قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    كلمة المشرف  


ظاهرة الصدر في لبنان - الحلقة 1 

 2010-05-29

 

مقـــدّمــة
 
إيراني الولادة والنشأة والجنسية ، قال : إنه من أصول لبنانية ، وإن أحد أجداده غادر لبنان منذ حوالي ثلاثة قرون واستقر في إيران.
هذا الإيراني ابتعثه الشاه وجهاز أمنه ومراجع الشيعة مثل شريعتمداري وغيره ، إلى لبنان لتنفيذ مخطط يخدم النظام الكسروي المعاصر . وخلال بضع سنين أو يزيد قليلا ، استطاع تحقيق ما يلي :
·        أصبح رقما لا تستطيع الدولة تجاهله ، وكيف تتجاهل منيمثل ربع سكان لبنان ؟!.
·        نقل قومه من مؤخرة الركب إلى الصدارة ، ومن الفرقة إلىالوحدة ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الهوان إلى العزة .
·        وعلى المستوى الإقليمي ، حوّل وجهة شباب الطائفة ، مناليسار واليمين إلى التمسك بالعصبية الطائفية ، ومن المناداة بالشعارات القوميةالعربية التي ترفع لواءها قاهرة عبد الناصر ، وبعث كا من دمشق وبغداد إلى الشعاراتالباطنية التي تنادي بها كل من : قم ، ومشهد ، والنجف.
·        تحالف مع الطغمة النصيرية التي اختطفت الشام من يدأبنائها ، ثم ربط هذه الطغمة بشاه إيران فأقامت معه أوثق العلاقات ، ثم تحولت هذهالعلاقات إلى حلف باطني خطير أيام ثوار الخميني الذين كانوا يترددون على لبنان قبلاختفاء الصدر.
·        ومن آثار هذا الحلف الدنس : فوضى .. وحروب .. واغتيالات .. وإرهاب .. وشعارات ليس فيها أدنى مصداقية .. كل هذا يجتاح المنطقة منذ أكثر منثلاثين عاما ، ولم يسلم منه أي بلد عربي.
أهل السنة في لبنان الذين اصابهم ما أصاب الشيعة قبل أربعين عاما .. يحتاجون إلى دراسة ظاهرة الصدر في لبنان ، وكيف نهض بطائفته من العدم ، إلا أن مصلحهم المرتقب يجب أن ينطلق في مسيرته من معالم هذا الدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومن أخلاق المصلحين من أعلام الإسلام ، وما ذلك على الله بعزيز . [1]  
 
محمد سرور زين العابدين
نبذة عن حياة الصدر
الحلقة الأولى
" في الرابع من حزيران سنة 1928م ، وفي مدينة ] قم [ أبصرت عينا الإمام موسى الصدر النور ، وسمّاه والده المرحوم آية الله العظمى السيد صدر الدين صدر باسم : ( موسى ) تيمّناً باسم جده الأعلى الإمام موسى الكاظم ، والذي تنحدر منه هذه الأسرة العريقة. وتعتبر أسرة الصدر امتدادا لسلسة عريقة ، تتصل عبر القرون متمادية بسلسلتين من الأسر المعروفة : أسرة ( الصدر ) ، وأسرة   (شرف الدين) ، فأنجبت للمجتمع شخصيات كبيرة خدمت الدين والمجتمع بمواقفها العلمية والسياسية في إيران والعراق ولبنان.
أما والده صدر الدين فقد ولد سنة 1299 هـ في الكاظمية ببغداد ، ثم هاجر إلى كربلاء ..، ثم هاجر مرة أخرى إلى النجف .. ثم هاجرإلى إيران ، وسكن مدينة مشهد بجوار مرقد إمامهم الرضا ، وتزوج من السيدة ( صفية ) كريمة المرجع الكبير آية الله العظمى الحاج حسين القمي ... ثم استقر صدر الدين في مدينة قم ، فكان معاونا للشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم".
وعن دراسته يقول المترجم :
" أنهى الإمام موسى الصدر دراسته الإبتدائية في مدينة قم .. في إبتدائية ] الحياة [ ، والثانوية في مدرسة ] سناي[.
