قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


حروب صعدة ونتائجها (2) 

 2010-03-09

 

 
 
حروب صعدة ونتائجها ( 2 )
 
المبحث الثالث: الحرب الثالثة.. المجريات والنتائج:
إن واحدة من النقاط الأساسية التي لا بد من وضعها نصب الأعين أثناء دراسة تمرد الحوثي هي أن الحوثيين ينظرون إلى هذه الحرب نظرة عقائدية. يدلك على ذلك أن عدداً لا بأس به من الحوثيين صدر بحقهم عفو عام لكنهم رفضوه، لأنه كان مشروطاً بأن يكتب هؤلاء المساجين تعهداً بعدم العودة لما فعلوه. وقد بذلت الدولة جهوداً لا تنكر في محاولة إقناع أتباع الحوثي بالعدول عن أفكارهم من خلال ما يسمى بلجنة الحوار، حيث كان يزورهم علماء زيديون وسُّنَّة، ويحاورونهم في أفكارهم، ولكن دون جدوى.
هذا المنطق العقائدي هو الذي جعل الاثنى عشرية يتحركون من خارج اليمن سياسياً واقتصاديا لدعم هذا التمرد.
فقبيل مغادرة وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي طهران في أواخر مايو 2005م، كانت وكالة الأنباء الإيرانية تتهم اليمن بتدريب أعضاء في حزب البعث العراقي[1] لتقويض الأمن في العراق. وبعد ذلك بعدة أيام استدعت الخارجية الإيرانية السفير اليمني في طهران لتبلغه احتجاجها على الحكم بإعدام الديلمي -الذي لم يعدم، وتم تخفيف الحكم عنه لاحقاً!
وكان مرجعان شيعيان قبل ذلك قد تدخلا وأصدرا بيانات ضد الحكومة اليمنية تصفها بأنها تقوم بحملات إبادة ضد الشيعة. فقد حذر آية الله المنتظري الحكومة اليمنية من استهداف الشيعة الاثنى عشرية ودعا المجتمع الدولي للتدخل. ونسبت وكالة الأنباء الإيطالية لمنتظري تحذيره للحكومة اليمنية وكل الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة إلى أن يضعوا ما حدث للرئيس صدام حسين نصب أعينهم، مؤكداً أنهم سيطردون من السلطة عاجلاً أم آجلاً.[2]
 فيما نسبت صحيفة (الوسط) اليمنية إلى العالم الشيعي علي الكوراني صاحب كتاب (عصر الظهور) في مداخلة له على قناة المستقلة القول: السُّنة ليسو إخواننا، والحوثيون جزء من طرق تمددنا... وقال: نحن أصحاب عقيدة واضحة وضوح الشمس، والعقيدة الجعفرية تقول: إن كل من لا يقر بولاية علي[3]-عليه السلام- وأولاده فهو لا يملك شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا رأي المتقدمين والمتأخرين بما فيهم الخميني نفسه.[4]
وبسبب هذا لم يكن الحوثيون يأبهون كثيراً بالعفو المتكرر الذي كان يصدره الرئيس علي عبدالله صالح؛ بل كانوا يصرون على ترديد الشعار قولاً، والاستمرار في العمل على تأجيج المعركة على الأرض فعلا!
وحاول الحوثيون في استعداداتهم للجولة الثالثة أن ينقلوا المعركة خارج صعدة، ففي تاريخ 5/6/2005م ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة رجال وامرأة كان بحوزتهم صواريخ كتف وقنابل هجومية، في صنعاء[5]. وبعد ذلك بأقل من أسبوع كشفت التحقيقات عن تورط عناصر موالية للحوثيين ومنتظمة في حزب المؤتمر الحاكم بأعمال تخريبية في أمانة العاصمة صنعاء.[6]
وفي السادس والعشرين من نفس الشهر اشتبكت قوات الأمن مع عناصر من الحوثيين في أحد الشوارع وسط العاصمة صنعاء. كما أعلنت وزارة الداخلية في السياق ذاته عن إلقاء القبض على زعيم خلية في صنعاء[7]. بعد ذلك بدأت الأخبار تنشر في الصحف بشكل متكرر عن أنشطة حوثية في صعدة وما حولها، وفي العاصمة صنعاء. مما جعل القارئ يشعر بأن النذير بجولة ثالثة من الحرب قادم لا محالة.
