قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


حروب صعدة ونتائجها (1) 

 2010-03-05

 

 حروب صعدة ونتائجها ( 1 )
 
الفصل الأول: الحرب وجهود المصالحة والنتائج:
 
المبحث الأول:
الحرب الأولى.. المجريات والنتائج:
بينما كانت الدولة تعطي الأولوية لجانب المفاوضات مع الحوثي، ألقت قوات الأمن -حسب شهود عيان- القبض على سيارتين إحداهما محملة بالأسلحة والذخائر والأخرى حماية لها! الحادث وقع في مديرية "حيدان" مكان نفوذ الحوثي، وعندما وصل الخبر إلى الحوثي أعلن في الناس يحذر من هجوم أمريكي وشيك! عندها أصدرت السلطات أمرا قهريا بإلقاء القبض عليه، وأرسلت قوة مكونة من حوالي 20 جنديا بأسلحتهم لهذه الغاية، فقاوم أتباع الحوثي القوة الحكومية وقتلوا منها ثلاثة أفراد، في 18 يونيو 2004م.
على إثر ذلك، وفي التاسع عشر من ذات الشهر، أرسلت الدولة الطائرات الحربية لقصف بعض مواقع الحوثي، لكن إحدى هذا الطائرات قصفت سوقاً مدنياً وقع فيه العديد من القتلى والمدنيين في مديرية "حيدان"، واعتذرت السلطة وتأسف الرئيس في حينه لما حدث، مصدرا الأمر بمواساة ذوي القتلى وتعويضهم. فكانت بداية المواجهات غير موفقة بالنسبة للحكومة.
بعد بدء القتال، أعلن مسئول في وزارة الداخلية اليمنية الأعمال التي دفعت الدولة إلى قتال الحوثي وأتباعه، وعدَّد منها:
1- الاعتداء على أفراد القوات المسلحة والمؤسسات العسكرية.
2- التحريض على عدم دفع الزكاة للدولة.
3- إثارة الشغب في المساجد.
4- إنزال علم الجمهورية اليمنية ورفع أعلام لجهات خارجية.
5- الترويج لأفكار مضللة ومتطرفة.[1]
غير أن إعلام المؤتمر تعامل مع مسألة الحوثي بنوع من التضليل والكذب، فقد تحدثت صحف المؤتمر عن ادعاء حسين الحوثي للنبوة ابتداء، ثمَّ عادت للحديث عن ادعائه المهدية، ثمَّ تراجعت إلى اتهامه بإعلانه نفسه إماما! وهكذا شنَّ إعلام المؤتمر مدعوما بصحافة الدولة حملة إعلامية ضد حسين الحوثي وأتباعه فيها نوع من الغموض والبعد عن حقيقة الخلاف وأسباب المواجهة الفعلية.
وعندما ظهرت جدية الدولة في حسم الأمر برزت بعض الوجاهات محاولة التوسط لإنهاء الأزمة قبل امتدادها، لكن جهودهم فشلت في التوصل إلى حل.
في هذه الأثناء أعلن حسين الحوثي أن الاتهامات الموجهة إليه من الدولة غير صحيحة، وأن هذه الحملة تقف وراءها أمريكا، وأن السفير الأمريكي بصنعاء يقوم بعملية جمع وشراء للأسلحة من المواطنين، معتبرا أن هذا الأمر تجريداً لليمنيين من أسلحتهم تمهيداً لاحتلالهم.[2]
عادت بعض الزعامات القبلية، ومعها بعض الشخصيات الاجتماعية، تحاول بدء وساطة جديدة لإيقاف القتال، وجرت محاورات بينها وبين الأطراف لكن دون أن تظهر نتائج إيجابية على الأرض. وقد علق عبدالكريم جدبان -عضو لجنة الوساطة وأحد المقربين من الحوثي- بأن هناك أطرافاً عسكرية تتعمد تأجيج الصراع وتصعيد الموقف. بينما اتهمت الدولة الحوثي برفض الاستجابة للجنة الوساطة. أما السفارة الأمريكية فقد ردت على كلام الحوثي بنفي وجود أي دور لها في أحداث صعدة.