وفي عام 1941م انتسب إلى الحوزة العلمية – كعادة أبناء أسرته – ثم قرر اللحاق بركب العلوم الأكاديمية ، حيث التحق بكلية الحقوق في جامعة طهران عام 1950م ، بعد أن نجح في اختبار الامتحان التمهيدي ، فكانت عمامته أول عمامة تدخل الحرم الجامعي ، فنال شهادة الليسانس ] البكالوريوس أو الإجازة [ في الحقوق الاقتصادية عام 1953م ، على أطروحته : الترجمة ] شروطها وصحتها [ .. وتعلم اللغتين : الإنكليزية والفرنسية إضافة إلى العربية والفارسية التي تعتبر لغته الأصلية.
وعن أهم أقربائه :
·          شقيقه : رضا الصدر وهو من آيات قم ومراجعها.
·          ابن عمه محمد باقر بن حيدر الصدر وزوج أخته قتله نظام البعث الحاكم يوم الثلاثاء 23 جمادى الأولى من عام 1400هـ ، كما قتل أخته بنت الهدى ، وسلّم جثتيهما بسرية تامة إلى ابن عمه محمد صادق الصدر.
·          محمد بن محمد صادق الصدر ابن عم موسى الصدر كذلك ، وأحد مراجع الشيعة في العراق] ووالد مقتدى الصدر الذي برز اسمه بعد احتلال الأمريكان وحلفائهم للعراق [ ، قتل سنة 1419هـ ، ولا يعرف قاتله ، فنظام البعث يتهم إيران ، وإيران ترد التهمة لنظام البعث العراقي.
·          عبد الحسين شرف الدين – صاحب كتاب المراجعات - ، ومن أشهر مراجع الشيعة في هذا العصر ، أمه زهراء بنت السيد هادي الصدر ، ومن ثم فالصدر وشرف الدين أبناء عمومة.
·          أحمد بن الخميني زوج ابنة أخت موسى الصدر ، وابن أخت موسى الصدر مرتضى طبطبائي متزوج من حفيدة الخميني.
وموسى الصدر بعد ذلك درس على كبار علماء الشيعة في كل من إيران والعراق ، ومن أشهرهم مع الاحتفاظ بلقب آية الله : البروجردي ، كاظم شريعتمداري ، صدر الدين الصدر ] والده [ ، محسن الحكيم ، أبو القاسم الموسوي الخوئي ، عبد الهادي الشيرازي . ومن الطلبة الذين درسهم الصدر : هاشم رفسنجاني ، حسن البهجتي ، محمد رضا التوسلي ، علي أصغر المسلمي الكاشاني [2]".
لماذا اختار الصدر لبنان ؟!
يسبق هذا السؤال سؤال آخر:
هل موسى الصدر هو الذي اختار لبنان موطنا له ، أم هناك جهة أخرى اختارتها له ليؤدي دورا ما فيها ؟!.
للجواب على هذين السؤالين لابد لنا أولا من الحديث عن مكانة لبنان في مرحلة الخمسينات من القرن الماضي : كانت لبنان في المنطقة العربية وما يجاورها من دول تشبه سويسرا بالنسبة إلى العالم كله .. فمن يهرب من بلده يلجأ إلى لبنان ، ومن يريد حبك مؤامرة ضد بلد من البلدان يتخذ من لبنان ميدانا لما يدبره ... وطوائف لبنان وأحزابها مرتبطة أشد الارتباط بجهات خارجية : ففرنسا أم الموارنة الحنون ، وإيران أم الشيعة ، والدول العربية هي العمق الاستراتيجي للسنة ولأصحاب الاتجهات القومية مهما كانت ديانتهم ، وكان لعبد الناصر الحظ الأوفر بين هؤلاء.
ففي النصف الثاني من الخمسينات في القرن الماضي ، انحاز شيعة لبنان إلى الخندق العروبي الناصري ، وخاصة بعد حرب السويس عام 1956م ، وبعد وحدة سورية مع مصر التي أسفرت عن قيام الجمهورية العربية المتحدة .. وهذه الأجواء كانت فرصة ذهبية لعبد الناصر ، فكان يوزع الأموال ، ويشتري الذمم ، ويستفيد من كل شاردة وواردة.
