤ لأي هجوم أمريكي على اليمن! وهو أمر لا يستقيم مع توجه الحزب الحاكم الداعم لهم، ولا مع حقيقة وجود أي استهداف أمريكي لهذا التيار، الذي لم تثبت له مشاركة في أي أعمال ضد أمريكا من قبل، لا داخل اليمن ولا خارجها!
كما أن الاحتفالات الدينية المألوفة، التي كان يقيمها الحوثيون بمناسبة (عيد الغدير)[7] في صعدة، بدأت تأخذ منحى تصعيديا باستخدام الأسلحة في عمل أشبه باستعراض للقوة غير خفي!
بعد هذا كله كان شعور النظام الحاكم بأن هناك جهات خارجية وراء هذا التحرك المنظم، فعدد المراكز التي فاقت الستين مركزا يدرس ويتدرب فيها أكثر من خمسة عشر ألف شاب تحتاج إلى ميزانية أكثر من الخمسمائة ألف ريال يمني التي كانت تقدمها الرئاسة لهؤلاء الشباب[8]، وأكثر من الأموال التي تجمع من أهالي صعدة وغالبيتهم يعاني من الفقر.
ففي صعدة وحدها بلغ عدد المراكز أربعة وعشرين مركزاً، إضافة إلى اثني عشر مركزاً في محافظة حجة، وستة مراكز في محافظة عمران، وخمسة مراكز في المحويت، وخمسة مراكز في مدينة صنعاء، وسبعة مراكز في ذمار، وأربعة مراكز في محافظة صنعاء، ومركز في إب، وآخر في تعز.[9]
إنه نوع وكمٌُّ من العمل لا يمكن بأية حال أن يكون قائماً على الجهود الذاتية في بلد فقير كاليمن.
وتظهر الأحداث أن الحوثي كان يدرك أنه قادم على عمل تصادمي، فكان يوجه أتباعه للتدريب القتالي، ويبني التحصينات الدفاعية، ويحفر الخنادق ويشيد التحصينات في الجبال الوعرة –التي تتميز بها صعدة- تحسبا للحظة المواجهة، ولم يكن لين الجانب الحكومي معه ليثنيه عما هو مقدم عليه.
وخلال الفترة من 1999م وحتى 2004م، والتي ظهر فيها نشاط الشباب المؤمن، "ظهرت أوسع عملية تغلغل في المرافق الحكومية وأجهزة الدولة المدنية منها والعسكرية، مع تركيز مواز على المرافق التعليمية في محافظات: صعدة، عمران، حجة، صنعاء، الجوف، وخصوصاً أثناء حركة الدمج بين المدارس الحكومية والمعاهد العلمية التي كان يشرف عليها التجمع اليمني للإصلاح"، من قبل هذا التيار.[10]
وكان موقفاً مزعجاً للغاية ذاك الذي واجه الرئيس علي عبدالله صالح عندما كان متوجهاً إلى الحج براً، في العام 1424هـ، حيث توقف لأداء صلاة الجمعة في مسجد الإمام الهادي في صعدة، وحسبما يذكر الرئيس فإنه كان على اطلاع على تطورات أوضاع الشباب المؤمن في صعدة، وأنه كان ينوي أن يلقي كلمة بعد الصلاة بحشد من هذا الشباب "تقرب البعيد وتفتح القلوب"، لكنه فوجئ بعد نهاية الصلاة مباشرة بترديد الشِّعار بشكل استفزازي: (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام). فألغى الفكرة وخرج من المسجد.
هذا الاستفزاز لم يكن هو المسألة الوحيدة، فقد ذكرت مصادر مطلعة بأن ذهاب الرئيس للحج برا في ذلك العام، وعبر طريق صعدة تحديدا، لم يكن الهدف منه سوى الاطلاع عن كثب على المواقع والتحصينات التي أخذ يبنيها الحوثي في الجبال، والاستعدادات التي نشط في تجهيزها، نتيجة تقارير استخبارية رفعت إليه. لذا ضم وفد الحج الرئاسي قيادات عسكرية وأمنية.