وسعت الحكومة اليمنية المعركة لتشمل جوانب غير عسكرية، فأصدر مجلس الوزراء في 30/6/2004م قراراً تنفيذياً عاجلاً بإغلاق جميع مدارس التعليم الديني خارج نطاق التعليم الديني العام، ومراجعة مناهج التعليم الدينية بصورة كاملة. وشنت سلطات الأمن سلسلة من الاعتقالات طالت أعداداً كبيرة من المشتبه بانتمائهم إلى حركة الحوثي. وامتدت هذه الاعتقالات لتشمل أكثر من مكان في صعدة، وعمران، وحجة، وصنعاء المحافظة، وأمانة العاصمة، وذمار، وحراز. وقد بررت السلطات هذه الإجراءات بأنها احترازية، منعاً لوصول المزيد من المقاتلين إلى صفوف الحوثي، وتجنباً لأي إثارات مسلحة قد تندلع هنا أو هناك تأييداً للحوثي. وشملت الحملة عدداً من الرموز المؤيدة للحوثي كـ: محمد مفتاح، ويحيى الديلمي، والقاضي محمد علي لقمان[3]، الذين اتهموا بالتخابر مع دولة أجنبية لإسقاط النظام ودعم تمرد الحوثي.
الدولة لم تكن -بادي الرأي- موفقة في سير معاركها العسكرية على الأرض بحيث بدت وكأنها لم تكن قد قدرت حجم قوة الحوثي الحقيقية، وكانت تظهر نوعاً من اللين في الإطار السياسي ولا ترد أي وساطة. فتبنى العلامة الزيدي/ محمد محمد المنصور مبادرة في 21 يوليو لإقناع الحوثي بتسليم نفسه لرئيس أركان القوات المسلحة في صعدة اللواء محمد علي القاسمي.[4] لكن وبعد ثلاثة أيام أُعلن عن فشل هذه الوساطة. بعد ذلك بأيام قليلة وفي 26 يوليو أصدر رئيس الجمهورية توجيهات إلى قيادة وزارة الدفاع بإيقاف العمليات في منطقة "مَرّان" بمديرية "حيدان" -محافظة صعدة- لإتاحة الفرصة الأخيرة للحوثي بتسليم نفسه. وجاء في حيثيات رسالة الرئيس أنَّ إيقاف المواجهات جاء استجابة لطلب من أحزاب اللقاء المشترك وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية بتوسيع لجنة الوساطة المكلفة من الرئيس –وللمرة الخامسة.[5]
كانت اللجنة المقترحة مكونة من عشر شخصيات، ثمَّ جرى توسيعها بتوجيهات من رئيس الدولة لتصبح أربعين شخصية برئاسة عبدالوهاب الآنسي -الأمين العام المساعد لحزب التجمع اليمني للإصلاح[6]، وعضوية أعضاء بارزين في المجتمع منهم:
حمود عباس المؤيد -مرجعية علمية في المذهب الزَّيْدِي.
أحمد محمد الشامي -رئيس حزب الحق (الزَّيْدِي)- في حينه، وهو عالم من علماء الزيدية، ووزير أوقاف سابق.
محمد قحطان -قيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح.
محمد حسين العيدروس -الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي العام (الحاكم).
عبد الملك المخلافي –أمين عام التنظيم الوحدوي الناصري.
محمد عبد الملك المتوكل -الأمين العام لحزب اتحاد القوى الشعبية (الزَّيْدِي).
محمد أحمد غالب -عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، عضو سكرتارية الحزب.
ومن مشايخ القبائل: محمد ناصر الغادر، ومحمد ناجي الشايف، وغالب ناصر الأجدع.
بالإضافة إلى: حسين الهدار -عضو جمعية علماء اليمن، والقاضي حمود الهتار، وكل من وزير العدل ووزير الأوقاف والإرشاد –في حينه.
وكان في اللجنة من طرف الحوثي كل من: شقيقه يحيى بدر الدين الحوثي -عضو مجلس النواب، والشيخ محمد عبدالله بدر الدين، والشيخ صالح الوجمان.