كانت العداوة في هذه المرحلة على أشدها بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، فالأول كان يتعاون مع إسرائيل ، اعترف بها علنا ، وتبادل معها السفراء ، وكان خبراؤها العسكريون يدربون جيشه ، كما كان عضوا فعّالا في حلف بغداد ... ولهذا فقد كان الصراع بين الزعيمين : ناصر والشاه يجري على الساحة اللبنانية. يقول السياسي الإيراني الدكتور موسى الموسوي :
" قال الشاه مرة لأحد السياسين : إني أخشى من جمال عبد الناصر أكثر مما أخشاه من الجارة الشمالية . وعندما سئل عن السبب قال : إن جزءا كبيرا من شعبي يتجاوب مع فكرة الوحدة العربية أكثر مما يتجاوب مع الشيوعية ومبادئها بكثير.
" وفي سنة 1958م وضع الشاه كل ثقله بجانب الرئيس اللبناني كميل شمعون عندما ثار الوطنيون ضده ، وأرادوا الإطاحة به. بعث له مساعدة مالية بمبلغ نصف مليون باون في خمس مرات ، في كل مرة مائة ألف باون ، كما ساعده بكميات كبيرة من السلاح ، وكانت الأسلحة تشحن في صناديق كبيرة كتب عليها ] الرخام إلى قصر الرئاسة [ . وكانت الطائرات العسكرية الإيرانية تقوم بإيصال صناديق الأسلحة إلى بيروت ، وكان الشاه سخيا وفي غاية الكرم مع شمعون إلا أن شمعون كان أسخى وأكرم منه ، فلقد جاد الشاه عليه بالمال ، وهو جاد عليه بالشرف والكرامة. الشاه أعطى شمعون من أموال الشعب الإيراني وأسلحته ما قد يغنيه ، وشمعون أعطى الشاه من الشعب الإيراني أربعة ضباط أحرار لجأوا إلى بلاده ... وقتل الشاه الضباط الأربعة بعد أن عبث بجثثهم وأخفى قبورهم في سبيل سلامة عرشه " .
وإذن خاض الشاه معركة ضارية ضد عبد الناصر في لبنان ، وخاض معركة أخرى ضده في اليمن ، يقول الدكتور موسى الموسوي :
          " وفي الثورة اليمنية وقفت حكومة الشاه بجانب الملكيين ، وأيدتهم بالمال والسلاح ، وكانت ترسل إليهم البواخر ، كما أرسلت إليهم خبراء عسكريين .. وعندما غرقت باخرة عدنية في البحر الأحمر عرف العالم أنه كان على متنها سبعون ضابطا إيرانيا لاقوا حتفهم ، وهؤلاء الضباط كانوا في طريقهم إلى اليمن ليشتركوا ضد الشعب في ثورته الباسلة [3]".
فضلا عن مواجهة الشاه لخصومه داخل إيران وخارجها ، فقد كان يرى نفسه مسؤولا عن الطائفة الشيعية في البلاد العربية وفي كل مكان ، وكان ذلك يتم بالتنسيق مع مراجع الشيعة في إيران. فقد تدخل في لبنان وهو يعلم أهمية الدور الشيعي فيها ، ويعمل من أجل استرداد هذا الدور، وتدخل إلى جانب الإمام الزيدي في اليمن ضد الانقلاب العسكري وضد عبد الناصر الذي يدعمه.
أما العراق فكانت أمور الشيعة فيها حسب ما يريده الشاه ويتمناه ، فمرجعيتهم في النجف تقف إلى جانبه وتؤازره، ونظامها يسير وإياه باتجاه واحد .. وبلغ الود بين الدولتين إلى أن الشاه رغب في تزويج ابنته للملك فيصل بن غازي ، ولكن هذا الزواج لم يتم ، لأن ابنته نفرت من الملك عندما التقيا في جنوب فرنسا ، والملك فيصل كان نفوره أشدّ [4].
