قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


حروب صعدة - جهود الوساطة والمصالحة 

 2010-03-21

 

 
جهود الوساطة والمصالحة الداخلية والخارجية والفشل المستمر
قبل إطلاق الرصاصة الأولى في المعارك التي دارت بين الدولة والمتمردين الحوثيين، حرصت الدولة على إنهاء الموضوع سلمياً. فقد أرسل الرئيس إلى حسين بدر الدين الحوثي يدعوه للقدوم إلى صنعاء للتحاور مرارا؛ فاعتذر الحوثي بأعذار منها: عدم أمان الطريق، وخشيته على نفسه أن يصيبه ما أصاب (أبو علي) الحارثي -المتهم بأنه أحد قيادات القاعدة في اليمن، والذي قصف بطائرة أمريكية داخل الأراضي اليمنية!
ورغم تكرر الدعوة له لم يحضر الحوثي إلى صنعاء، فصدر أمر قهري بإحضاره، ما أدى إلى اشتباك قوات الأمن مع أتباعه فقتل ثلاثة جنود، وكانت تلك هي البداية. ومع قيام المواجهات لم يأل الرئيس علي عبدالله صالح جهداً في إرسال الوساطة تلو الوساطة، واللجنة تلو اللجنة. وقد أحصت التقارير الرسمية أثناء جولة الحرب الأولى التي استمرت من 20/6/2004م إلى 10/9/2004م ست وساطات محلية، كلها باءت بالفشل! وقد ذكر تقرير مجلس الأمن القومي اليمني الذي تلاه رئيس المجلس أمام مجلس النواب -في جلسة مغلقة عقدت بتاريخ 10/2/2007م- أن الرئيس كلف العلامة الزيدي محمد بن محمد المنصور بإقناع الحوثي للرجوع عما هو فيه ثلاث مرات، ثم أرسل الرئيس إلى حسين الحوثي أخاه يحيى بدر الدين الحوثي – عضو مجلس النواب، وفشلت هذه الوساطة.
بعد ذلك تتالت الوساطات على الحوثي، ومنها:
وساطة عبد الكريم جدبان وصالح هبرة، وكلاهما موال للحوثي، ولم يفلحا في إقناعه في تسليم نفسه.
جاءت بعدها وساطة أخرى شارك فيها: عثمان مجلي، وعبد السلام هشول، وصالح الوجمان، وصالح بن شاجع، وإبراهيم الوزير، وصلاح فليته، وعبد الله العزي، وإسماعيل علي الحوثي، ويحيى بدر الدين الحوثي، وعلي حسين المنبهي، وعلي هادي الصيلمي، ومحمد حسن جبالة، وأحمد ناصر البوان، ولم تأت الوساطة بأي نتيجة.
الوساطة التالية كانت بتاريخ 27/7/2004م، وأهم أعضائها: محمد محمد المنصور، ومن ذكروا بالوساطة الرابعة بالإضافة إلى حمود عباس المؤيد -عضو جمعية العلماء، والذي لم يقم بدوره بسبب المرض[1]، وعبد الوهاب الآنسي -عضو مجلس شورى الإصلاح، والأمين العام المساعد للحزب، وغيره من القيادات. وقد وصل أعضاء هذه اللجنة إلى 34 عضواً، بعضهم: من الوزراء ومن النواب ومن مجلس الشورى، ومن العلماء، ومن القيادات السياسية لأحزاب المعارضة. وقد فشلت هذه اللجنة كسابقاتها في تحقيق أي نجاح.
وقد اعتبرت صحيفة (البلاغ) -الموالية للاتجاه الحوثي- اللجنة كميناً للحوثي! حيث ذكرت أنه تم الاتفاق بين رئيس اللجنة عبدالوهاب الآنسي وحسين بدر الدين الحوثي على اللقاء في مكان معين وزمان معين، وفي الزمان المعين جاءت طائرة عسكرية وقصفت المكان الذي كان من المقرر اللقاء فيه[2]. ورغم ذلك فقد قابل ثلاثة أعضاء من اللجنة لاحقاً حسين الحوثي، وذكر مصدر مسئول في اللجنة لموقع (الصحوة نت) أن الثلاثة الذين قابلوا الحوثي عادوا بآمال كبيرة في نجاح مهمة اللجنة دون إعطاء أية تفاصيل. لكن على أرض الواقع استمرت الحرب إلى أن قتل حسين الحوثي.