جاءت ذكرى ثورة (26 سبتمبر) الخامسة عشر، في 26/9/2005م، ليمنح الرئيس الحوثيين فرصة أخرى بإعلان العفو العام عنهم بهذه المناسبة، أثناء إلقائه خطابا بالمركز الثقافي بتعز.. "على الرغم من الدماء التي سالت"، والتي بلغت حسب خطابه "أكثر من 700 قتيل". وليعلن في المقابل عن "تسامح الثورة اليمنية" مع "أسرة آل حميد الدين"[8] وعن "تعويضهم عن ممتلكاتها".. "التعويض العادل طبقاً للوثائق الشرعية"![9] وهي بمثابة محاولة من القيادة السياسية لتحييد موقف هذه الأسرة المقيمة خارج البلاد من التمرد الذي سبق وأن اتهمتها بعض الصحف الموالية للسلطة بدعمها ومساندتها للحوثي!
لكن وبعد خطاب الرئيس بحوالي أسبوعين فقط بدأت الصحف تتحدث عن عودة نشاط الحوثيين بشكل لافت.
ففي الثامن من أكتوبر 2005م نشرت صحيفة (الناس) خبراً يتحدث عن أنشطة (للشباب المؤمن) في مديرية ضحيان ومديرية الرزامات وواجل وبني معاذ والنقعة، تمثلت بإحياء خلايا قدمت من حجة - عمران - كوكبان - الطويلة.[10]
ومع نهاية نوفمبر 2005م وبالاستعانة ببعض الذين تم الإفراج عنهم بسبب العفو الرئاسي نصبت مجموعة من الحوثيين كميناً لقوة عسكرية في سوق الخفجي في بني معاذ بمديرية سما؛ ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود وجرح خمسة عشر جندياً آخرين.[11]
 واستباقاً للأحداث اتهم عبدالملك الحوثي وشقيقه الرئيس بعزمه على شن حرب ثالثة على أتباعهما بحجة أحداث الخفجي. وأعرب عبدالملك الحوثي عن استعداده التام للمواجهة، كما شن يحيى الحوثي حملة على شخص الرئيس معتبراً ما يمارسه ضدهم حرب إبادة جماعية تحت مبررات وهمية، داعياً المواطنين للوقوف إلى جانب المظلومين.
وهكذا اندلعت الأحداث مجدداً، وبدأت قوات الحوثيين تستهدف بعض شيوخ القبائل الذين تعتقد فيهم الولاء للدولة. فقد نقلت الصحف[12] أخبارا عن إصابة عدد من العسكريين في عدة أماكن، وعدد من شيوخ القبائل.
الدولة –ربما- أرادت حسم الموقف هذه المرة، لذا عمدت إلى تكثير مناطق القتال واستخدام المروحيات، بينما الحوثيين تمسكوا بسلاسل جبلية تزيد عن ثلاثين كيلوا مترا[13].
في هذه الجولة بدأت بعض القبائل تقاتل مع الدولة ضد الحوثيين، وارتفعت حدة المعارك بشكل ملحوظ في فترة عيد الأضحى، الأمر الذي فُسِّر من قبل الحوثيين بأنه توجه من الدولة لمنع إقامة عيد الغدير.[14]
واتهم يحيى الحوثي الرئيس بأنه هو الذي فجر هذه الحرب لدى عودته من أمريكا كما فجر الحربين الأولى والثانية، وحذر شيوخ القبائل من الوقوف إلى جانب السلطة... وخاطب الرئيس بقوله: "لو كان لديك نظرة صحيحة للاعتماد على الأحرار والشرفاء بدلاً من المرتزقة ما كان حصل ما حصل"![15]
لكن واقع الأمر أن الدولة لم تكن تريد القتال، بدليل أنها وبعد بدء المواجهات كلفت العميد يحيى الشامي بالعمل لحل الموضوع، معتقدة أنه ربما يكون أكثر قبولاً من غيره عند الحوثيين باعتباره هاشمي النسب، لكن وساطة الشامي الذي عين لاحقاً محافظاً لمحافظة صعدة فشلت كما فشل غيرها من الوساطات.
الشامي وبعد أن تم تعيينه محافظاً في أواسط فبراير 2006م حاول أن يسير مع الحوثيين بنوع من الدبلوماسية، فبدأ بإطلاق 300 سجين ممن كان قد صدر العفو عنهم في سبتمبر 2005م، لكن السلطات المحلية أخرت الإفراج عنهم؛ كما أمر بوقف إطلاق النار في جبهات القتال مع أنصار الحوثي وعدم الرد إلا في حالة التعرض لهجوم[16].
كما وجه الرئيس بإطلاق كافة المعتقلين على ذمة أحداث صعدة. ثم أمر في وقت لاحق بإطلاق سراح محمد بدر الدين الحوثي -شقيق حسين الحوثي؛ وبصرف مرتبات الشقيق الآخر لحسين الحوثي، وهو يحيى بدر الدين الحوثي الذي يتكلم باسم التمرد في الخارج.
وفي الثامن والعشرين من فبراير 2006م انتهت الجولة الثالثة بتوقيع اتفاق صلح، طرفه الأول من جانب الحوثيين عبد الملك بدر الدين الحوثي، وعن الجانب الرسمي العميد يحيى الشامي محافظ محافظة صعدة في ذلك الوقت، وقد أعلن بموجب ذلك الاتفاق نهاية التمرد وتوقف جميع الأنشطة العسكرية.[17]