ولم تفلح هذه اللجنة -رغم سعتها عددياً، وتمثيلها لتيارات سياسية وقبلية مختلفة في المجتمع- بإقناع الحوثي بتسليم نفسه، كما لم تفلح بجعله يتنازل عن مطالبه التي بدأ بإثارتها، ومن أهمها: سحب القوات العسكرية (قوات الدولة) من مناطق النزاع، وتعويض المتضررين من هذه الحرب، وإعادة بناء ما دُمِّر، والاستمرار بتدريس المذهب الزَّيْدِي وفق المنهجية السابقة، والتمسك برفع شعار: (الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود.. النصر للإسلام).
وكان هناك شروط غير معلنة لكنها تستقرأ ضمنا، وهي اعتبار صعدة مغلقة على المذهب الزَّيْدِي، وإبعاد التيار السلفي منها؛ وقد ظهرت لاحقا –كما سيأتي- بشكل أوضح!
كان واضحاً أن الدولة لن تقبل بهذه الشروط، وبالتالي عادت المعارك وبشكل أعنف مما سبق. ولأن الدولة بدأت تدرك حجم قوة خصمها أعدت للأمر عدته، وتمكنت من السيطرة على منطقة "خميس مَرّان" أهم معاقل الحوثيين. ثمَّ تتالت سيطرة الدولة على القمم الجبلية التي كانت بأيدي الحوثيين إلى أن تمكنت في 24 أغسطس من اقتحام قرية الحوثي ومقر قيادته؛ وهنا بدأ الضعف يظهر في جبهة الحوثي؛ فنقلت الصحف أن أحد أهم القياديين معه وكان يقاتل على جبهة أخرى في صعدة وهو المدعو عبدالله عيضة الرزامي بدأ يوسط بعض مشايخ القبائل لإيجاد مخرج سلمي لتسليم نفسه مقابل إيقاف القتال[7]. ولم يمض أكثر من عشرة أيام على محاولة الرزامي حتى وصل الجيش إلى معقل الحوثي الذي خر صريعاً في المواجهات في 9 سبتمبر 2004م، وأعلن عن مقتله رسمياً في 10/9/2004م، لتنتهي بذلك الجولة الأولى من المواجهات الدامية بين الدولة والحوثيين في صعدة.
لقد ادعى الحوثيون في المواجهات الأولى أن حملهم للسلاح كان بدافع الدفاع عن أنفسهم تجاه السلطات في محافظة صعدة، التي بدأت باستهدافهم وشن حملة اعتقالات ضدهم، فكانت الدولة برأيهم هي البادئة بالمواجهات.
بعد مقتل حسين الحوثي زعيم التمرد، بعدة أيام استدعى الرئيس علي عبدالله صالح بعض أعضاء لجنة الوساطة التي تتفاوض مع عبدالله عيضة الرزامي الرجل الثاني في التمرد.. وتباحث معهم حول الحلول البديلة لإنهاء الأزمة دون إراقة المزيد من الدماء. بينما عملت القوات الحكومية على تعزيز وجودها على الأرض في منطقة الرزامات التابعة لقيادة الرزامي، ومنطقة جبل العصايد الذي يتمركز فيه محمد الأعصر -أحد القادة العسكريين التابعين للحوثي في مديرية همدان[8]. وبعد لقائهم بالرئيس حقق أعضاء لجنة المفاوضات بعض التقدم، حيث تمكنوا من إقناع الرزامي بتسليم نفسه لشيوخ القبائل[9]، وذلك بعد ضغوط معنوية مارسوها عليه[10].
هذا الأمر كان بداية صلح، قالت عنه صحيفة (الشورى) على موقعها على الإنترنت، إنه كان بطلب وجهه بدر الدين الحوثي للقبائل المعنية، وألزمهم به حفظاً للدماء[11]. واستجاب بدر الدين الحوثي لدعوة الرئيس بزيارته في صنعاء، لكن اللقاء لم يتم. فبعد مكوثه أكثر من شهرين بصنعاء -حسب كلام ولده يحيى، لبرنامج (نقطة نظام) على قناة (العربية)- قرر أن يعود إلى صعدة مغاضبا –حسب رأي بعض المراقبين. حيث أن إهمال القيادة السياسية لوجوده في صنعاء مدة شهرين دون تحقيق مطالبه كان بمثابة الرسالة التي فهمها بدر الدين الحوثي.