وسبق للحوثيين أن وصفوا سياسة النظام القائم بأنها سياسة (ذات وجهين)، عقب سقوط قتلى وجرحى منهم في مظاهرتهم أمام السفارة الأمريكية عام 2003م، وهو تعبير تحريضي لا يخفى. وهكذا بدا أن الحوثيين كانوا يتعمدون التصعيد لهدف أكبر من (إثبات الوجود). فظروف اليمن قد تكون من وجهة نظر أي معارض للحكومة في ذلك الوقت مناسبة للتصعيد، فالحزب الحاكم يمر بأسوأ حالاته مع أحزاب المعارضة نتيجة المواجهة الإعلامية التي وقعت بين الطرفين حول ظاهرة توريث مناصب القيادة في الدولة الجمهورية الديمقراطية، من الرئاسة وحتى المناصب المفصلية في الدولة. كما أن الحكومة كانت قد أعلنت عن جرعة رفع الأسعار ببلد يكاد الفقر فيه يعصف بالكثير من المعايير والقيم، فقد قيل: كاد الفقر أن يكون كفراً.
الحوثيون من جهتهم لم يكونوا قادمين على أمر يعدونه ارتجالياً، فهم كانوا يتهيئون لليوم الذي سيتواجهون فيه مع الدولة، تحت مبرر معاداة أمريكا وإسرائيل –وهي الذريعة التي يتخذ الشيعة منها غطاء لأنشطتهم المسلحة. فالحوثي استخدم الإثارة على اليهود والنصارى في سبيل تحفيزهم لأي قتال يوجه مستقبلا ضده. فهو يرى مثلا أنه "ليس من صالح أي دولة كانت أن تظهر للآخرين ما يخيفهم من جانبها عندما يتحدثون ويصرخون في وجه أمريكا وإسرائيل، عندما يرفعون صوتهم بلعنة اليهود الذين لعنهم الله على لسان أنبيائه وأوليائه".. متحدثا عن احتمال أن يكون هذا الزمان هو الزمان "الذي يتغربل فيه الناس، فيكونون –فقط- صفين فقط: مؤمنون صريحون.. منافقون صريحون"! وأن "الأحداث هي الكفيلة بأن تغربل الناس وأن تكشف الحقائق". ويطالب الحوثي بعد إقرار حقيقة أننا "تحت رحمة اليهود والنصارى" أن يكون "لنا موقف"!.. "من منطلق الشعور بالمسؤولية أمام الله -سبحانه وتعالى، نحن لو رضينا -أو أوصلنا الآخرون إلى أن نرضى- بأن نقبل هذه الوضعية التي نحن عليها كمسلمين، أن نرضى بالذل، أن نرضى بالقهر، أن نرض بالضِّعَة، أن نرضى بالعيش في هذا العالم على فتات الآخرين وبقايا موائد الآخرين"![11]
وفي محاضرة أخرى وبعد كلام طويل عما يلاقيه المسلمون من ذل من اليهود والأمريكان والمنافقين... يقول: "ألم يقل الله عن إرساله للرسل وإنزاله للكتب أن المهمة تتمثل في: (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[12]، واجتنبوا الطاغوت! فلتفهم أنَّ ما نحن عليه ليس هو الإسلام الصحيح. عندما ترى نفسك أنه لا ينطلق منك مواقف تثير أهل الباطل، وتثير المنافقين، [فـ]إنك لست على شيء، وإذا [يقصد وإن] كنت ترى أنك على الإسلام كله فأنت تكذب على نفسك وتكذب على دينك".[13]
ويتساءل في محاضرة أخرى عن سبب أن الإسلام –اليوم- لا يحرك الآخرين كما حرك محمد –صلى الله عليه وسلم، والإمام علي –رضي الله عنه، والإمام الحسن والحسين؟ واصفا "إسلام هذا العصر" بأنه "إسلام مسالم لأعداء الله"، وأنه "لا يريد منك أن تتحرك ضد أحد"، و"لا أن تثير ضدك أحداً"، و"لا أن تجرح مشاعر أحد حتى الأمريكيين"! ويضيف: "لا يريد أن تجرح مشاعرهم أن تقول: الموت لأمريكا! قد يجرح مشاعرهم ومشاعر أوليائهم، وهذا شيء قد يثيرهم علينا، أو قد يؤثر على علاقتنا أو صداقتنا معهم، أو قد يؤثر على مساعدة تأتي من قبلهم!!"[14]
وهكذا كان يربط الحوثي بين الدولة وبين إسرائيل وأمريكا، باعتباره "أولياء" لهم! رغم كونه يتحالف معها ضد خصومه العقائديين "الوهابية" من "إخوان" و"سلفيين"! إلا أنه في ظل التعايش السلمي بين أبناء اليمن لا يستطيع استحثاث أتباعه ضد الدولة بشكل مباشر، وعليه فإن الغطاء المناسب والمبرر المقبول هو إعلان (إسرائيل وأمريكا) كأعداء مفترضين، يجب قتالهم وقتال أولياءهم. وهو ما دفع إعلام الحوثيين منذ الحرب الأولى لوصف قتلاهم بالشهداء وأعمالهم بالجهاد![15]
لقد فهمت الدولة –فيما يبدو- الرسالة، وأن توجه وحجم الحوثي ليس بالذي يمكن السكوت عنه، فهذا الشحن الفكري المعتمد على خلفية عقدية مذهبية ونماذج تاريخية وإسقاط لنماذج معاصرة لا بد وأن يسفر عن شيء...!
