قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


قراءة لمجريات الانتخابات العراقية الراهنة 

 2010-03-28

 

قراءة لمجريات الانتخابات العراقية الراهنة
نبيل النعيمي
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العراق ذو معادلة سياسية صعبة ، أديان ومذاهب وطائفية حاقدة ، احتلال أمريكي ذو أطماع ومصالح، دول اقليمية لها أذرع تنفذ أجندتها ، وتكتلات السياسيين متنوعة ومتلونة ، وقوميات تتطلع إلى الانفصال، والضحية هو العراق وشعبه.
قبل أسبوع من ظهور نتائج الانتخابات ، وفي جلسة مع مهتمين ومتابعين للشأن العراقي والمستجدات على أرضه ، دار نقاش وحوار حول وضع العراق اليوم بعد مرورسبع سنوات من الاحتلال الأمريكي والتدخل الإيراني .
تناول النقاش والتحليل نتائج الانتخابات الأولى عام 2005 ، والنتائج التي يمكن أن تسفر عنها الانتخابات الحالية بعد الأحداث والتغيرات التي وقعت خلال الخمس سنوات الماضية ، كما تناول التحليل وضع أهل السنة العرب سابقا وما يمكن أن يكون عليه في المستقبل. وإليك أخي القاريء خلاصة ما دار من حديث.
**********
إذا عدنا إلى يوم سقوط بغداد في 9/4/2003 وما أعقب هذا اليوم من شهور وسنوات قليلة، نجد أن الوضع كان في غاية السوء ، كان هناك تعاون مطلق بين شيعة العراق بما فيهم المرجعية – السيستاني – وإيران من جهة ، وبين أمريكا وإسرائيل والأكراد من جهة أخرى.
وكان أول حاكم في العراق الأمريكي بريمر ، حاقدا على الإسلام وعلى العرب ، ومن يقرأ مذكراته بإمعان – وهو لا يعرفه – يظن أنه شيعي.
في هذه الفترة كان السنة العرب في وضع لا يحسدون عليه ، وكانوا يواجهون تركة صدام حسين وما فيها من ظلم وإجرام انعكس عليهم ، ويواجهون كذلك الحلف الدنس بين أمريكا والأكراد وإيران.
وعندما أصبح الاحتلال الأمريكي أمرا واقعا ، انقسم السنة انقساما شديدا ، منهم من انضم إلى العمل السياسي ووضع نفسه تحت خدمة بريمر وحلفائه في الداخل والخارج ، وكان هذا حال الحزب الإسلامي الذي كان يمثله محسن عبد الحميد ، مع أن السنة العرب كانوا كلهم يقفون في صف المقاومة ويدعمونها.
في صف المقاومة برزت حركة هدامة سمت نفسها أخيرا "القاعدة" ، وارتكبت من الجرائم ما لا يتصوره العقل ، كانوا يغتالون شيوخ العشائر السنية وعناصر الجيش، ويعتدون على الشيعة فينتقم الشيعة من الأبرياء من أهل السنة ، بل كانوا يغتالون عناصر المقاومة الشريفة.
إذاً السنة العرب عانوا من وحشية القاعدة التي شوهت سمعة المقاومة ، كما عانوا من وحشية ميليشيات جيش المهدي ومنظمة بدر الشيعيتين.
وعندما جاءت أول انتخابات عام 2005 ، كان الشيعة جبهة واحدة ، حصلوا على أصوات المتدينين والعلمانيين على حد سواء ، وذلك أن السيستاني – في تلك الأيام - قد أصدر فتوى يزعم بأن من لا ينتخب لا يدخل الجنة ، كما أن طالباني وبرزاني كانا في حلف الشيعة ، ولذلك جاءت النتائج في غير مصلحة السنة العرب بسبب التحالف الشيعي – الكردي من جهة ، وأيضا بسبب العصبية الحزبية التي فرقت بين مكونات جبهة التوافق التي يمثل الحزب الإسلامي مركز الثقل فيها ، بالإضافة إلى أسماء أخرى قليلة من غير الحزب الإسلامي ، ومع ذلك فقد حصلت جبهة التوافق على أربعين مقعدا.
في هذه الفترة ، كان الوضع العراقي سيئا جدا ، وكانت الحكومات العربية تعمل مع القبائل والعلمانيين ومع حزب البعث المنحل ، لكنها لم يكن لها أي تعاطف مع المقاومة ، بل بالعكس كانت لها صلات مع الأحزاب الشيعية.
جاءت هذه الانتخابات وأحسب أن النتائج أصبحت ظاهرة للعيان والأصوات المتبقية لا تقدم أو تؤخر في النتيجة النهائية. أستطيع أن أقول أن النتائج الحالية قد غيرت الصورة في العراق ، وأنها جاءت بعد تجربة مريرة من الحكم الشيعي الذي كانت تسنده إيران من جهة وأمريكا من جهة أخرى ، كان هذا الحكم مثالا للفشل والفساد، ولذلك نفر منه حتى الشيعة مهما كانت ضمائرهم ، وضجر منه الناس عموما لأنهم كانوا يفتقدون مقومات الحياة الأساسية التي لا يستغني عنها إنسان.
 ومن أسباب تراجع التأييد لنوري المالكي وجماعته في أوساط الشيعة ، أنهار الدماء التي سالت بين حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي وبين جماعة الصدر ، كما كانت العداوة شديدة بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى ، وكنتيجة لذلك اهتزت صورة الصف الشيعي ولم يستطع الحفاظ على ماكان عليه عام 2005، والسيستاني دخل بيته وأعلن حياده ولم يعد يردد فتواه التي أصدرها من قبل.
