قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


حروب صعدة - من المستفيد وما هو المستقبل؟ (1) 

 2010-05-12

 

 
 
 
 الأطراف المستفيدة من بقاء الأزمة
إن أول ما يخطر على البال عند التفكير في أحداث صعدة التساؤل عن المستفيد من الأزمة واستمرارها؟
الحديث في الإعلام يذهب بعدة اتجاهات وتأويلات وتفسيرات في هذا الشأن. وهي في مجموعها لا ترقى إلى مستوى التحليل الموضوعي والتدقيق الفاحص.
فهناك من يتحدث عن خلاف داخلي بين أجنحة ما بات يُتحدث عنه في اليمن من وجود أسرة حاكمة -أو نخبة السلطة في رأي آخر. وما يجري هو تصفية حسابات أو صراع نفوذ بين أطراف الخلاف. وهذا التأويل يريد أن يلقي باللائمة كاملا على السلطة والقيادة السياسية، ويهرب من حقيقة وجود حقائق أخرى على أرض الواقع أو يحاول صرف النظر عنها لكي لا تتكشف!
وهناك من يتحدث عن محاولة من القيادة السياسية لاستدرار الولايات المتحدة والجارة الكبرى المملكة العربية السعودية ماليا من خلال افتعال خصم لهما. باسم (الإرهاب) للأولى و(المد الشيعي الإيراني) بالنسبة للثانية. وهي نظرة سطحية من ناحية، ومن ناحية أخرى هي تحاول التغطية على بعض الحقائق كالتفسيرات السابقة للغرض ذاته.
وهناك من يحيل المسألة إلى الفقر! وأن حركة الحوثي حركة مطالبة بحقوق في منطقة تفتقد للخدمات! ومن ثمَّ فلا يوجد خلفها أي دوافع مذهبية وطائفية وسياسية! وبالتالي فلا وجود لأطراف مستفيدة بقدر ما هو نزاع بين دولة فاسدة في أدائها ومجتمع يطالب بحقه في العيش الكريم! وهو تفسير لا يحتاج من المتابع لأحداث صعدة للوقوف عنده كثيرا! بل هو يناقض أدبيات الحركة وخطابات رموزها المنشورة.
وعليه فإن القول بأن الدولة مستفيدة مما يجري، وأن من مصلحتها وجود نزاع من هذا النوع، ترده حقائق الجهود التي بذلتها الدولة للحلول السلمية عوضا عن الحل العسكري؛ والواقع الذي تعاني منه والمهدد لوجودها وبقائها، ابتداء من تحالف الأحزاب عليها، وغياب الشعبية الجماهيرية لها، ووجود أزمات متكررة -بما فيها الجنوب- تتهدد كيانها! وكثرة الانتقادات الموجهة لها إقليميا ودوليا.
والقول بأن هناك أطرافا في السلطة –من العائلة الحاكمة أو النخبة- لها مصلحة فيما يجري هو من قبيل الرجم بالغيب الذي لا تسنده أدلة فعلية وأسباب منطقية. أما كون أنَّ هناك من يستفيد من الحرب من حيث هي قائمة فهذا أمر موجود في أي صراع بين أطراف مختلفة. وقد قيل قديما (مصائب قوم عند قوم فوائد)! ولكن هل يعني ذلك أن هذه الأطراف المستفيدة هي من أجج الصراع وهي من يغذي استمراره؟! بدون شك أن الإجابة بلا هي الإجابة الأقرب للصواب، خاصة إذا رجع الباحث والمتأمل لتصريحات طرفي الصراع وامتلاك كل منهما سببا لخوض الحرب، ربما تكون أسبابهم المعلنة غير مقنعة لكنها تظهر إرادة في كسر الآخر لسبب ما!
ومع ذلك فإن احتمال أن يكون في السلطة من عمل للتخطيط من أجل انقلاب على النظام الحاكم في اليمن من خلال مشروع تجتمع عليه أطراف لها مصلحتها من وراء القضاء على هذا النظام غير مستبعد. وهو أمر له ما يبرره في نظرنا. فهناك شخصيات سياسية أصبحت مبعدة عن القرار ومهمشة في السلطة، فهي تشعر بالحرمان وكفران القيادة السياسية لأدوارها في خدمة النظام. ومن هؤلاء كمثال: الدكتور عبدالكريم الإرياني.[1]
وقد مثَّل الإرياني شخصية مثيرة للجدل نظرا لطبيعة رؤاه وأفكاره وسياساته التي يعمل لأجلها. فعلاقته القوية بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتحمسه لتنفيذ برامجهما، جعل من حكومته أداة طيعة لتنفيذ سياستهما عبر ما عُرف بـ(برنامج الإصلاح الاقتصادي)، والذي تشرف عليه المؤسستان الدوليتان.