الجولة الثانية من الحرب لم تبذل فيها جهود للوساطة. فقد جعل اختفاء قائدي الجولة: بدر الدين الحوثي وعبدالله عيضة الرزامي حصول الوساطة أمرا متعذرا؛ وخصوصاً أن الجولة الثانية من القتال لم تستمر طويلاً (من 19/3/2005م - 12/4/2005م).
بدأت الجولة الثالثة من الحرب في 28 نوفمبر 2005م، وتخللتها عدة وساطات داخلية لم تفلح عن شيء. كان من أهمها الوساطة التي تشكلت بموجب قرار رئيس الجمهورية، الذي وجه بتكوين لجنة واسطة مؤلفة من: العميد يحيى محمد الشامي -محافظ البيضاء (في حينه)، ومحمد عبدالله الشرعبي، وفضل المطاع، ومحمد محمد المنصور، وصالح الوجمان، وعبدالله حسين المؤيد، ومحمد محسن المؤيد، وملهي حملان الصيفي، وأحمد عيضة الحمزة، والشيخ حسين الصرمي، وعبد الكريم مناع، وصالح الكبسي. وقد فشلت هذه اللجنة في مساعيها.
في 16/2/2006م تم تعيين العميد يحيى الشامي محافظاً لمحافظة صعدة، وكان يحمل معه صلاحيات واسعة لمحاولة حل الخلاف مع المتمردين. فقد ذكرت صحيفة (البلاغ)[3] أن الرئيس أعطى المحافظ توجيهاته بإنهاء ملف صعدة نهائياً.
وكان وراء ذلك هدف سياسي أساسي للدولة، وهو محاولة القيادة السياسية إظهار قدرتها في استتباب الأمن وتحقيق الاستقرار، للبدء بحملة انتخابية رئاسية من صعدة! وإظهاراً لذلك أُعلِن لاحقاً أن صعدة صوتت للرئيس بنسبة 90%!!
وكان جزءا من الثمن أن يتحرك الحوثيون بأمان، وأن يحتفلوا بالغدير، كما قدمت لهم الدولة خمسين مليونا ريال يمني، وست سيارات!
ولكن التصعيدات التي حصلت في بدايات 2007م جعلت لجان الوساطة تعود من جديد للواجهة. فقد شكلت لجنة كان أغلب أعضائها من الزيدية، بل من المقربين للحوثي. وكان هدفها النظر في أسباب المشاكل. وقد قدمت هذه اللجنة مقترحاتها -التي أثارت غضب الدولة- في 3/2/2007م. وأشارت فيه إلى الأسباب التي أدت لاستمرار المشكلة، ومن أبرزها –حسب التقرير:
1-      تعرض من نزلوا من الجبال إلى الاعتقال والمطاردة.
2-      تعرض بعض المواطنين للمضايقات المذهبية.
3-      الاحتكاكات المستمرة بين المواطنين والجنود.
4-      الاحتجازات المتكررة في النقاط العسكرية للمواطنين.
5-      تفتيش الثياب الداخلية للمواطنين.
6-      تكرر حالات الاغتيال وعدم التحقيق فيها.[4]
أبدى هذا التقرير مدى تحيز اللجنة إلى صف حركة الحوثي، ومحاولتها إلقاء اللائمة على الدولة وسلطاتها. وبالفعل جاء رد الدولة على اللجنة الثمانية التي قدمت تقريرها للرئيس حازماً، حيث اتهمت اللجنة بالانحياز للحوثيين، واعتبر أعضاء من مجلس النواب تقرير اللجنة "بداية فتنة مذهبية مقبلة عليها البلاد"![5]
في مقابل ذلك قال الشيخ صالح الوجمان -رئيس اللجنة التي تلقت الهجوم من الدولة: إن الأمل أصبح ضعيفاً في التوصل إلى حل سلمي بعد المواجهات الأخيرة[6]، ولأن اللجنة لم تتلق أي رد على مناشدتها.