نعود إلى الحديث عن لبنان ، وعن وضع الطائفة فيها ، قال النائب والوزير محمد فنيش في ] 31/8/2001م[ في حديث له عن وضع الطائفة الشيعية في المرحلة التي سبقت مجيء موسى الصدر إلى لبنان :
          " .. ويكتفي معظم علماء الدين بدور تقليدي بعيدا عن قضايا المجتمع وهموم الناس ، وبعيدا عن وعي التطورات الجارية وأبعادها ونتائجها واستهدافاتها ، لا عن تقصير في التحرك والمطالبة في الحقوق فحسب ، بل عن جمود في الفكر ، وتخلف في الوعي والمفاهيم ، الأمر الذي أوجد فجوة عميقة بين جيل الشباب وعلماء الدين والثقافة الدينية، انعكست ابتعادا وغربة ، وأحيانا عداءً لأحكام الدين وقيمه وتصوراته عند الشباب.أما أهل السياسة ممن يحسبون ممثلين للطوائف والمناطق المحرومة فقد كانوا بعيدين في أبراج عاجية معزولة ، لا يشعرون فيها مدى المعاناة ، ولا يبدون تحركا فاعلا وجهدا مفيدا يخفف من المأساة ، ويدفع مؤسسات الدولة إلى تغيير السياسات [5] " .
حقا كان وصف الكاتب – فنيش – لوضع الطائفة الشيعية في تلك المرحلة دقيقا ، وهذا ما كنا نبصره عن كثب ، فأعضاء الأحزاب العلمانية : ] كالحزب الشيوعي ، والحزب القومي الاجتماعي السوري ، وحزب البعث العربي الاشتراكي والحركات الناصرية ، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية [ جلهم من أبناء الشيعة ، وتكاد صلتهم تنعدم مع مراجع الطائفة لأنهم يعيشون في عالم غير عالم لبنان .. يعيشون في عالم النجف وكربلاء وقم ومشهد ، وهذا العالم لا يقدم خبزا ولا عملا للمسحوقين الكادحين ، ولا بقدم حلولا لقضية فلسطين ولمشكلات الحكم في لبنان ، أما الزعماء السياسيون فهم إقطاعيون ورثوا الحكم كابرا عن كابر ولا يهتمون إلا بمصالحهم ، فمصالح بعضهم مع الموارنة ومصالح بعضهم الآخر مع زعماء الطائفة السنية الذين لا يختلفون عنهم كثيرا.
إذا قارنا هذا الوضع المتدني الذي كانت تعيشه الطائفة قبل أربعة عقود بما هي عليه الآن ، حق لنا أن نتساءل كيف قفزت هذه القفزة وأصبحت تهيمن على شؤون الحكم سواء كان أكثرية النواب إلى جانبها أو ضدها ؟!.
وكيف نظمت نفسها وأصبحت صفا واحدا ] إلا ما شذ وندر [ ، وكان ذلك بالأمس أقرب إلى الخيال ؟!.
هذه القوة الخارقة الجديدة كيف سحبت من الطائفة قيادتها السياسية والدينية ، وألقت بها في مزابل التاريخ ، ثم جاءت بقيادة شابة جديدة، لا تمت للقديمة بأية صلة ؟!.
لنتابع الحديث ، ففي ذلك درس لأهل السنة الذين أضناهم التشتت والهوان ، وسلّط الله عليهم بسوء أفعالهم قيادات علمانية لا تؤمن بسنة ولا جماعة ، ولا تعرف غير المتاجرة بالطائفة ، ولو كان ذلك في سوق النخاسة.
يقول المطلعون : تدارست مراجع الشيعة في إيران شؤون أبناء طائفتهم في لبنان مع حكومة الشاه ورجال أمنها ، ولا نعرف من القرارات السرية التي اتخذوها إلا " إيفاد ستة من رجال الدين المرموقين إلى مواطن الشيعة في بلدان إفريقيا والمشرق مع تعليمات بوجوب إيقاظ المشاعر الدينية واستغلالها . وبرز اسم الصدر في اللائحة التي أعدها آية الله أكبر محمد حسين طبطبائي بردجردي بصفته الأول بين أقرانه ، وكان لنشأة الصدر وتضلعه التام من اللغة العربية ورحابة فكره ، إذ لا ينفر من شرب كأس عرق ] وهو المشروب الوطني اللبناني المصنوع من عصير العنب المعطر باليانسون [ أن جعلت منه الرجل المطلوب للبنان [6] ".