يحيى الحوثي برر مغادرة والده لصنعاء وعودته لصعدة بأنه نتيجة كبر والده، وعدم إلفه لجو صنعاء وانفتاحها! وحسب صحيفة (الوسط) فإن الدافع كان حضوره زواج إحدى حفيداته! وأيا يكن الأمر فإن عودة الحوثي (الأب) كانت مدبرة حيث عاد الرزامي في الفترة ذاتها إلى صعدة. الدولة من جهتها اعتبرت سلوك الأب خرماً للهدنة الموقعة بين الطرفين وذريعة للتنصل من الالتزامات التي تعهدت بها الدولة للطرف الآخر، وكان هذا إيذاناً ببدء جولة قتالية ثانية.[12]
استغلت الدولة فترة توقف القتال بين الجولة الأولى والثانية والتي دامت حوالي خمسة أشهر بتحقيق تقدم في كبح جماح الاتجاه الحوثي. فعززت وجودها في المناطق المحيطة بأسواق السلاح التي أغلقت في هذه الفترة. كما اجتمعت القيادات الحكومية بمشايخ القبائل محذرة من استغلال (عيد الغدير) الذي كانت تصاحبه عادة إطلاق النار بشكل كثيف. وعززت من وجود الجيش في كل من: صعدة وحجة وعمران لمنع هذه الاحتفالات.[13]
كما التفتت الدولة -أيضاً- إلى تشكيلتها الداخلية، حيث تبين أن بعض المسئولين في الحكومة كانوا على صلة بتمرد الحوثي. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة (الشموع)[14] أن قوات الأمن قامت باستجواب عدد من المسئولين من ضمنهم وزيرين، إثر معلومات وصلتها عن المتورطين في دعم تمرد الحوثي.
كما راجعت الدولة وضعها الحزبي السياسي، فأحدثت تغييرات واسعة في قيادات حزب المؤتمر، سواء في الأمانة العامة أو اللجنة الدائمة. حيث تسربت معلومات عن احتمال تورط بعض قيادات الحزب الحاكم –أيضا- في دعم الحوثي.[15]
وفي مراجعة للوضع الأمني عموماً قامت قوات الأمن بترحيل أعداد غير قليلة من العراقيين بعد ثبوت تورطهم في فعاليات مشبوهة مع تنظيم (الشباب المؤمن)[16]، ومحاكمة أكثر من عشرين موظفاً في كوادر التربية والتعليم، حيث سهلوا الأمر للحوثيين بطبع منشوراتهم وكتيباتهم وكتبهم في مطابع الكتاب المدرسي الحكومية العائدة لوزارة التربية والتعليم.
هكذا نجد أن الجولة الأولى من المواجهات أبرزت ما يلي:
صلابة وتماسك التيار المتمرد، وقيامه على مبدأ عقدي وفكري وولاء مذهبي، حيث صمد ضد حملة الحكومة الأمنية والعسكرية وبذل تضحيات كبيرة لنصرة حسين الحوثي وفكره.
وصول الدولة إلى قناعة بضرورة الحسم العسكري مع تيار الحوثي، لأسباب ودوافع لا يزال أغلبها خفي.
كشفت الأحداث أبعاد حركة الحوثي ومدى تغلغلها في السلطة والحزب الحاكم.
وبقي أن نشير أن الدولة ظلت متكتمة حول سريان المعارك ومانعة وسائل الإعلام للوصول إلى ساحات المواجهة. فكانت هي مصدر المعلومة، في حين انكشف الحوثيون إعلاميا نتيجة غيابهم عن الساحة الإعلامية، مع قيام بعض أحزاب اللقاء المشترك بدور غطائي لهم تمثل في صحف حزب الحق واتحاد القوى الشعبية والحزب الاشتراكي اليمني.
المبحث الثاني: الحرب الثانية.. المجريات والنتائج:
اعتبرت الدولة مغادرة بدر الدين الحوثي صنعاء مؤشر تصعيد ينذر بشر فاتخذت الإجراءات الاحتياطية لذلك، وتحسبت للأسوأ. وبينما كانت تراقب وبشدة أسواق السلاح، قدم سبعة من أتباع الحوثي لعقد صفقة أسلحة بسوق مديرية الطلح. لكن الصفقة فشلت لأسباب غير معلومة، وانكشف أمر هذه المجموعة لقوات الجيش التي حاولت بدورها إيقافهم ما أدى إلى صدام مسلح اعتبر الشرارة الأولى للجولة الثانية.