في نفس الفترة، رفع عبدالملك الحوثي رسالة لرئيس الجمهورية، أبدى فيها التزامه بعفو الرئيس، وموافقته على تشكيل حزب سياسي، وذلك لممارسة جميع الحقوق، "بما في ذلك الشعار" –حسب تعبير الرسالة.[7]
الرئاسة بدورها أحالت الرسالة إلى مجلس الدفاع الوطني الذي عقد جلسة للنظر في أحداث صعدة ومناقشة رسالة عبد الملك الحوثي. وجاء رد المجلس إيجابيا شريطة أن يلتزم الحوثيون بعدة نقاط[8]، هي:
1-      وقف إطلاق النار والنزول من الجبال وعودة قراهم آمنين مطمئنين خلاف فترة خمسة أيام.
2-      تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى مديرية أمن المحافظة، وإنهاء المظاهر المسلحة، وعلى القيادة العسكرية والسلطة المحلية متابعة تأمين الطرق والسبل وعدم اعتراض المجموعات التي نزلت من الجبال.
3-      تسليم جميع السجناء المتسببين في الأحداث إلى السلطة المحلية بمحافظة صعدة.
4-      إعادة المنهوبات التي تم السطو عليها وتسليم المخطوفين.
5-      إنشاء حزب سياسي وفقاً للدستور والقوانين النافذة.
6-      الالتزام بتدريس المناهج الدراسية الرسمية في جميع المدارس.
7-      تسليم عبدالملك الحوثي نفسه للدولة.
8-      عودة اليهود إلى قراهم في آل سالم.
وهي مطالب لم يستجب لها الحوثيون بدورهم.
وفي حين أشار عبدالملك الحوثي، الذي قاد التمرد بعد مقتل شقيقه حسين واختفاء والده، في شهر مايو إلى وجود وساطة قطرية[9]، تحاول حل النزاع، كانت السلطة اليمنية تتكتم على المسألة. فقد زار أمير قطر صنعاء في 8 مايو عام 2007م، وسئل وزير الخارجية اليمني عن أسباب الزيارة، فقال: لا وجود لوساطة خارجية لحل تمرد صعدة. هذا النفي تكرر مرة أخرى من وزير الخارجية عقب زيارة رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني لصنعاء، بعد شهر تقريباً من زيارة الأمير القطري[10].
في 17/6/2007م أعلن عن وقف القتال وفق اتفاق من تسعة بنود يقضي بإنهاء التمرد. ونشرت صحيفة (أخبار اليوم) الاتفاق الذي ينص على: أنه سوف يتم تعليق العمليات العسكرية إذا التزم عبدالملك الحوثي ومن معه بالشروط التالية:
1-      وقف العمليات العسكرية والتزام عبدالملك الحوثي ومن معه بالنظام الجمهوري والدستور والقوانين النافذة في البلاد.
2-      إنهاء حالة التمرد وتنفيذ قرار العفو العام وإطلاق المعتقلين؛ ما عدا المتهمين في القضايا المحالة للنيابة العامة أو المنظورة أمام المحاكم؛ والكشف عن المفقودين؛ ومعالجة الجرحى؛ وتسليم الجثث الموجودة لذويها.
3-      تعود الحياة إلى طبيعتها في المناطق، وكل المغرر بهم يعودون إلى مناطقهم، ويعيشون كمواطنين آمنين مثلهم مثل سائر المواطنين في الجمهورية.
4-      بسط نظام الدولة العام في المنطقة مثل باقي مناطق الجمهورية.
5-      تسليم الأسلحة المتوسطة مع ذخائرها للدولة.
6-      احترام حرية الرأي والتعبير بما في ذلك الحق في إنشاء حزب سياسي وفقاً للدستور والقوانين النافذة في البلاد.
7-      وصول عبدالملك الحوثي ويحيى الحوثي وعبدالكريم الحوثي وعبدالله عيضة الرزامي إلى قطر دون ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي معادٍ لليمن، وعدم مغادرة قطر إلا بعد موافقة الحكومة اليمنية.
8-      وقف كافة الحملات الإعلامية وعمليات التحريض.
9-      تقوم الحكومة اليمنية بإعادة إعمار ما خلفته الحرب ومعالجة آثارها، وستقوم دولة قطر مشكورة بالمساهمة في صندوق لإعادة إعمار المناطق المتضررة وتعويض المتضررين، ويكون هذا الصندوق مفتوحاً لمساهمة الدول العربية والصديقة فيه.