بدأت الدولة باعتقالات في أوساط الحوثيين، وإغلاق المحال التجارية التي تتداول المواد الثقافية الشيعية، من: مكتبات، وتسجيلات. في حين كان الحوثي يحث السير باتجاه تحصينات عكسرية قوية في جبال مديرية "مرّان" مسقط رأسه، ومعقد الولاء المذهبي له، ويزود أتباعه بالسلاح والذخيرة، ويحيط نفسه بإجراءات أمنية صارمة، وبدا الأمر وكأنه استعداد لخوض مواجهة عسكرية مؤكدة وليست محتملة.[16]
وبدأت مقدمات الحرب مبكرة، قبيل الحملة العسكرية على "مَرّان" في 18/6/2004م بأشهر. حيث وقعت مواجهات وصدامات في صعدة، وكان لها علاقة بترديد الشِّعار والنزاع على المساجد، والحوادث الأمنية المصاحبة للطقوس الاثنى عشرية.[17]
ومع تكرار تلك الحوادث قررت قوى الأمن استدعاء حسين بدر الدين الحوثي، والذي رفض بدوره الامتثال لأمر السلطات المحلية بالحضور للجهة التي استدعته. ولم يكن لدى الدولة نية في الدخول في مواجهة مسلحة. فقد حاول الرئيس علي عبدالله صالح أن يعطي الحل السلمي المزيد من الفرص. فشكل عدة لجان للوساطة لإقناع الحوثي بتسليم نفسه ومحاكمته محاكمة عادلة. وكان من الطبيعي ألا يقبل الحوثي -الذي يرى نفسه أنه ينطلق من منطلقات عقدية مذهبية- بعرض الحكومة؛ مما أدى إلى فشل كل جهود الوساطة.
فلم يكن الحوثي الذي يرى بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الحاكم الظالم ليقبل أبداً بأي وساطة تؤدي إلى مثوله أمام سلطة قضائية هي لسان حال الظلمة كما يرى، فهو يقول: "إن الله هو الذي لعن الظالمين فهل يمكن أن يوجب علي طاعتهم؟!.. لا. فمن يأتي ليقول إن الحاكم الفلاني هو خليفة المسلمين يجب طاعته، لأنه أصبح ولي الأمر فتجب طاعته، فهو يحدثني بكلمة (تجب طاعة) ويضفي على المسألة امتدادا شرعياً، أي أن الله أوجب علي طاعة هذا!! أليس كذلك؟! أي أن من شريعة الله، من الدين، أن أطيع هذا..!! هذا لا يمكن أبداً أن يكون من دين الله، لا يمكن أبداً أن يكون مما يرضى به الله"[18].