وقال موسى الموسوي :
" .. وقد لا يكتفي الأمن بكل هذا ، ويرسل ممثلين في ألبسة مختلفة إلى البلاد التي له فيها مأرب هام ، ففي عام 1958م أرسل الجنرال بختيار مدير الأمن العام حينذاك موسى الصدر إلى لبنان ، وزوّده بالأموال اللازمة وجعل له راتبا شهريا قدره خمسة آلاف تومان ، ودعمه بكل ما لدى الحكومة الإيرانية من حول وطول . وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ أصبح هذا الشخص رئيسا للمجلس الشيعي الأعلى ، وقد صرفت الحكومة الإيرانية لتوليته هذا المنصب أكثر من مليون ليرة لبنانية [7] " .
الجنرال شابور بختيار الذي كان ملء السمع والبصر في إيران ، غضب عليه سيده الشاه ، وقبل أن يشرب من الكأس الذي كان يسقي المظلومين منه ، التجأ إلى لبنان ، فحاول الشاه استرداده ، ولكن لبنان رفض بعد أن حماه موسى الصدر .. وجاء يوم عاد فيه إلى إيران ، وشكّل آخر وزارة في عهد الشاه ، ثم سقطت وزارته والتجأ إلى فرنسا معلنا معارضته لنظام الآيات ، وقبل اغتياله على أيدي الجناة من عصابات الآيات نشر مذكراته بعنوان " إخلاص " ، وجاء فيها عن موسى الصدر  : " ثمة حلقة ما زالت شبه مجهولة حول العلاقات التي كانت قائمة بين الشاه والإمام الصدر الذي اختفى بين روما وطرابلس قبل أشهر قليلة من وصول الخميني إلى طهران . قيل يومها إن المختفي ] آية الله لبناني [ لكن الصدر كان إيرانيا مثلي تماما. لقد أرسل إلى لبنان في مهمة سرية. وقد حصل على جنسية البلد الذي آواه لكي يتسنى له العمل براحة واطمئنان .. وقد كلف الشاه الإمام الصدر بالاتصال بالشيعة في لبنان لكي ينمي لديهم الشعور والاعتقاد بأنهم مدعومون من قبل دولة كبرى من طائفتهم بالذات . يومها سويت تفاصيل مهمة الصدر عن طريق السافاك ] المخابرات الإيرانية [ ، وبالفعل تمكن المبعوث الخاص للشاه من اكتساب نفوذ كبير وأكيد في لبنان ، وأصبح يعيش فيه حياة شهرة ورخاء . وفجأة تعكر كل شيء بين الشاه والصدر بسبب شيك 500 ألف دولار على ما أعتقد كان يجب أن يحوله الشاه للصدر. بعدها قطع الصدر علاقاته مع الشاه وراح ينتقده بشكل علني " . [8]
وإذن : فإيران هي التي اختارت موسى الصدر لزعامة الطائفة الشيعية في لبنان ، ولتأدية دور معين على مستوى البلدان العربية ، وبالتأكيد فقد عرفت من تختار ، فمهما قال محبوه من أبناء طائفته عن غزارة علمه الشرعي ، وعن تضلعه في الفقه ، فهو سياسي يحمل عقلية تختلف عن العقلية التي يفكر بها ما يسمى بآيات الله ، ولهذا فقد تخصص في الحقوق الاقتصادية ، وتعلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية .
شخصية الصدر
كيف يفكّر الصدر .. وكيف يتعامل مع الناس على مختلف اتجاهاتهم ومناصبهم وطوائفهم ؟!.
وهل هو واضح صريح يستطيع مخاطبه معرفة مواقفه من خلال النظر إلى وجهه وتفاعله مع ما يسمع ويقول .. أم هو رجل غامض مناور ؟!.
هذه أمور مهمة لا بد لنا من معرفتها في هذه الدراسة ، ومن شخصيات كثيرة تعاملت مع الصدر ، اخترت شهادتين : الشهادة الأولى لكريم بقرادوني نقل فيها رأيه ورأي رئيس الجمهورية إلياس سركيس ورأي آخرين ، والثاني لرئيس المجلس النيابي الأسبق وأحد أهم الشخصيات الشيعية في لبنان كامل الأسعد .