10-                        سيتم تشكيل لجنة من قبل القيادة السياسية من مجلسي النواب والشورى برئاسة الأخ محسن العلفي نائب رئيس مجلس الشورى وعضوية رؤساء الكتل النيابية والشوروية في مجلسي النواب والشورى، وذلك للإشراف على تنفيذ تلك البنود خلال ساعات وأيام محدودة وتضم اللجنة في عضويتها التالية أسماؤهم.[11]
وعرف هذا الاتفاق بـ(الصلح الأول)، فيما عرفت الاتفاقية الموقعة بين الطرفين في الدوحة بـ(الصلح الثاني). والجدير بالذكر هنا أن العديد من هذه الشروط كان قد طرحها مجلس الدفاع الوطني في جلسة بتاريخ 13/2/2007م؛ وهو ما يعني أن هذه الشروط تمثل رؤية الدولة لحل الأزمة وقناعاتها بها!
من ذيل هذه الاتفاقية تبين الدور القطري الذي رشحت قطر نفسها للقيام به حسب ما نقل موقع "نيوز يمن" عن عادل الذهب المقيم في الخارج بأنه بدأ بمبادرة قطرية أثناء لقاء أمير قطر بالرئيس اليمني في القمة العربية التي انعقدت في الرياض وبناء عليه اتصل السفير القطري في ألمانيا بيحيى الحوثي وأبلغه بالأمر. ورغم أن الاتفاقية في ظاهرها معزوة إلى مجلس الدفاع الوطني، إلا أنها منذ ذلك التاريخ عرفت باسم (اتفاقية الدوحة).
لم تمض أيام طويلة بعد هذا الاتفاق حتى بدا كل طرف يشكو من تصرفات الطرف الآخر ويتهمه بالمماطلة وعدم الالتزام بالاتفاقية.
ففي بلاغ لعبدالملك الحوثي قال: إن السلطة لم توقف المعارك التي تشنها في بعض مناطق صعدة. وحذر أنه وأنصاره بدورهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي، في مقابل ما وصفه استمرار السلطة في عدوانها.[12]
كما أن بعض الصحف الحكومية اتهمت الحوثي بعدم وقف إطلاق النار، وبمزيد من الإخلالات والخروقات، واصفة الحوثيين بـ(الإرهابيين)! واستمرت في حملتها الإعلامية عليهم. الأمر الذي دعا الحوثيين إلى إصدار بيان[13] أوضحوا فيه ما قاموا به من أجل إنجاح عملية المصالحة؛ حيث التزموا بوقف إطلاق النار، ونزعوا الألغام من الطرقات العامة التي كانت في مناطق القتال، وأبعدوا الحواجز من الطرق التي كانوا يسيطرون عليها؛ معددين الكثير من أعمالهم. واتهموا الجيش بعدم الانسحاب من المواقع السكنية التي تم الاتفاق على الانسحاب منها.
نتيجة تعنت الأطراف، وفي 17 يوليو 2007م، أعلنت اللجنة المكلفة بتنفيذ الاتفاق تعليق أعمالها بسبب عدم تسليم جبل عزان الذي يسيطر عليه الحوثيون للجنة، واعتبرت اللجنة أن الحوثيين حنثوا بالاتفاق، بينما اعتبر الحوثيون أنفسهم منفذين للعديد من النقاط في حين لم تنفذ الدولة شيئا، بل ولم توقف القتال.[14]
موقع الحزب الاشتراكي ذكر قائمة تضم ثلاثة وخمسين موقعاً -كان يسيطر عليها الحوثيون- سلمت للجنة[15]. وهو ما عبر عن تضامنهم مع الحوثيين وإقرارهم بحنث الدولة بالاتفاقية.
وفي شهر ديسمبر 2007م تصاعد القتال بين الطرفين واتهم يحيى الحوثي الرئيس بأنه يشن حرب إبادة ضد سكان محافظة صعدة، مشيراً إلى أن الدولة لم تلتزم ببنود المصالحة القطرية (الأولى). ودعا الحكومة القطرية للتدخل السريع والعمل على تفعيل وساطتها ووقف حرب الإبادة التي تتزايد حدتها يوماً بعد يوم.[16]
على إثر ذلك أعلن في صنعاء عن لجنة وساطة قبلية جديدة بين الحكومة وعبدالملك الحوثي. كان من أعضائها الشيخ عثمان مجلي، والشيخ يحيى جعفر، وعدداً آخر من المشايخ. رحب عبدالملك الحوثي بوجودهم في اللجنة حسب ما ذكر موقع (الصحوة نت).[17]
وحسب رأي البعض فإن هذه اللجنة (أو الوساطة) جاءت بهدف التهدئة للموقف الذي بدأ يتجه نحو التصعيد وخاصة مع اقتراب ذكرى الغدير التي يحييها الشيعة وغالبية الزيدية. ومع ذلك لم تفلح الوساطة في إنجاز أي حل.