أنباء الاشتباكات في سوق الطلح أكدها الشيخ عبدالكريم منَّاع -أحد وجهاء منطقة الطلح- لموقع (الصحوة نت).[17] وذكرتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، مؤكدة أن اشتباكاً جرى في سوق الطلح أسفر عن مصرع أربعة وجرح ثلاثة من تنظيم (الشباب المؤمن).
ثمَّ ما لبث القتال أن امتد ليشمل أغلب محافظة صعدة، التي تساوي مساحتها مساحة لبنان تقريباً.
حاول الحوثيون في هذه الجولة من القتال نقل المعركة إلى خارج محافظة صعدة. فقامت مجموعات صغيرة بشن هجمات بالقنابل اليدوية على تجمعات عسكرية ومنازل بعض المسئولين، لكنها كانت في الجملة هجمات فاشلة. كما حاول المتمردون نقل المعركة إلى مدينة الجوف المحاذية لصعدة من جهة الشرق والجنوب الشرقي، لكن المحاولة لم تنجح لتحسب الدولة لهذه المسألة، بتشكيلها سورا أمنيا متكاملا بين محافظتي صعدة والجوف.[18]
استخدمت الدولة في هذه الجولة من القتال الطائرات والأسلحة الثقيلة بشكل مكثف، ما أدى إلى نزوح كبير للمواطنين من مناطق (نشور) و(الرزامات) التي تتمركز فيها المواجهات باتجاه مدينة صعدة.
وردّ الحوثيون بعنف مماثل أدى إلى مقتل أعداد من ضباط القوات المسلحة منهم القائد أحمد المقدشي -قائد اللواء الخامس عشر. وبرز الحوثي (الأب) في هذه الجولة كزعيم للتمرد، وهو ما رأى فيه المراقبون تحدياً للسلطات اليمنية في ساحة المعركة، ليس لما يمثله من قوة هي أقل بكثير مما كانت عليه حال نجله حسين، وإنما لما يمثله من مرجعية مذهبية للطائفة الزيدية... وهو ما يفسر لجوء السلطات في صنعاء إلى لغة الحوار بالتوازي مع حسم المعركة ميدانياً.[19]
لكن الخيار الأخير كان هو الأقرب، حيث حسمت هذه الجولة من القتال في 12 أبريل 2005م، مخلفة أكثر من أربعمائة وسبعين قتيلاً وألفين وخمسائة وثمانية وثمانين جريحاً كخسائر بشرية، في حين تجاوزت الخسائر المادية حسب تقرير نشره جهاز الأمن السياسي 600 مليون دولار أمريكي.[20]
وجاء في إعلان اللجنة الأمنية اليمنية العليا انتهاء العمليات العسكرية، الموجهة لقمع التمرد المسلح الذي اندلع في 28 مارس 2005م بقيادة المتمرد بدر الدين الحوثي، وعلى لسان مصدر فيها أنه منذ يوم الأربعاء الموافق 6/4/2005م تمت السيطرة وبصورة كاملة على كافة أوكار المتمردين التخريبية. وأنه تم أجبار الكثيرين منهم على تسليم أنفسهم وأسلحتهم للسلطة.. وأنَّ العمل جار على تعقب بدر الدين الحوثي بعد نجاحه في الفرار، متهما إياه بإشعال الفتنة في المنطقة منذ مغادرته صنعاء بصورة مفاجئة في تاريخ 11/3/2005م، حيث قام بتجميع العناصر التخريبية التابعة له، ودفعهم للاعتداء الغادر والجبان على أفراد القوات المسلحة والأمن في كل من شرطة مديرية سحار والنقطة المؤدية للبقع والنقطة المؤدية لصعدة -ضحيان -باقم.. ونقطة العمشية، كما أنهم قاموا بإقلاق الأمن وترويع المواطنين الآمنين في مدينة صعده وطريق كتاف -صعدة وصنعاء –صعدة. وقد أعادت العمليات العسكرية والأمنية الأمن والهدوء والاستقرار في مناطق نشور والرزامات وآل شافعة.[21]
