قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


حروب صعدة - موقف العلماء من الأحداث 

 2010-04-04

 

 
 
ذكرنا فيما مضى في الحلقات السابقة موقف الأطراف الداخلية في هذه الأزمة وبدأنا بموقف الحزب الحاكم ثم ثنينا بموقف أحزاب المعارضة وعلى رأسها ( اللقاء المشترك ) وها نحن في هذا اللقاء نذكر لكم مواقف مستقلة لبعض القوى الأخرى الفاعلة في هذه الأزمة
 
 مواقف مستقلة أخرى للقوى الفاعلة
أولاً: موقف العلماء:
1-      موقف علماء اليمن عموماً:
 
تأخر الموقف المعلن لعلماء اليمن عموما، ولم يظهر في بداية الأحداث، كون أن الحكومة تجاهلت مواقفهم، ولأن التعتيم كان هو المسيطر على مجريات الأحداث.
وبعد قيام الحرب الثانية بدأت الدولة تفكر جدياً في الاستعانة بعلماء اليمن لمواجهة الحوثي والفكر الذي يحمله ربما لاصطفاف علماء المذهب الزيدي مع الحوثيين -فيما ظهر للحكومة من تحركاتهم! فعقب صدور بيان عن الحوزتين العلميتين في (النجف) و(قُم)، واللَّذين أدانا الحكومة اليمنية واتهماها بقيادة حرب إبادة للشيعة الاثنى عشرية والزيدية في اليمن، عقدت جمعية علماء اليمن، في 13/4/2005م، اجتماعا، وأصدرت بياناً في 6/5/2005م، " دعت فيه الحوزتين إلى الاهتمام بما يجري في العراق بدلا من التعاطف مع متعصب خارج على الدستور والقانون"[1]. كما أكدت أن العناصر المتمردة "لا تمثل المذهب الزيدي". وأهابت الجمعية في ختام بيانها بالشعب اليمني أن "يقف وقفة رجل واحد إزاء كل فتنة أو فكر خارج عن ثوابت الأمة والوقوف خلف قياداتهم وعلمائهم لإفشال أي مخطط يستهدف وحدة الأمة وأمنها"[2].
وفي بيان لعلماء اليمن، الصادر عن اجتماعهم الذي عقد في 19-20/2/2007م. وصف العلماء ما يجري في صعدة بأنه "فتنة" أشعلتها "عناصر ضالة"؛ وأن الأحداث، التي أدت إلى سفك للدماء وإزهاق للأرواح وإهلاك للممتلكات وقطع للسبيل وتعطيل للمصالح وخروج عن الطاعة، كان دون مسوغ شرعي أو مستند قانوني أو مبرر واقعي، بل هي "ناتجة عن تبني أفكار ومناهج بعيدة عن مقتضيات الشرع وقواعده ومقاصده، أفسدت عقولهم، وغيرت من مسلمات دينهم، ودفعتهم إلى ممارسات خاطئة وأفعال منكرة".
مؤكدين أن التعصب للطائفية والمذهبية والحزبية جلب على الأمة الإسلامية كثيراً من الويلات والمآسي والأحزان، وأصبحت الشعوب الإسلامية ترزح تحت وطأتها وتصطلي بنارها وتتجرع غصصها.
ورأى العلماء أن الدولة أقامت على الحوثيين الحجة، بوسائل وطرق عدة، ابتداء بحوار العلماء لهم ودحض ما علق بأذهانهم من شبه وأفكار، مروراً بإرسال لجان الوساطة من كل الفئات والشرائح الاجتماعية، وانتهاء بعفو رئيس الجمهورية.
وأضاف البيان: لكنهم واجهوا الإحسان بالإساءة والوفاء بالنكران والنعم بالجحود. وبعد هذا كله فلا يجوز السكوت عن منكرهم ولا يترك لشرهم أن ينتشر ولباطلهم أن يستمر.