دخل العام الجديد 2008م لتتسرب أنباء عن وساطة جديدة، لكن ياسر العواضي –العضو المؤتمري- نفى ذلك.
في الأسبوع الأول من شهر يناير 2008م حصلت مفاجأة غير سارة لأحد أعضاء لجنة الوساطة، وهو عضو مجلس النواب عثمان مجلي، حيث أطلق جنود النار على مرافقيهفي المجمع الحكومي بصعدة، مما أدى إلى مقتل ثمانية منهم. وتدخلت قيادات عسكرية وسياسية لمحاولة احتواء الحادث، لكن القبائل التي ينتمي إليها مجلي رفضت إلا القصاص من المسئولين عن الحادث، مهددة باستهداف مسئولي الحكومة إن لم يستجب لمطالبها.[18]
في ظل هذه الأجواء المتلبدة توجهت الأنظار إلى الوساطة القطرية لإحيائها وهذا ما حدث فعلاً. ففي 1/2/2008م وُقِّعَت الاتفاقية الجديدة في الدوحة بين الحوثيين وبين الحكومة.[19]وعرفت هذه الاتفاقية باسم (اتفاقية الدوحة). وهي لم تنل رضى أطراف في القوات المسلحة فأطلق عليها اسم اتفاقية (هبرة الإرياني)! وذلك تقليلاً لشأنها ولمزاً بها. فقد جاءت أنباء توقيع اتفاقية الدوحة في الوقت الذي كانت تعزيزات عسكرية تصل من صنعاء إلى صعدة.[20]
لم تمض عشرة أيام على الاتفاقية حتى كلف البرلمان اليمني –الذي عقد جلسة مغلقة- الحكومة بسحق تمرد الحوثي، عقب ورود أخبار عن مقتل 42 جندياً وجرح ثمانين آخرين في معارك شرسة مع الحوثيين[21]. ومع ذلك كان الغالب على الأرض آثار (اتفاقية الدوحة) التي بدأ الحديث عن آليات تنفيذها! بل بدئ بها عمليا؛ ففي آخر الأسبوع الأول من شهر فبراير نشرت صحيفة (الوسط) خبراً عن تبادل الحوثيين والسلطة فك الحصار في صعدة.[22]
لم تدم الفرحة طويلا، ففي الأسبوع الثاني كان وفدٌ من قطر في صعدة لحل الخلاف الحاصل بين اللجنة المشكلة من طرف الحوثي واللجنة المكلفة من طرف السلطة للإشراف على تنفيذ الاتفاق.[23]
وفي الأسبوع الثالث بدأ الجيش ينسحب من بعض المواقع العسكرية، وبدأت بنود الاتفاقية تدخل حيز التنفيذ، رغم معارضة عدد من النواب ووصف بعضهم للاتفاقية بأنها مهينة! وبأنها مخالفة لقرار مجلس النواب الذي صوت بالأغلبية لحسم القضية عسكريا![24]
وصل التنفيذ إلى البند السابع من الاتفاقية الموقعة في الدوحة، والذي ينص على: "بسط نظام الدولة العام في المديريات كغيرها من المديريات الأخرى في الجمهورية". فكان لكل فريق فهم مختلف لهذا النص الذي أصبح كعصا في عجلات عربة الوفاق! فاتهم كل فريق الآخر بأنه السبب في هذا التعثر، ودارت بالأفق أحاديث عن إعفاء رئيس الجمهورية للجنة تنفيذ الاتفاق من مهامها وتعيين أخرى.[25]
ولكن تهدئة المواقف تبددت باغتيال النائب صالح دغسان وولده وأحد مرافقيه، فأصبحت سحب الحرب الخامسة تظهر متلبدة بالأفق. وجاء تفجير مسجد سلمان في صعدة ليزيد غيوم الحرب تلبداً، ويزيد الأمور بعمومها تدهوراً. فالرئيس لم يرد للحرب أن تتجد، فكلف -حسب صحيفة (الشارع)- الشيخ حسين الأحمر للتواصل مع الحوثي من أجل الاستمرار بتطبيق (اتفاق الدوحة)، لكن على الأرض كانت تعزيزات عسكرية كبيرة تقدر بعدة آلاف قد وصلت إلى صعدة، وأخذت مواقعها، وكأن قرار الحرب قد اتخذ[26]. وتعطلت الوساطات عندما نطقت المدفعية والصواريخ وغيرها من الأسلحة.