شهادة كريم بقرادوني [9]:
" وسيم الطلعة يعنى بقيافته ، وهندامه ، ومظهره ، وصورته ، وكلامه . لمّا وصل لبنان ، كان يتكلم اللغة العربية بصعوبة ، ولمّا عرفته عام 1975م كان واحدا من أفصح الخطباء وأبلغهم في اللغة العربية ، إلا أن لهجته ظلت تنطوي على لكنة فارسية .
عنيد ، طموح ، شجاع ، وشعبي . يتقن استعمال الدين في السياسة ، ولغة اللاهوت في الأيدلوجيا. بعث في الطائفة الشيعية شعورا بتفوقها العددي ، وتراثها التاريخي ، ودورها الأكثري ، وانتمائها اللبناني ، وكثيرا ما كان يردد : ] لبنان ، بالنسبة إلينا ، هو وطن نهائي [ .
أطلق ] حركة المحرومين [ ، هذا التيار الشيعي ذا الطابع الاجتماعي السياسي ، وأنشأ سرا ، عام 1974م ، منظمة عسكرية سمّاها ] أمل [ . ويقول أحمد القبيسي ، أحد مستشاريه المقربين : "إن الإمام حدّد لهذه المنظمة هدفا أساسيا وهو مقاومة العدوان الإسرائيلي ] وكل عدوان آخر من أي جهة أتى [ " .
أدرك الإمام أن الفعالية السياسية في عقيدة ما تقوم على قدرتها في تحويل الحواس والعصبية ، أكثر مما تقوم على منطقها اللاهوتي . فلا يترك فرصة تفوته من غير أن يشير إلى آيات من التراث الشيعي الغني بالشهداء ، والمثير للعواطف والحماسة ، وهو يجيد توظيف المؤشرات والروحانيات . وقد أجابني يوما ردا على سؤال طرحته عليه لما زار البطريرك الماروني في بكركي : ] إني ألعب لعبة الرموز [.
خصم الشيوعية ، وعلى الأخص خصم الجنبلاطية ، لدرجة أصبح فيها أبغض الناس إلى اليسار اللبناني . اتهم الحركة الوطنية بأنها تستغل الجماهير الشيعية وتضعها في فوهة المدفع في صراعها مع المسيحيين . وقد قال لي ، في هذا الصدد : ] تريد الحركة الوطنية مقاتلة المسيحيين إلى آخر شيعي[ . وحمّل كمال جنبلاط ، عام 1976م ، مسؤولية إطالة حالة الحرب ، فلاحظ أمامي : ] لولا كمال جنبلاط لانتهت الحرب في شهرين ، وبسببه ها هي تستمر منذ عامين ، والله أعلم إلى متى ستدوم ![ .
وينفر الإمام في المقابل من غطرسة الجبهة اللبنانية [10].
قال لي في حزيران 1977م : ] لا يجوز أن تكون الجبهة متكبرة إلى هذا الحد على المسلمين ، ولا يحق لها أن تعاملهم كأنهم خونة . فاليمين الحاكم مسؤول لأنه أهمل الجنوب والشيعيين اللبنانيين منذ فجر الاستقلال ، فأصبحوا محرومين وتحولوا إلى بروليتاريا لبنان ، لا يخدعنّ أحد نفسه ، فكل ظلم ينتهي إلى انفجار ![ .
هذا الثائر والمتمرد يدين ] جشع اليمين الحاكم [ ، بقدر ما يدين ] فوضوية الفلسطينيين والتقدميين [ . وقد طوّر مشروعا سياسيا يستبعد فيه هؤلاء وأولئك ، وتعمّد توجيه ضربة إلى اليمين ، وضربة إلى اليسار ، إنه خميني لبنان ، ولكنه خميني مستنير.
أما علاقاته بدمشق فغير ثابتة ، صديق حافظ الأسد وبيت سره ، ولكنه يحذر السياسة السورية ، ولم يكتم تخوفه من رؤيته سوريا تقسّم لبنان . وقد قال لي في حزيران 1977م : ] من حسن الحظ أن سوريا لا تستطيع أن تهضم لبنان ، فابتلاعه يصيبه بعسر الهضم [ .