محملا الدولة واجب حفظ الأمن وحماية المجتمع وصون المصالح، وبسط سيادتها على كل شبر من أرض اليمن، وإيصال الخدمات إلى كل مواطن، والأخذ على أيدي كل مثير فتنة أو خارج على الشرع والقانون، ومحاسبة وإحالة من ثبت إدانته وتعديه على النفوس والأموال والأعراض إلى القضاء.
وحثَّ علماء اليمن الشعب بكل فئاته أن يقف صفاً واحداً مع الدولة لمواجهة كل ضرر أو عدوان يحل بالأمة. مؤكدين "أن تلك الأفكار والمعتقدات المتطرفة –إشارة إلى أفكار ومعتقدات الحوثيين- لا تمت إلى اليمن بصلة، إذ أن يمن الأيمان والحكمة آمن وانطلق من الفكر الإسلامي المتحرر المستنير البعيد كل البعد عن التعصب المذهبي أو التحيز لقول أو الغلو الممقوت أو التكفير المستبيح".[3]
وفي 15/5/2007م، عقد رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح لقاءً بعلماء اليمن دعاهم فيه لعمل ما يلزم لتجنيب اليمن الفتنة التي أشعلها المتمردون في محافظة صعدة. وقال في كلمته التي ألقاها أمامهم: "أفوض هذا المؤتمر (مؤتمر علماء اليمن المنعقد في صنعاء) تفويضا كاملا بعمل كل ما يلزم ليجنبنا الفتن ويحقق دماء اليمنيين"[4]. وبعد نقاش استمر ثلاثة أيام صدر بيان العلماء الذي طالب علماء اليمن فيه المقاتلين الحوثيين بإلقاء السلاح والاستسلام للفرصة الأخيرة. في مقابل ذلك رد يحبى الحوثي على البيان بوصفه عسكريا[5]. وكان من مطالب العلماء في بيانهم  للحوثيين العودة إلى الصواب وإلقاء السلاح وترك البغي على الأمة وتسليم أنفسهم حقنا للدماء[6].
وتوجهت لجنة من العلماء -في 19/5/2007م- إلى صعدة برئاسة القاضي حمود الهتار -وزير الأوقاف، لإبلاغ الحوثي وأنصاره بفحوى رسالة العلماء، لكن عبدالملك الحوثي لزم الصمت إزاء رسالة العلماء[7].
غير أن لجنة علماء اليمن فشلت في اللقاء بعبدالملك الحوثي وعبدالله الرزامي، كما فشلت في إقناع وسطاء من مشايخ صعدة للتواصل عبرهم مع الحوثي، وهكذا عادت لجنة العلماء أدراجها.[8]
وعقب أشهر من هذا المؤتمر، وتحديدا في الثلث الأخير من شهر أكتوبر 2007، دعا ما يقارب 100 عالم يمني إلى عقد ندوة موسعة لعلماء اليمن من أجل الوقوف أمام الأوضاع في اليمن وتوضيح الواجب الشرعي منها. وجاء في البيان الصادر عن هذه الندوة: "أن العلماء بصدد تشكيل لجنة تحضيرية لعقد الندوة الموسعة وإقرار تشكيل عدد من الوفود سيتم تكليفها بالتواصل مع الدولة والمعارضة وبقية أطراف النزاع وذلك بغرض تقديم النصح والوقوف عن كثب أمام تصوراتهم وأرائهم إزاء الأوضاع الراهنة قبل تقديمها للعلماء لتدارسها"[9].
كما أفتى العلامة محمد بن إسماعيل العمراني بأن ما يقوم به الرافضة ليس من شعائر المسلمين وأن على العلماء النهي عن المنكر والسعي إلى قمعهم قبل أن يستفحل الداء.[10]
كما أدان علماء اليمن تمرد الحوثي وأحداث صعدة في مؤتمر هيئة الفضيلة إبان الحرب الخامسة.
وهكذا نجد أن دور العلماء اقتصر على البيانات، وأنه كان في غالبه بدافع من الدولة حيث لم يكن استثناء من ذلك سوى الندوة التي عقدت بهذا الشأن في صنعاء.
2-     موقف علماء المذهب الهادوي:
 