لكن هذا الاتفاق لم يكن على الأرض موافقاً لما هو على الورق، فقد لوحظ نشاط حثيث لدى الحوثيين لإعادة التمضوع وتخزين الأسلحة، وكأنهم يترقبون جولة أخرى من القتال. في حين قامت الدولة بعدة عمليات دهم واعتقال، واشتباكات مع الحوثيين بعد الاتفاق خصوصاً في أواسط 2006م. فقد نشرت صحيفة (البلاغ) خبراً جاء فيه: "أن إدارة الأمن بمديرية مرَّان أقدمت على اعتقال عشرة أشخاص على ذمة ترديدهم الشعار، وعلى نفس الصعيد قام مجهولون باغتيال الشيخ علي سعيد بن عرفج يوم أمس الجمعة، كما شهد يوم السبت مقتل عضو لجنة الوساطة حسين صالح الكبسي، وتم تبادل لإطلاق النار بين أنصار الحوثي وعدد من الأطقم العسكرية أسفرت عن مقتل سالم الشريف ضابط أمن محافظة صعدة، وفي تطورات لاحقة لقي الشيخ يحيى بن هادي العوجري مصرعه مع ثلاثة من أولاده على أيدي مجهولين".[18]
ويرى بعض المراقبين أن مثل حوادث الاقتتال هذه، والتي كان الرئيس يجزم بعدم حصولها، كانت تمثل رغبة في إنهاء الوضع في صعدة عند بعض العسكريين. "فقد ساد بعض التناقض بين القيادتين العسكرية والتنفيذية في صعدة من حيث آليات التعامل مع الحوثيين، ففي الوقت الذي كان يتم فيه إلقاء القبض على بعضهم من قبل القيادات العسكرية بسبب اتهامهم بترديد الشعار أو دعم الحوثي، كان يصدر الأمر بالعفو عنهم وإخراجهم من السجون من قبل المحافظ يحيى الشامي"[19].
كان عام 2006م موعد الاستحقاق الانتخابي لمرحلة رئاسية جديدة.
ولأن الأخبار كانت تتسرب من خلال وجود شخصيات حوثية بالحكومة، فقد شعر الحوثيون بأن رئيس الجمهورية يريد أن يبدأ حملته الانتخابية الجديدة في ذكرى ثورة 26 سبتمبر من صعدة، وبالتالي فلا بد أن يشهد ملف صعدة تحركاً حثيثاً لحله، فكر الحوثيون باستغلاله، فوجه بدر الدين الحوثي عدة رسائل للجان الوساطة أشار فيها إلى عدد من النقاط التي ما زالت معلقة ولا بد من العمل عليها حتى يتم إغلاق ملف صعدة.
ومن هذه النقاط: إطلاق سراح الأشخاص الذين ما زالوا في السجون وهم بالمئات؛ وإنهاء ملف ما يسمى بـ(خلية صنعاء)؛ وتوقف الاستفزازات من بعض المواقع العسكرية؛ وتوقف الاعتقالات؛ والتوقف عن منع من يريد السفر من الحوثيين.[20]
وبالفعل دشن رئيس الجمهورية حملته الانتخابية لانتخابات الرئاسة بإقامة مهرجانه الأول في محافظة صعدة، وتعهد أثناء كلمة ألقاها في المهرجان بمعالجة آثار أحداث مرّان والرزامات، ودعا الشباب الذين مع الحوثي والرزامي أن يعودوا إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، وأن يمارسوا حياتهم السياسية مثل غيرهم، وأن يؤسسوا حزباً سياسياً إذا رغبوا في ذلك، حسب القانون.[21]
وسارت الانتخابات الرئاسية بعد ذلك بهدوء، ودون مشاكل وبدون اتفاقات معلنة، "سوى ما يدور بين الجانبين عبر المحافظ يحيى الشامي... وقد قيل إن اتفاقاً حدث بين الطرفين مما سمح للسلطة بالتفرغ لإدارة الانتخابات الرئاسية والمحلية، في مواجهة معارضة اللقاء المشترك.[22]
وفي جولة الاقتتال اللاحقة في يناير 2007م صرح يحيى الشامي تصريحاً غاضباً بين فيه فعلاً أن اتفاقاً قد حصل، فقال عن الحوثيين إنهم "السرطان الذي إذا أصاب ذراعاً في الجسم يجب بترها، حتى لا تنتقل العدوى إلى أجزاء الجسم الأخرى"! مضيفا بأن الحكومة سمحت لهم بإقامة احتفالاتهم في ذي الحجة المنصرم بمناسبة يوم الغدير، ومشيراً إلى أنه صرف لهم مبلغ 50 مليون ريال وست سيارات..[23]
لقد أكدت الجولة الثالثة من المواجهات أن الرئيس علي عبدالله صالح لا يرغب في القضاء على الحوثيين بشكل نهائي باعتبار حاجته إليهم في أزمته السياسية مع الإصلاح وأحزاب اللقاء المشترك! علماً بأن الحوثيين لهم علاقة سابقة وقديمة بهذه الأحزاب غير أن البراجماتية التي يتعامل بها النظام السياسي الحاكم تعمي وتصم!
 