وقد فرغ صبره من اعتداءات الفلسطينيين ، فاتخذ موقفا صارما من منظمة التحرير الفلسطينية ، وقبل اختفائه بقليل قال لي جازما : ] ليست المقاومة الفلسطينية ثورة ، لأنها لا تتصرف تصرف الساعي إلى الاستشهاد . إنها آلة عسكرية ترهب العالم العربي . بفضل الأسلحة يستطيع عرفات انتزاع الأموال ، وبفضل الأموال يغذي الصحافة ، وبفضل الصحافة يحدث تأثيرا في الرأي العام العالمي [. ويضيف مهددا : ] منظمة التحرير سلطة فوضوية في الجنوب . لقد تغلب الشيعيون على عقدة الدونية حيال المنظمات الفلسطينية . لقد طفح الكيل [ .
شخصيته تربك الجميع ، قال لي حافظ الأسد متحدثا عن الإمام : ] إنه فيلسوف كبير وصاحب رؤيا [ . وقد تردد فؤاد شهاب قبل منحه الجنسية اللبنانية ، لأنه كان يعتبره ] رجلا ليس كالآخرين وهو خطر [ ، ورأى إلياس سركيس فيه ] رجل غموض وألغاز [ ، يتصرف سرا ، ويحيط نفسه بالأحاجي ، وقد قال لي : ] الإمام يوحي أكثر مما يوضح ، ويقلق أكثر مما يريح [ .
شهادة كامل الأسعد :
قال كامل الأسعد في حديث نشرته مجلة الحوادث اللبنانية في [3/1/1975] : " لقد أبدى أقطاب النهج الذين كانوا وراء مطلب إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ، تحبيذهم تعيين السيد موسى الصدر رئيسا للمجلس . وأضاف الأسعد : والجميع يذكر كيف كان السيد موسى الصدر خلال تلك الفترة التي امتدت عدة سنوات تابعا للعهد ولزعمائه. إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها السيد موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج ، وأبعاد هذه الخطة في لبنان والخارج [11] " .
وهناك جهات عديدة قالت بمثل ما قاله القطب الشيعي كامل الأسعد ، وكريم بقرادوني ، منها على سبيل المثال : مجلة الدستور التي كانت تصدر في فرنسا في عددها بتاريخ [26/6/1978] ، وجريدة القبس الكويتية في عددها بتاريخ [19/9/1978]، وجريدة الأنباء الكويتية في عددها بتاريخ [26/9/1978] .
أما أقطاب النهج الذي كان موسى الصدر محسوبا عليهم ] حسب رواية كامل الأسعد [ فهم أنصار الرئيس اللبناني الأسبق فؤاد شهاب . وكان حكمه قائما على رجال المخابرات ] المكتب الثاني [ ، ومن أشهرهم : إميل البستاني ، غابي لحود ، سامي الخطيب . واستمر حكم النهج طيلة عهد شهاب ، وعهد خلفه شارل الحلو ] وهو من أنصاره [ .. وانتهى نفوذهم في عهد الرئيس سليمان فرنجية ، غير أن الرئيس إلياس سركيس ] وهو أحدهم ولكن من غير رجال المكتب الثاني [ استعان بهم طيلة عهده [1976-1982] . ا . هـ . ولنا عودة إلى ما قاله الأسعد وغيره في موضع آخر من هذا البحث .
وإذن : إذا استثنينا أهل السنة والجماعة [12] ، فإن الذين عرفوا موسى الصدر ، وتعاملوا معه يؤكدون بأن شاه
 إيران ومن لف لفه من رجال الأمن والطائفة أرسلوه إلى لبنان ليؤدي دورا ما فيها !!.
ويتكلمون بلغة الجزم بأنه كان خصما للشيوعية ، ولأهل اليسار ، ولمنظمة التحرير ، ولكمال جنبلاط ، ولهذا فقد كان كما وصفه إلياس سركيس : " رجل غموض وألغاز " ، ويوحي أكثر مما يوضح ، ويقلق أكثر مما يريح.