شارك كبار علماء المذهب في الوساطات المتكررة الهادفة لإقناع حسين بدر الدين بالقدوم إلى صنعاء تلبية لدعوة الرئيس، قبيل الأحداث. وقبل أسابيع من انفجار الأحداث أصدر عدد من الفقهاء الكبار في المذهب الهادوي بياناً مفاجئاً أدانوا فيه الآراء الفكرية التي تتضمنها ملازم حسين بدر الدين الحوثي وأشرطة الكاسيت لمحاضراته ووصفوها بالضلالات التي تتعارض مع المذهب الزيدي[11].
ومع بدء تسيير الحكومة للحملة العسكرية الأولى ضد حسين الحوثي أدان علماء الهادوية هذا السلوك الحكومي معلنين براءتهم من استغلال بيانهم السابق في إدانة أفكار الحوثي في التبرير لضربه عسكرياً، معتبرين خلافهم معه خلافاً في الاجتهاد السائغ الذي لا مجال للإنكار عليه[12].
وفي هذه الأثناء بذلت الشخصيات الهادوية (الاجتماعية والدينية والحزبية) قصارى جهدها في احتواء الأزمة مبتدئة سلسلة وساطات متعددة باءت معظمها بالفشل نتيجة لتمسك الطرفين بموقفهما وفي 5/7/2004م ألقى رئيس الجمهورية كلمة عن أحداث صعدة في اجتماع دعا إليه جمعا من العلماء والفقهاء والشخصيات الاجتماعية المحسوبة على المذهب الهادوي الزيدي.[13]
وفي 21/7/2004م تبنى العلامة محمد محمد المنصور -أحد كبار المرجعيات الهادوية الزيدية في اليمن- مبادرة لإقناع حسين الحوثي بتسليم نفسه للدولة، فأمر الرئيس على إثرها بإيقاف العمليات العسكرية لإتاحة الفرصة للمبادرة. لكن المبادرة فشلت. ومع ذلك تابعت الشخصيات الاجتماعية والدينية المحسوبة على المذهب الهادوي جهودها في لجان الوساطة الرئاسية المشكلة بعد ذلك مع غيرهم من الشخصيات.[14]
وفي 23/5/2006م وجه علماء محسوبون على المذهب الهادوي رسالة شكر لرئيس الجمهورية على قرار الإفراج عن العلامة يحيي الديلمي والعلامة محمد مفتاح، وهما من رموز المذهب الذين وجهت لهما تهم بالتخابر مع إيران ودعم التمرد.
وفي 14/1/2007م وجه أكثر من 300 عالم من علماء الزيدية رسالة إلى رئيس الجمهورية يطالبونه فيها بالإفراج عن (خلية صنعاء)، كما طالبوا فيها بالإفراج عن بقية المعتقلين على ذمة أحداث صعدة، وكان من ضمن الموقعين: محمد المنصور وحمود المؤيد وأحمد الشامي وإبراهيم محمد الوزير[15]. والخلية المشار إليها متهمة بممارسة أعمال إرهابية -محاولات اغتيال- في العاصمة نصرة لتمرد الحوثي في صعدة.
وفي 5/2/2007م وجه علماء المذهب الهادوي وعلى رأسهم محمد المنصور وحمود المؤيد وعلي الشامي وإبراهيم الوزير ومرتضى المحطوري، رسالة إلى رئيس الجمهورية، فيها مقترحاتهم بشأن القضاء على أسباب تجدد الاشتباكات في صعدة، وبما يؤدي إلى عودة أنصار الحوثي إلى قراهم والنزول عن الجبال. وقد عدها المراقبون مؤشرا على بداية فتنة مذهبية حيث تضمنت مقترحات مذهبية واضحة.[16]
لقد مثلت رسالة علماء الزيدية رؤية التيار الزيدي للمكاسب التي يجب أن تتحقق قبيل إنهاء الحرب. حيث يظهر جليا فيها الانحياز المذهبي الكامل والوقوف الضمني إلى جانب مطالب الحوثيين وتأييد وجهة نظرهم في كثير من القضايا. فهي تصف أتباع الحوثي بـ(الأنصار)! ولا تبدي أي استنكار لإشهارهم السلاح وخروجهم على الدولة! كما أنها لم تحملهم أي مسئولية تذكر في سفك الدماء وقتل الأبرياء فهي لم تعرج على تقييم الحرب وأطرافها لتبين الموقف الشرعي والواجب الحتمي على الأطراف؛ بل هي تطالب بإطلاق سراح "جميع المعتقلين على ذمة أحداث صعدة بلا استثناء"!
كما أن الرسالة جعلت حركة الحوثي ندا للدولة، بل هي تؤيد مطالبهم بسحب قوات الدولة من المنطقة، وجعلها دائرة مغلقة فكريا ومذهبيا على تيار معين! في حين أنها تنص على "منح الحرية الفكرية الكاملة، وممارسة جميع الشعائر الدينية، حسب المذهب المعروف لأهل المنطقة، دون أي اعتراض أو مضايقات"!
ورغم تنصل بعض العلماء من هذه الرسالة، إلا أن صحيفة (البلاغ) أثبتت توقيعاتهم عليها.
وفي مطلع شهر مارس 2008م وجه جمع من علماء المذهب الهادوي رسالة للرئيس يشكون فيها ما يتعرض له المذهب الزيدي من مضايقات. فوجه رئيس الجمهورية على إثرها ثلاث مذكرات إلى المسئولين في محافظة صعدة، خاطب في المذكرة الأولى محافظ صعدة اللواء مطهر المصري وقائد المنطقة الغربية علي محسن الأحمر بفتح المدارس وإعادة المساجد التي تم سلبها وعدم عرقلة طالبي العلم، في حين حملت المذكرة الثانية ذات التوجيه، وتضمنت الثالثة أمرا بعدم التعرض إلى فكر الزيدية.[17]
وفي منتصف أغسطس 2008م وجه عدد من علماء المذهب الهادوي، من أبرزهم محمد المنصور وحمود المؤيد وأحمد لطف الديلمي ومحمد بن علي المنصور وعلي أحمد الشامي وعبدالسلام الوجيه ويحيى حسين الديلمي ومرتضى المحطوري, رسالة إلى رئيس الجمهورية يطالبونه فيها بإطلاق جميع المعتقلين على ذمة أحداث صعدة من أبناء المذهب الزيدي![18]
وهكذا يظهر جليا أن موقف علماء المذهب الزيدي لا يحمل أي إدانة للحوثيين، بل هو يقف سندا إلى جانبهم باعتبار مظلوميتهم! يقول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: "أنا أطالب بحقوق الزيدية، الحوثي لا أتكلم عنه ولا أدينه! ولا يتصور أن أدينه بل أعتبره مظلوما".[19]
ويمكن تلخيص موقف علماء الهادوية من الأزمة في النقاط التالية:
1-     التنديد بالحرب والدعوة إلى حل الأزمة بالمفاوضات.
2-     عدم إدانة الحوثي واعتباره مظلوماً.
3-     تحميل التيار السلفي والقادة العسكريين المتأثرين به مسؤولية ما يحدث.
4-     التحذير من استغلال أجواء الحرب في التضييق على المذهب الزيدي (الهادوي).
5-     المطالبة بالإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية الأحداث من أتباع المذهب الزيدي.
6-     التحدث بالنفس المذهبي الطائفي حول الأحداث وتصويرها على هذا النحو!
 