وهو متهم بولعه بالتطبيع، فله علاقاته مع بعض القوى الصهيونية حسب بعض المراقبين. وسبق له المشاركة في مؤتمرات وفعاليات يحضرها وفود إسرائيليون. وقد شهدت فترة توليه رئاسة الوزراء زيارات علنية لسياح إسرائيليين إلى اليمن. وهي أمور وجدت إدانتها من قبل القوى السياسية والاجتماعية والدينية، بما فيها المؤتمر الشعبي العام، حيث وجهت صحف مقربة من القيادة السياسية –آنذاك- اتهاما له بالاتصال بمسئولين إسرائيليين واللوبي اليهودي الأمريكي وإبرام صفقة ترحيل آخر يهود صعدة إلى فلسطين! بل وصف بأنه "جسر النفوذ الأمريكي والصهيوني المتسلل إلى اليمن"! خلال حملة صحفية حامية شنت عليه، شملت المقالات والأخبار ورسوم الكاريكاتير الساخرة. وعندما سئل، عن سر الهجمة الإعلامية التي تستهدفه من داخل الحزب الذي يقوده، رد بمقولته التاريخية: "إنها مكافأة نهاية الخدمة!".
كما اتسمت طبيعة العلاقة بين الإرياني والتيار الإسلامي عموما بالنفور والتصادم في غالب الأحيان. فخلال توليه الأمانة العامة لحزب المؤتمر الشعبي العام عمل جاهدا على مواجهة التجمع اليمني للإصلاح وإبعاده عن الشراكة الحكومية التي كانت قائمة بين الحزبين عقب حرب (94)، وذلك من خلال منافسته على مقاعد البرلمان بصورة بلغت حدا من الدموية خلال الانتخابات. وسعى بعدها لإضعاف حركة الإخوان المسلمين من خلال مواقف مختلفة. من أكثرها بروزا موقفه من المعاهد العلمية التي سعى جاهدا لإلغائها. وقد كتب في افتتاحية صحيفة (الميثاق)، عدد (1010)، واصفا إياها بأنها ترتدي "مسوح الرهبان"، وأنها "جزء من آليات الصراع الشطري"، مصورا لها بأنها "مناطق بركانية تهدد وحدة المجتمع وتقوض أساس ومقومات بناء الدولة اليمنية الحديثة"، ومؤكدا عدم تصوره لـ"مستقبل آمن ينتظر اليمن في ظل وجودها"!
كما أنه ومن خلال موقعه كأمين عام للمؤتمر الشعبي العام أحدث أهم المنعطفات التاريخية في حياة المؤتمر حيث أجري تعديلٌ على (الميثاق الوطني) الذي يمثل الإطار الفكري والسياسي للمؤتمر، والذي صبغ بنفس إسلامي إلى حدٍ كبير.
وللإرياني مواقفه المضادة لمظاهر دينية مختلفة كهيئة الفضيلة التي هاجمها مؤخرا![2] وهي مواقف تستند إلى خلفياته التاريخية وميوله الأيديولوجي. فقد انتمى الإرياني في أوائل توجهه السياسي إلى حركة القوميين العرب، والتي كان أول تشكل لها في عدن عام 1959م، ثمَّ لم تلبث أن توسعت إلى الشمال.[3] وعقب قيام الوحدة اليمنية انضوى تحت المؤتمر الشعبي العام.
الإرياني الذي يوصف بأنه "مهندس العلاقات اليمنية الأمريكية" كان على الدوام مبغضا للسعودية ومعارضا لسياستها. وهو ما دفع السعودية لمبادلته الشعور والسلوك ذاته.
هذه القضايا جعلت شخصية مثل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر[4] يشير إلى أن الخلاف بينه وبين الإرياني "من قبل ثلاثين سنة على قضايا وآراء"!
ومنذ صعوده على "منصة المشهد السياسي" لم يغب الإرياني عن الساحة، فقد رعى عددا من اللقاءات والحوارات التي كلفه بها الرئيس، كما أدار عددا من ملفات الخلاف مع الآخرين سواء المحليين أو الدوليين. كما أن الرجل كان من المقربين للرئيس علي عبدالله صالح في فترة حكمه، حيث شارك في رسم السياسة اليمنية وترسيخ النظام الحاكم وإدارة العديد من ملفات الأزمات التي عصفت باليمن خلال هذه الحقبة. واتصف في أدائه بالدهاء والحنكة والجلد.
إلا أنه مؤخرا ورغم تعيينه مستشارا لرئيس الجمهورية يشعر بالتهميش، فقد صرح لمجلة (المجلة)[5] بأنه "متقاعد"!
وقد صرح حيدر أبو بكر العطاس[6] –رئيس وزراء أول حكومة يمنية عقب الوحدة- بأن الإرياني "ممَّن يتمنى أن يتخلص من هذا النظام، ويبحث عن اليوم الذي يستطيع أن ينفذ فيه بجلده ويخرج". وأضاف: "كان من الناس الذين يرون أن اليمن يتجه نحو الهاوية، وفي نظره لا يوجد أفق مفتوح للبلد". وإذا كان الإرياني يصف العطاس بأنه "صديق" وأن "صداقته به قائمة ولن تزول"[7]. فإن تصريح العطاس يأتي من خبير بحقيقة ما يخفيه الرجل.
وبالرغم من ذلك فقد أكد الدكتور عبدالكريم الإرياني[8] أن "حركة التمرد التي أشعلت في صعدة لا تتفق مع تاريخ الجمهورية اليمنية، ولا علاقة لها بالنسيج الاجتماعي اليمني، ولا بالتاريخ الثقافي والسياسي والديني اليمني"، واصفاً إياها بأنها "نبتة شيطانية، استقت ماءها من خارج منابع التراث والتاريخ اليمني".. محذرا الذين ينساقون إليها من كونها فتنة "ستحرقهم"!