ويقول في محاضرة أخرى: "لو يأتي علي عبدالله صالح فيقول: تحرك وأنا وراءك، ستتحرك! لو يأتي ويقول لك: انطلق وأنا وراءك ضد أمريكا وإسرائيل ألست ستنطلق بسرعة.. وتأخذون أسلحتكم وتتحركون. لكن إذا قال الله ذلك تقول: نحن خائفين من علي عبدالله، خائفين من فلان!!.. يعني هذا ماذا؟! يعني أن ثقتنا بالله ضعيفة أي أننا لم نعد نتعامل مع الله كما نتعامل مع علي عبدالله، في الواقع هو إله بالنسبة لنا نخافه ونرجوه أكثر مما نخاف ونرجو الله أليس هذا هو الواقع؟!".[19]
وكان الحوثي يعلم بالتأكيد نظرا لوجود موالين له في السلطة بانكشاف مخططه البعيد، وأن المسألة لا تتعلق بأحداث هنا أو هناك لم يكن عنها مسئولا مباشرا!
كما أن القيادة السياسية لم تكن تأمل في تفجر الوضع ووقوعها في إحراج ونقد الآخرين، وهي التي آوت هذا الفصيل المنشق عن حزب الحق وعن أتباع المذهب واحتضنته وقدمت له الدعم! لكنها لجأت إلى خيار المواجهة أمام الواقع الذي ظهر لها وكان له ما بعده!
 


[1]  كما عبر عن ذلك الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في إحدى حواراته!
[2]  انظر: موقع (العربية نت)، في 8/5/2007م.
[3]  موقع (الجزيرة نت)، في 20/12/2001م.
[4]  يدعوا الخطباء وأئمة المساجد في اليمن عادة على أمريكا وإسرائيل، وبالعزة والنصر للإسلام، ولم يثر هذا الدعاء أي ردة فعل عند النظام كونه نابع بشكل عفوي.
[5]  فدك: هي أرض غنمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- من يهود خيبر بغير قتال، فاعتبرت فيئاً كان ينفق من ريعها على أهل بيته، ولما توفي عليه الصلاة والسلام بقيت أرضا تحت إشراف الدولة الإسلامية، ينفق من ريعها على آل بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم، لكن بعض كتب التاريخ تذكر أن فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- طالبت بهذه الأرض كميراث لها، فقال لها أبو بكر: سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة".
[6]  أعيان الشيعة، محسن الأمين، دار التعالف للمطبوعات (2/1).
[7]  عيد الغدير: نسبة إلى مكان بين مكة والمدينة يسمى غدير خم، توقف عنده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو قافل من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة (10هـ)، وألقى كلمة في الناس. وكان قد وصله -صلى الله عليه وسلم- أن بعض جنود الجيش العائد من اليمن، بقيادة علي بن أبي طالب، تذمروا سياسته معهم، فشكوا ذلك إلى الرسول الكريم فأخذ بيد علي وقال: "هذا علي مولاي، من كنت مولاه فعلي مولاه"، فاعتبر الشيعة هذا الحديث نصاً على إمامة علي -رضي الله عنه-، ولهذا فهم يحتفلون فيه.
[8]  في مقابلة للرئيس اليمني (في 3/7/2004م) أشار إلى أنه قدم دعما مالياً للشباب المؤمن بحجة حمايتهم من الارتباط بدعم خارجي بناء على "طلب من بعض الإخوان"، دون أن يذكر أسماءهم.
[9]  الزهر والحجر، عادل الأحمدي، ص137.
[10]  المصدر السابق، نفس الصفحة.
[11]  من محاضرة: بعنوان (الصرخة في وجه المستكبرين)، ألقيت بتاريخ 17/1/2002م.
[12]  النحل: 36.
[13]  من محاضرة بعنوان (لا عذر للجميع أمام الله)، ألقيت بصعدة بتاريخ 21/12/1422هـ، ص9 من النص المفرغ من الأشرطة؛ بتصرف.
[14]  من محاضرة: (لا عذر للجميع أمام الله)، ص9.
[15]  انظر: موقع (المنبر) المعبر عن حركة الحوثيين، حيث يوصف المقاتلون بالمجاهدين والقتلى بالشهداء!
[16]  انظر: ثمار التغلغل الرافضي المرة، مرجع سابق، ص401.
[17]  الزهر والحجر، عادل الأحمدي، ص(141)، نقلا عن موقع "الصحوة نت".
[18]  من محاضرة: بعنوان (معنى التسبيح)، والتي ألقيت بتاريخ 9/2/2002م، ص(6)، من النسخة المفرغة عن الأشرطة.
[19]  من محاضرة: بعنوان (معرفة الله)، الدرس الأول، ص(27).

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©