أما خيار الدبلوماسية فأعلنت الدولة فشله في السابع من أبريل، حيث نقلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) عن مصدر مسئول في السلطة المحلية بمحافظة صعدة نبأ فشل لجنة الوساطة التي شكلها رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح، والمكونة من: القاضي أحمد محمد الشامي، والشيخ محمد بن جاشع، وعدد من العلماء للتفاوض مع بدر الدين الحوثي، وقال المصدر: إن لجنة الوساطة المشكلة بتوجيه رئيس الجمهورية "فشلت في جهودها ومساعيها المبذولة لإقناع المدعو/ بدر الدين الحوثي، والعناصر المتمردة التابعة له في تسليم أنفسهم، والكف عن الأعمال التخريبية والاعتداءات التي يقومون بها ضد المراكز الحكومية والمصالح العامة ومراكز الشرطة والنقاط الأمنية والعسكرية وأفراد القوات المسلحة والأمن، بالإضافة إلى إقلاق الأمن في الطرقات وترويع المواطنين الآمنين".. وأضاف أن الفشل كان نتيجة "تعنت المدعو/ بدر الدين الحوثي والعناصر المتمردة التابعة له، ورفضهم الاستجابة لأي جهود تبذل من أجل حقن الدماء وإنهاء الفتنة التي أشعلتها في المنطقة، واستمروا في غيهم وتعنتهم وتعصبهم وخروجهم على النظام والقانون على الرغم مما عرضته لجنة الوساطة عليهم في منحهم الوجه والأمان، وبحيث يكفون عن إقلاقهم للأمن والاستقرار، ويكونون مواطنين صالحين، ويحترمون الدستور والنظام والقانون"[22].
وقبيل نهاية الجولة الثانية وجدت أحزاب المعارضة نفسها وكأنها خارج التغطية السياسية، حيث كانت الدولة تتصرف منفردة دون أي اعتبار للأحزاب السياسية المعارضة. حدا بها هذا الإقصاء والتجاهل من الدولة للاستياء وإصدار بيان حول هذه المواجهات، عقب الاجتماع الدوري لهذه الأحزاب، في 7/4/2005م. وجاء في البيان: تعبير هذه الأحزاب عن أسفها لما يجري، مضيفة أن هذه الأحداث تؤكد "بجلاء عقم وعدم سلامة الأساليب التي تنتهجها الحكومة في معالجة القضية".. ومؤكدة "رفضها وإدانتها لاستخدام القوة والعنف خارج إطار الدستور والقانون".
وكذا أدانت الأحزاب المعارضة في بيانها "كل أشكال التطرف السلالي، والمذهبي، والمناطقي، والأسري"، داعية الجميع إلى "ضرورة التمسك والالتزام بالدستور والقانون، والكف عن الممارسات والادعاءات الخارجة عنهما، والتي لن يثمر التمادي فيها سوى مزيداً من إحداث الشروخ في سفينة المجتمع اليمني والإضرار بوحدته الوطنية وفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الأجنبية".. وداعية –كذلك- مجلس النواب للقيام بدوره الدستوري نظرا "للتعتيم الذي تنتهجه الحكومة في معالجة القضايا الأمنية مهما عظم حجمها".
وطالبت الأحزاب "بالمسارعة إلى تشكيل لجنة قادرة على مباشرة التحقيق النزيه فيما يجري، وبحياد تام، واستقلالية أكيدة، وتشارك فيها القوى السياسية ورجال القانون، ويتم من خلالها إطلاع الشعب على الحقائق أولاً بأول، بكل صدق، وموضوعية وصولاً إلى معالجات سليمة تحول دون تكرار هذه الأعمال، وتفادي آثارها وتداعياتها المدمرة".[23]
هذه اللغة التي فيها إدانة واضحة للدولة وموقف مبهم من حركة الحوثي، التي شملها البيان وجدت ترحيبا من الدولة، وقال مصدر حكومي لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ): إننا نرحب بتشكيل لجنة من مجلس النواب والشورى والأحزاب والتنظيمات السياسية، وذلك للنزول الميداني إلى منطقة التمرد والوقوف عن كثب على الأحداث الجارية والتحقيق فيها[24].