[1]الوحدوي، عدد 660، في 10/5/2005م.
[2] الناس، عدد 245، في 9/5/2005م.
[3]  موقع (سبأ نت)، في 20/2/2007م.
[4] الشورى، عدد 596، في 16/5/2007م.
[5] الناس، عدد 347، في 21/5/2007م.
[6] الشموع، عدد 384، في 19/5/2007م.
[7] الصحوة، عدد 1079، في 24/5/2007م.
[8] انظر: الغد، عدد 9، في 28/5/2007م.
[9] الشورى، عدد 620، في 21/11/2007م.
[10]  الشموع، عدد 436، في 31/5/2008م.
[11]  انظر: بيان علماء الزيدية، الصادر في 28/3/1425هـ.
[12]  انظر: بيان علماء الزيدية في إعلان براءتهم من الحملة العسكرية.
[13]  التقرير الاستراتيجي اليمني 2004م، مرجع سابق، ص(171).
[14]  البلاغ، عدد611، في 5/4/2005م. وبالنظر إلى لجنة الحوار الفكري يلاحظ أن معظمها من رموز التيار الهادوي، وممن كانوا يوماً من مرجعيات ما يسمي بـ(الشباب المؤمن)، أمثال: محمد محمد المنصور والقاضي أحمد الشامي وحمود المؤيد والدكتور مرتضى المحطوري.
[15]  البلاغ، عدد 712، في 16/1/2007م.
[16]  البلاغ، عدد 715، في 6/2/2007م.
[17]  الوسط، عدد 186، في 5/3/2008م. وتجدر الإشارة إلى أن من الموقعين على الرسالة: حسين مجد الدين المؤيدي ومحمد يحيى الحوثي!
[18]  البلاغ، عدد 793، في 19/8/2008م.
[19]  البلاغ، عدد 761، في 8/1/2008م.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©