قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


القدس .. من لها اليوم ؟ 

 2010-03-31

 

القدس ..من لها اليوم؟
         
نبيل النعيمي
هيجت مشاعري صورة طالبات مصريات صغيرات في القاهرة وهن يرفعن صورة المسجد الأقصى وقبة الصخرة مكتوب تحتها : "يا أقصى أقسمنا أقسمنا سنعود .... يا أقصى لو صرنا أصحاب الأخدود".
هذه الشعارات – في رأيي – صادقة وتعبر عن حب عظيم للمقدسات عند الشعوب الإسلامية ، وتعبر عن أمل كبير يحدوها نحو إرجاع القدس إلى أحضان المسلمين يوما ما.
القدس تسرق من أهلها شبرا شبرا ، بيتا بيتا ، حجرا حجرا ، المسجد الأقصى على شفا جرف هار، الكنس تبنى حول المسجد لكي تخنقه ، لا حراك سوى صيحات أهل القدس وبعض المظاهرات في الشارع الإسلامي.
بعد هزيمة العرب عام 67 والاستيلاء على الضفة والقدس ، واحتلال أراضٍ عربية أخرى ، تم الاعتداء على المسجد الأقصى باشعال الحريق فيه عام 69 ، يومئذ ظن اليهود أن العالم العربي والإسلامي سوف يسحق إسرائيل ويرميها في البحر كما كان البعض يردد ، وكانت الحكومات الثورية والقومية العربية مازالت في سدة الحكم ، مصر والأردن مازالتا يومها مع دول الطوق والمواجهة ، العراق كان قويا ومستقلا ، لم تكن هناك أي معاهدات سلام بين إسرائيل والعرب ، والفصائل الفلسطينية كانت في أوج قوتها تحمل السلاح وتقاتل العدو ، والشرق الإسلامي وغير الإسلامي كان يدعم القضية الفلسطينية على الأقل سياسيا ، ومع هذا فقد  تمخض الأمر كله عن قمة شجب وتنديد.
سئلت جولدا مائير عن أسوأ يوم لها ، فقالت : يوم حريق الأقصى ، لقد كانت تتوقع أن يهب العالم الإسلامي كله ليدمر إسرائيل ، ثم سئلت عن أسعد يوم في حياتها ، فقالت : اليوم الذي تلا حريق الأقصى ، لأن العالم الإسلامي لم يفعل شيئا سوى الشجب والتنديد ، واستمر مسلسل تهويد القدس والحفريات تحت المسجد الأقصى بعد ذلك دون أن يزعج إسرائيل أحد.
 إن الكلام عن مكانة القدس والمسجد الأقصى في الإسلام أمر محبب إلي ، وليس الحديث عن ذلك مقصودا في هذا المقال ، فهو القبلة الأولى ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال ، وهو ملتقى الأنبياء والرسل في الإسراء ، وأرضه مهبط الوحي.
السؤال الذي يلح علينا اليوم هو : هل تفعل الدول العربية والإسلامية شيئا حيال ما يجري في القدس؟ هل تستطيع هذه الدول أن تنقذ المسجد الأقصى ؟.
وقبل الإجابة على هذا السؤال ، هناك سؤال أهم وهو هل حال الدول العربية والإسلامية اليوم أفضل من حالها عام 69 عندما أحرق المسجد الأقصى؟
على المستوى العربي ، الدول العربية اليوم منقسمة إلى دول اعتدال ! وممانعة ! ، مصر والأردن لديها اتفاقيات سلام مع إسرائيل ، العراق تحت الاحتلال الأمريكي ، اليمن والسودان وغيرهما من الدول العربية غارقون في المشاكل والحروب الداخلية ، معظم الدول العربية تحت الهيمنة الأمريكية ، أما دول الممانعة كسوريا مثلا فهي لم تستطع أن تسترجع الجولان بالطرق السلمية فضلا عن أن تحرره بالقوة العسكرية، وهي في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل.
أما على المستوى الإسلامي ، فالوضع في الشرق الإسلامي ازداد سوءا ، أفغانستان تحت الاحتلال الأمريكي ، باكستان غارقة في الاقتتال الداخلي ومواجهة طالبان باكستان والقاعدة ونظامها تحت الهيمنة الأمريكية ، أما إيران فقد اعتدنا أن نسمع منها شعارات نارية لمحو إسرائيل من الخريطة ، ومواجهة الشيطان الأكبر ، والواقع يحدثنا عن مفاوضات ولقاءات سرية مستمرة مع أمريكا وإسرائيل ، والتعاون الإيراني - الأمريكي في احتلال العراق أكبر شاهد على زيف شعاراتها .
أما تركيا ، فالإنصاف يقتضي أن نذكر أن مواقفها أكثر صرامة وجدية ، فتركيا أرغمت إسرائيل على الاعتذار خلال 48 ساعة ، حين قامت الأخيرة بإهانة سفيرها في تل أبيب ، ومواقف أردوغان نقاط مضيئة في مواقف الحكومة التركية،  نرجو أن يرقى ذلك إلى مستوى أكثر فاعلية تتحقق به آمال المسلمين وعزتهم ونصرهم.
أما على المستوى الفلسطيني ، فالفلسطينيون منقسمون سياسيا وجغرافيا الآن ، ففي الضفة سلطة ضعيفة تركض وراء سراب السلام والدولة الفلسطينية ، وسلطة لحماس في قطاع غزة محاصرة ، لا تملك مقومات الحياة ، فضلا عن مقومات الحكومة أو السلطة ، وهي الآن في حالة اللاحرب واللا سلام.
إذاً واقعنا الآن أشد سوءا من واقعنا عام 69 رغم الإنكسار والانهزام والتفرق العربي ، فهل يمكن أن نتوقع أي خطوات عملية جادة من دولنا العربية خاصة ، والعالم الإسلامي عامة تجعل إسرائيل على الأقل تعيد النظر في حساباتها وما سوف تقبل عليه من إجراءات في القدس ؟
انتهت أعمال القمة العربية في ليبيا من أيام ، والتي غاب عنها زعماء دول مهمة كالسعودية ومصر، وغاب عنها الرئيس اللبناني وملك المغرب وبعض حكام دول الخليج ، كانت النتيجة رصد 500 مليون دولار في صندوق لجنة القدس ، الاتفاق على قمة عاجلة أخرى في سبتمبر القادم لمعالجة القضايا العالقة ، تنازل الرؤساء والملوك والقادة عن إلقاء كلماتهم ، وجاء البيان الختامي يندد بالاستيطان وربط المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بوقفه ، ومطالبة الرئيس الأمريكي بالتمسك بموقفه الرافض للاستيطان ، ودعا البيان لطرح الإجراءات الإسرائيلية في القدس أمام محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة ، والتوجه إلى مجلس الأمن لإرغام إسرائيل على تنفيذ التزاماتها.
فما أشبه اليوم بالبارحة ! انهزم العرب أمام إسرائيل في 67 ولم يفعلوا شيئا حيال حرق المسجد الأقصى ، واليوم هم أعجز وأضعف من أن يفعلوا شيئا حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وينصروا الله ، ويعودوا إلى المنهج الرباني الذي فيه قوتهم وعزتهم ونصرهم إن شاء الله.
 
 
 
 
 
 
 
 

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©