في هذه الأثناء وبعد الهزيمة العسكرية التي تلقتها جماعة الحوثي في الجولة الثانية من القتال أرسل بدر الدين الحوثي وعبدالله عيضة الرزامي رسالة إلى الرئيس علي عبدالله صالح، تشير بأنهم على استعداد لمقابلة الرئيس أو إرسال من يمثلهم شريطة رفع الظلم عنهم؛ وأنه في حالة استمرار الظلم الواقع عليهم من قتل وتدمير وسجن وتشريد ومصادرة للمتلكات وغير ذلك من المظالم فإن المشكلة لن تحل، وإنما ستزداد تعقيداً وستكبر الهوة.[25]
من جهته ذكر يحيى الحوثي لقناة (العربية) أن هذا القتال ليس بسبب الشِّعار. وأن الدولة تقاتل هذه الأسرة منذ زمن، ونص كلامه هو: "لدي وثائق بأن السلطة تحاربنا منذ عام 1992م، هذه الوثائق فيها محاولة اغتيال الوالد مرتين، فيها تفجير لمنازلنا، فيها إحراق لمحلات أصحابنا التجارية، هذا منذ عام 1992م، الصحف تحدثت عن ذلك، وعلم الناس بذلك، نحن لا نعادي أحداً، نحن مواطنون أولاً وأخيراً، ولسنا مؤهلين لأن نحارب أمريكا ولا أن نحارب إسرائيل ولا أن نحارب أحداً.. نحن مواطنون ضمن الدولة".[26]
لكن الذي كان يجري على الأرض مغاير لهذا فقد ذكر الشيخ حسين قيراط -رئيس لجنة الوساطة لإنهاء القتال- أن الدولة طالبت بعدم ترديد الشعار نهائياً، وفي كل الأمكنة، بينما يصر الحوثيون على التمسك بترديده في المساجد الواقعة في مناطقهم. بعد ذلك أخذ العمل في لجنة الواسطة منحى سرياً لم تنشر الصحف منه سوى أن الشيخ محسن بن جاشع يحاول لقاء الحوثي الأب والرزامي للتفاوض معهما ومعرفة مطالبهما. أثناء ذلك صرح عبدالملك بن بدر الدين الحوثي (القائد الجديد)، في حوار أجراه معه موقع (نيوز يمن) الإخباري، بأنه مستعدٌ لإلقاء السلاح شريطة أن تضع الدولة سلاحها، وترفع الحملة العسكرية والملاحقات وتكف الأذى.[27]
بعد ذلك بعدة أيام أصدر الرئيس عفواً عاماً وأمر بإيقاف العمليات؛ وتلقى على إثر ذلك الشكر بلسان إبراهيم الوزير من خلال مقال في صحيفة (البلاغ)، متهما "جمعية علماء اليمن" بأنها لم تقف بشكل إيجابي من قرار العفو كون أن فيها من لا يريد لهذه القضية الانتهاء، ومن يريد إعادة الهجوم على الحوثي –الأب- والرزامي، وتصفيته –الحوثي- جسديا! مقترحا على رئيس الجمهورية –في حينه- أن يختار للحوثي بلدا عربية لينتقل إليها، مع إجراء راتب نافع عليه، وإرسال أهله معه! [28]
لم تكن الجولة الثانية من المواجهات نهاية المطاف، حيث ظل المتمردون يحملون في أنفسهم على الدولة، وباتت القضية أوسع من كونها مواطنين خارجين عن القانون. فقد بدأ الاعتراف من قبل رموز الحركة والناطقين بلسانها بأنه لا علاقة بلحركة بالشعار المعلن. حيث وصف يحيى الحوثي في حوار مع صحيفة "الشرق الأوسط"، في 17/4/2005م، تنظيم "الشباب المؤمن" بأنها حركة ثقافية لمواجهة ما وصفه بـالمد "السلفي" الذي "هاجمنا في بيوتنا باليمن وكان مصدره جماعات التكفير" –على حد تعبيره![29]