 

 1 -    هذا فصل من كتاب صدر في عام 1986 ، وعندما رغبت بإعادة نشره في طبعة جديدة ، أضفت إليه ما جدّ لدي من معلومات ، وما كنت قد كتبته في أماكن متفرقة من مؤلفاتي. 
[2] - عن كتاب : الإمام موسى الصدر ، سلسلة رواد التقريب ، المؤلف : عبد الرحيم أباذري. مع تصرف يسير.
[3] - إيران في ربع قرن ، مؤلفه الدكتور موسى الموسوي نائب في عهد الشاه ومعارض لسياسته. فر من إيران عندما اكتشف بأن أجهزة أمن الشاه تريد اغتياله ، وبعد ثورة الخميني عارض استبداد الآيات.
[4] - هذه الرواية ذكرها الموسوي في كتابه " إيران في ربع قرن ".
[5]  - الإمام موسى الصدر ، عبد الرحمن أباذري ، مصدر سابق. ومحمد فنيش نائب ووزير وعضو قيادي في حزب الله.
[6] - الحروب السرية ، مصدر سابق ، والمؤلف ينقل روايته عن [Karim Pakradouni, op,cit, P:107] ، ويستغرب القاريء قول المؤلف عن شيخ : إذ لا ينفر من شرب كأس عرق ، ولكن من يعرف شيوخ الطائفة الشيعية حق المعرفة لا يستغرب عن كثير منهم شرب الحشيشة ، والدخان من باب أولى ، أو اللواطة وغير ذلك.
[7] - إيران في ربع قرن . مصدر سابق .
[8] -  مذكرات بختيار عن الوطن العربي. العدد تاريخ ] 8-14/10/1982 [ . وهذا الذي شاء الجنرال بختيار أن يقوله ، وكأنه سمعه في مقهى أو ندوة . وتناسى أنه كان رئيس السافاك والمسؤول الأول عن موسى الصدر وعن مهمته في لبنان ، وهو الذي كان يتلقى التقارير التي يرسلها الصدر ثم يعرضها مع ملحوظاته على الشاه . أما قصة الشيك ، فقد ورد الحديث عنه في موضع آخر من هذا الكتاب.
[9] - السلام المفقود ، كريم بقرادوني ، والمؤلف عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب ، ومستشار رئيس الجمهورية اللبنانية إلياس سركيس ] 1976 – 1982[ ، ومندوبه الشخصي .. وهذا يعني أنه يتعامل مع أعلى جهة نصرانية .
[10] الجبهة اللبنانية : تضم الأحزاب والميليشيات النصرانية التي قاتلت الفلسطينيين وميلبشيليات الدروز والحركة الوطنية . وأبرز أعضائها : الكتائب ، والوطنيون الأحرار أو نمور الأحرار ، والمردة ، وحراس الأرز ، والرهبانية المارونية ، والرابطة المارونية . ومن أهم زعمائها : كميل شمعون ، وبيار جميل ، وسليمان فرنجية ، والأب بولس نعمان ، والأب قزي ، والآباتشي شربل القسيس. وسمّاهم خصومهم " الانعزاليون".
[11]- كامل أحمد الأسعد الذي صدر عنه هذا التصريح ، هو سياسي لبناني ولد عام 1931 في لبنان الجنوبي ، ونال إجازة الحقوق والعلوم السياسية من جامعة السوربون عام 1952 ، ومارس المحاماة ، وانتخب عضوا في مجلس النواب اللبناني عام 1953 ، وشغل منصب وزير التربية والفنون الجميلة ، والموارد المائية والكهربائية ، والصحة العامة ، وانتخب عام 1964 رئيسا لمجلس النواب ، وأسس عام 1969 الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي تولى رئاسته .. ولعب دورا أساسيا في تأمين انتخاب بشير الجميل رئيسا للبنان عام 1982 ، كما لعب دورا مماثلا عند انتخاب أمين الجميل . ] عن كتاب الإمام موسى الصدر ، مصدر سابق [ . وفضلا عن ذلك كله فهو أحد أعلام الشيعة في لبنان وكذلك آباؤه وأجداده.
[12] - سيأتي الحديث عن موقفهم المؤسف من موسى الصدر.
 

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©