[1]  ولد الإرياني عام 1934م، في حصن إريان بإب، لأسرة عريقة ذات تاريخ وعلم. حصل على الثانوية العامة في القاهرة عام 1956م. وفي عام 1958م سافر إلى أمريكا وحصل على البكالوريوس، ثمَّ الماجستير والدكتوراه في العلوم الزراعية. عاد إلى اليمن عام 1967م. تقلد عدة مناصب حكومية، منها: وزيرا للتنمية ورئيسا لهيئة التخطيط المركزية (1974م – 1976م)، ووزيرا للتربية والتعليم ورئيسا لجامعة صنعاء (1976م – 1978م)، ورئيسا للوزراء (1980م – 1983م)، ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا الخارجية (1984م -1990م)، وزيرا للخارجية (1990م – 1993م)، ووزيرا للتخطيط (1993م – 1994م)، ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للخارجية (1994م – 1997م)، ورئيسا للوزراء (1998م – 2001م). وعُيِّن منذ مايو 2001م في منصب المستشار السياسي لرئيس الجمهورية. انتخب أمينا عاما للمؤتمر الشعبي العام منذ المؤتمر العام الخامس للحزب عام 1995م.
[2]  في حواره له على قناة (الحرة).
[3]  الحياة الجديدة؛ عدد خاص بمناسبة رحيل جورج حبش، منتصف أبريل 2008م، عن الدائرة الثقافية المركزية بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. متوفر على النت.
[4]  في حديث لوكالة (قدس برس) بتاريخ 18/5/2000م.
[5]  في 27/3/2008م.
[6]  في حوار مع صحيفة (النداء) بتاريخ 13/11/2008م.
[7]  حسب حوار له مع قناة (الحرة)، انظر: أخبار اليوم، في 9/9/2008م.
[8]  في حوار مع صحيفة (26 سبتمبر) عدد 1184.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©