وأكد يحيى الحوثي في حوار مع قناة (العربية)، من محل إقامته بالسويد، في 26/4/2005م، أن أمريكا ليست عدوا لهم، وأنهم لا يعادونها، حيث قال: إن مأزق السلطة اليمنية المتمثل بضرورة تسليم إرهابيين يمنيين إلى الولايات المتحدة دفعها إلى اختلاق عدو وهمي لأمريكا لذر الرماد في العيون. وبخصوص الأحداث التي شهدتها مناطق جبال مران وهمدان وصعدة منذ يونيو2004، قال: إن الحكومة اليمنية شجعت بادئ الأمر شقيقه حسين على توجيه انتقادات ضد واشنطن، وعملت على إيجاد مناخ محرض في هذا الاتجاه، للفت نظر الولايات المتحدة إلى "عدو مفترض" في اليمن. وشدد على أن الزيديين في اليمن "لا يعادون أحدا" وأنهم "عاشوا طوال تاريخهم في اليمن وبين ظهرانيهم مسيحيون ويهود من دون أن يلحقوا أذى بهم".. واتهم الحكومة اليمنية بتنفيذ حملة تستهدف "الزيديين على وجه الخصوص"، بل وطالب الرئيس اليمني أن يضع حدا لما وصفه بـ"تقتيل واعتقال الزيديين". وهو ما كرره في حوار له مع الشرق الأوسط! وذهب في حديثة للصحيفة بأن الهدف من العمليات الأخيرة "كان قتل والده أو اختطافه للقضاء على معنويات الزيديين"! وأضاف قائلا: "إن منع الحكومة علماءنا من تدريس المذهب الزيدي في المدارس أدى إلى تفاقم المشكلة"!![30]
وهكذا بدأ الحديث عن حرب تشنها الدولة للقضاء على الزيدية، وأنها بالنسبة للحرب على (الإرهاب) حرب وهمية! الشيء ذاته بدأت تردده صحف (الشورى) و(البلاغ).[31] وبدأت شخصيات زيدية علمية ومراجع -كمرتضى المحطوري- تتحدث عن إبادة ضد الهاشميين والزيود. وهو ما مثل تحولا في اتجاه الخطاب ونوعية التعبئة.
يتبع في العدد القادم <<<<<<<
 


[1]  26 سبتمبر، في 23/6/2004م.
[2]  الجزيرة نت، في 26/6/2004م.
[3]  الزهر والحجر، ص(143- 144).
[4]  الرشد، عدد 16، في 5/8/2004م.
[5]  الرشد، عدد 16، في 5/8/2004م.
[6]  الحرب في صعدة من أول صيحة إلى آخر طلقة، عبدالله الصنعاني، ص(93- 94).
[7]  التقرير الاستراتيجي اليمني -2004م، المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، ص(173).
[8]  موقع (قدس برس)، في 20/9/2004م؛ بتصرف.
[9]  وفقا للأعراف القبلية المتفق عليها.
[10]  موقع (الصحوة نت)، في 20/9/2004م.
[11]  تقرير عن: حرب صعدة وتبعاتها 2004م-2005م، موقع (الشورى نت)، في 2/6/2006م.
[12]  مقابلة مع بدر الدين الحوثي، الوسط، في 9/3/2005م.
[13]  موقع (الصحوة نت)، في 26/1/2005م؛ بتصرف.
[14]  عدد 255، في 2/10/2004م.
[15]  الشموع، عدد 262، في 14/12/2004م.
[16]  الشموع، عدد 272، في 19/2/2005م.
[17]  موقع (الصحوة نت)، في 20/3/2005م.
[18]  انظر: ثمار التغلغل الرافضي المرة، مرجع سابق.
[19]  انظر مقال لعبدالكريم سلام، موقع (أخبار سويسرا-Suissinfo.ch) في 6/4/2005م.
[20]  التقرير الاستراتيجي اليمني- 2007، المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، ص168.
[21]  موقع وكالة الأنباء اليمنية (سبأ نت)، في 13/4/2005م.
[22]  وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، في 7/4/2005م.
[23]  صدر البيان عن أحزاب اللقاء المشترك، وهي: التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الناصري، وحزب البعث العربي القومي، واتحاد القوى الشعبية، وحزب الحق. انظر: موقع (الصحوة نت)، في 8/4/2005م.
[24]  موقع (الصحوة نت)، في 9/4/2005م.
[25]  موقع (إيلاف)، في 12/5/2005م.
[26]  برنامج نقطة نظام، قناة (العربية)، في 22/5/2005م.
[27]  في 9/5/2005م.
[28]  عدد 617، في 17/5/2005م؛ بتصرف.
[30]  الشرق الأوسط، عدد 9648، في 28/4/2005م.
[31]  انظر: ثمار التغلغل الرافضي المرة، مرجع سابق.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©