وفي أواخر شهر يونيو 2008م تحرك مشايخ القبائل ساعين لإيقاف القتال، لكن رؤياهم لم تكن موحدة؛ فبعضهم يرى أن الوساطة لا بد أن تكون خارجية من دول الجوار كالسعودية، وبعضهم يرى إحياء الوساطة القطرية، فيما رأى آخرون بضرورة أن تكون الوساطة محلية كون أن الوساطة الداخلية هي الأجدر[27]. وبقيت هذه الرؤى في الإطار النظري، إذ لم يظهر على الأرض أي تحرك جديد لأي وساطة جديدة.
وما إن جاءت الذكرى الثلاثون لتولي الرئيس علي عبدالله صالح مقاليد الحكم حتى ألقى خطابه الذي أعلن فيه انتهاء الحرب في صعدة. فكان الإعلان حسب رأي البعض: صدمة قوية للقوات الحكومية، خصوصاً وأنها قدمت تضحيات كبيرة من جنودها وضباطها وقادتها خلال سنوات الحرب.[28]
وقد رأى البعض الآخر في حديث الرئيس (عن دارفور أخرى) تخوفا منه من دعوة المرجعية الشيعية السيستاني إلى الغرب إلى (درفرة صعدة)!
في العدد القادم سنذكر لكم مواقف الأطراف الداخلية – قراءة وتقييم – وهو فصل مهم في بابه فتابعونا....


 


[1]  حسب تقرير مجلس الأمن القومي.
[2]  انظر: مقابلة صحيفة (الأهالي) مع حسن زيد، بتاريخ 4/3/2008م؛ ونشرت المقابلة في صحف أخرى كذلك.
[3]  عدد 693، في 12/9/2006م.
[4]  البلاغ، عدد 715، في 6/2/2007م.
[5]  أخبار اليوم، في 8-11/2/2007م.
[6]  انظر: المبحث الرابع من هذا الفصل.
[7]  البلاغ، عدد 716، في 13/2/2007م.
[8]  نص تقرير الأمن القومي حول أحداث الفتنة في صعدة.
[9]  موقع (إيلاف)، في 26/5/2007م.
[10]  أخبار اليوم، في 9/6/2007م.
[11]  وأوردت الصحيفة أسماء أعضاء اللجنة المختارين.
[12]  موقع (الشورى نت)، في 21/6/2007م.
[13]  موقع (يمن برس)، في 13/7/2007م.
[14]  انظر: تصريح الحوثي لموقع (الوسط نت)، في 18/7/2008م.
[15]  موقع (الاشتراكي نت)، في 9/7/2007م.
[16]  الوسط، عدد 176، في 12/12/2007م.
[17]  في 25/12/2007م.
[18]  المصدر، عدد 7، في 8/1/2008م.
[19]  موقع (الجزيرة نت)، في 1/2/2008م.
[20]  موقع (الجزيرة نت)، في 1/2/2008م.
[21]  موقع (الجزيرة نت)، في 11/2/2008م.
[22]  عدد 182، في 6/2/2008م.
[23]  الوسط، عدد 183، في 13/2/2008م، تشكلت اللجنة القطرية من: 1- مساعد وزير الخارجية سيف مقدم البوعينين. 2- عميد ركن طيار ناصر السليطي. 3- المقدم أحمد سالم العلي. 4- المقدم حسن أحمل الهيل. 5- نقيب محمد علي الخاطر.
[24]  الوسط، عدد 184، في 20/2/2008م.
[25]  إيلاف، عدد 36، في 29/4/2008م.
[26]  الشارع، عدد 40، في 10/5/2008م.
[27]  الشارع، عدد 54، في 28/6/2008م.
[28]  الحياة، في 18/7/2008م.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©