إذاً نحن أمام صف شيعي منقسم ، وأمام تغير في النظرة لإيران ، سواء عند الشيعة العرب أو غير العرب ، فبدأ الكثير منهم يرى أن إيران تلعب دور الفرس الذين يريدون إعادة مجد كسرى أنو شروان ، ويريدون أن يجعلوا العرب تابعين لهم بأي شكل من الأشكال ، هذه هي الحقائق التي ظهرت جلية في هذه المرحلة.
وبالنسبة للصف الكردي ، فقد انقسم الأكراد لأول مرة ، وتبخر حلم الدولة التي كانوا يحلمون بها ، لأن قيام دولة كردية مستقلة أمر لا تقبله إيران ، ولا تركيا ، ولا النظام السوري ، فهو خط أحمر.
ومن جهة ثانية فإن فساد الاتحاد الكردستاني قد ظهر عيانا للشعب الكردي ، فأراد هذا الشعب أن يتخلص من هذه الدكتاتورية ومن هؤلاء الانتهازيين ، فحدث الانشقاق بينهم ، فظهرت حركة التغيير والاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية. وأظن أن هؤلاء لن يحصلوا أكثر من 15 مقعدا في الانتخابات القادمة والله أعلم.
أما بالنسبة لإياد علاوي الذي يتزعم القائمة العراقية ، فإن له علاقات قوية مع الحكومات العربية ، وسبب ذلك يرجع إلى كونه أمريكيا وعلمانيا وشيعيا ، وإن كانت شيعيته لا وزن لها عنده ، ومن جهة أخرى فهو بعثي سابق ، لذلك كان وما زال إياد علاوي مدعوما من الحكومات العربية ، وإن كان دعمه في عام 2005 والتي حصل فيها على 25 مقعدا ، لم يكن بقوة دعمه  في هذه الانتخابات الجارية.
يمكننا القول أن الصورة قد اختلفت من 2005 إلى 2010، فقد نشأت اتصالات وثيقة بين البلاد العربية وبين القبائل والأحزاب العراقية ، ولذلك فإنه من الممكن أن يكون إياد علاوي هو الأول ويحصل على أكثر من 90 مقعدا.
لذلك من المستبعد – وليس مستحيلا - أن يصبح نوري المالكي رئيسا للوزراء ولو حصل على أصوات أكثر من إياد علاوي ، بل لوعاد الشيعة وتحالفوا مع بعضهم ومع الأكراد ضد إياد علاوي فإننا أمام صورة جديدة ، نحن أمام حكومة ظل لم تكن موجودة من قبل ، هذه الحكومة لها بعد عربي وبعد عراقي كذلك.
 ولنا أن نقول أن التكتلات الموجودة الآن هلامية إلى حد بعيد، مثلا قد يستطيع الشيعة أن يأخذوا أصواتا من تكتل القائمة العراقية ، وقد تستطيع قوائم علاوي والمالكي أن تأخذ أصواتا من تكتل المجلس الأعلى وائتلافهم ، وقد تأخذ من التكتلات الصغيرة أو الأقليات ، فالحزب الإسلامي مثلا كتكتل صغير يمكن أن يلهث وراء من يعطيه وزارة أو وزارتين أيا كان ، وأما الأصوات في كردستان مثل التغيير والاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية ، فهؤلاء ربما - وإن كان التعصب القومي يوجد فيما بينهم - يتطلعون إلى التكتل المناويء للجبهة الكردستانية ، حتى أصوات العرب السنة الذين مع نوري المالكي يمكن أن تتركه وتبدل تحالفاتها. فهذه المرحلة ليست نهائية في التحالف القائم بتشكيل الحكومة.
إذاً الوضع القادم للعراق مهما تكن النتيجة وبغض النظر عن رئيس الوزراء الجديد سيكون مختلفا وسيصير مآل العراق إلى الدول العربية أقرب منه إلى إيران رغم أن إيران لها قاعدة كبيرة في العراق ، فالبعد عن إيران سيزداد إن شاء الله في السنوات القادمة ، فالحكومات العربية تريد العراق دولة علمانية خالية من السنة والشيعة.
إن النتائج التي حصل عليها السياسيون من الحزب الإسلامي دليل على أن من سار في طريق غير مستقيم فلابد أن يصل إلى نتيجة وخيمة ، وأعتقد أن عدد الأصوات من كتلتهم لا تتجاوز العشرة.
في النهاية لابد أن نذكر أن أوضاع أهل السنة سيئة ، ولكنها أقل سوءا من أوضاعهم خلال الفترة من 2003 إلى 2010.
فهل تقبل إيران ويقبل جمهور الشيعة تسليم رئاسة الوزارة لغيرهم؟! وهل يتنازل الأكراد عن مطامعهم الضيقة والتي لا تقف عند حد ؟!.
وهل يترك الأمريكان الشعب العراقي الذي عانى وما زال يعاني الويلات ، ويرحلون عن بلده ؟!.
وهل يتغير أداء السنة العرب فيسعون إلى وحدة صفهم ، وجمع كلمتهم ، وهل يتدبرون قوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " نأمل ذلك ونرجوه.
 
 
 

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©