يتبع في العدد القادم <<<<<<<


[1]  أخبار اليوم، في 27/5/2005م.
[2]  أخبار اليوم، في 20/5/2005م.
[3]  المقصود بولاية علي هنا حسب الفهم الشيعي، أنه هو ولي المؤمنين ورئيسهم وخليفتهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، مما يلزم منه إبطال خلافة الثلاثة الذين قبله قطعاً.
[4]  الوسط، في 31/1/2007م.
[5]  أخبار اليوم، في 5/6/2005م.
[6]  أخبار اليوم، في 11/6/2005م.
[7]  خلية تابعة لتمرد الحوثي ألقي القبض على 36 من عناصرها، كانت تخطط لاستهداف الأمن في صنعاء، من خلال اغتيال مسئولين وضرب مصالح أجنبية في العاصمة –حسبما أعلن.
[8]  هي الأسرة الزيدية التي كانت تحكم اليمن قبل قيام ثورة سبتمبر عليهم وقلب نظام الحكم إلى نظام جمهوري في 26/9/1962م، وهي تقيم خارج اليمن.
[9]  أخبار اليوم، في 27/9/2005م.
[10]  الناس، عدد 305، في 8/10/2005م.
[11]  الناس، عدد 312، في 3/12/2005م.
[12]  الوسط، عدد 79، في 7/12/2005م، نقلا عن صحيفة الناس.
[13]  الوسط، عدد 82، في 28/12/2005م.
[14]  البلاغ، عدد 649، في 18/12/2006م.
[15]  الوسط، عدد 82، في 28/12/2005م.
[16]  البلاغ، عدد 654، في 21/2/2006م.
[17]  التقرير الاستراتيجي اليمني -2007م، المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، ص(162- 170).
[18]  البلاغ، عدد 669، في 6/5/2006م.
[19]  التقرير الاستراتيجي اليمني -2007م، ص(170).
[20]  البلاغ، عدد 687، في 17/8/2006م.
[21]  البلاغ، عدد 689، في 31/8/2006م.
[22]  التقرير الاستراتيجي اليمني -2007م، ص(171).
[23]  موقع (نيوز يمن)، في 7/2/2007م، وانظر المرجع السابق أيضا.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©