قائمة المراسلات البريدية

تسجيل الغاء

 

    مقالات   


مستقبل حروب صعدة وآثارها - (1) 

 2010-06-03

 

 
 
ذكرنا فيما مضى الأطراف المستفيدة من بقاء الأزمة والدور الخبيث الذي تقوم به إيران عن طريق ( حزب الله الحوثي ) وسوف نتطرق في هذه الحلقة إلى مستقبل هذه الحرب وآثارها على المنطقة ( المؤشرات والاحتمالات)
مع تلميح بسيط إلى العوامل التي ساعدت في بقاء واستمرار الأزمة
 
 العوامل المساعدة على بقاء الازمة
 
هناك عدة عوامل مساعدة على بقاء الأزمة تتوزع على الظرف الزماني والمكاني والبيئة والأطراف المتصارعة عموما. وهي بمجموعها تتفاعل معا لتعيد صياغة ذاتها بشكل أو بآخر. ولم يعد اليوم من السهل الحديث عن دوافع منفردة أو أسباب أحادية أو محدودة، فقد أصبحت الحياة معقدة ومتشابكة. فالسياسة والاقتصاد والتعليم والنواحي الاجتماعية والحالة الدينية جميعها مترابطة بطريقة تجعل من التأثير على شيء منها تأثيرا على المنظومة ككل.
 مستقبل الحرب وآثارها على المنطقة.. المؤشرات والاحتمالات:
اندلعت الاشتباكات المسلحة بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين في يونيو 2004م بمحافظة صعدة، التي تتميز بوعورة جبالها، وغلبة الطابع القبلي عليها، وانتماء غالبية سكانها إلى المذهب الزيدي (الجارودي). وكانت صعدة قد شهدت حراكا دعويا وثقافيا وحركيا وتنظيميا لـ(الشباب المؤمن) –كما سبق وأسلفنا. وعمل المؤتمر الشعبي العام من خلال دعمه للشباب المؤمن من تقليص مد حزب التجمع اليمني للإصلاح في المنطقة التي صوت غالبية أبنائها للحزب الحاكم!
هذه الظروف مكنت الحوثيين في ظل مخطط مسبق مدعوم –كما يبدو- من جهات إقليمية ودولية من بناء قاعدة عسكرية مسلحة[1]. الأمر الذي دفع الدولة لمواجهتها والقضاء عليها نتيجة ملابسات أشعلت فتيل الخلاف بين الحلفاء.
وخلال خمسة حروب شرسة لم تستطع الدولة القضاء على حركة الحوثيين وإن حققت بعض النجاحات الآنية. بالرغم من استخدامها كافة الأسلحة وتعزيز وجود الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية. ورغم القيام بعمليات عسكرية وملحقات أمنية واعتقالات وسجن العديد من أتباع الحركة. كما عمدت الدولة على توظيف عدة وساطات سياسية وقبلية ودينية وخارجية لحل الأزمة، وقدمت حزمة من الوعود وتنازلت تكرارا وقدمت دعما ماليا وعفوا غير مشروط إلا بطلب واحد (ترك السلاح وعودة المقاتلين إلى مساكنهم)! ولكن دون جدوى.
وقد تميزت (الحرب الأولى) بالشراسة رغم انحسارها في صعدة؛ ولم تنته الحرب بمقتل زعيم التمرد حسين الحوثي في سبتمبر من العام ذاته في جبال مران بصعدة، بل عادت المواجهات مجددا في (حرب ثانية) في فبراير 2005م بزعامة الأب بدرالدين الحوثي وانتهت باختفائه، حيث لا يعرف مصيره حتى الآن. وفي أواخر عام 2005م اندلعت (الحرب الثالثة) بقيادة عبدالملك الحوثي -شقيق حسين الحوثي. وفيها خول البرلمان الدولة باستخدام كافة السبل الكفيلة بالقضاء على التمرد بما فيها الحل العسكري، لكن الحرب توقفت بعدإبرام اتفاق بين الطرفين في فبراير 2006م. وتجددت المواجهات للمرة (الرابعة) في يناير 2007م، وأخذت المواجهات في هذه المرة طابعا أكثر شمولا. ورغم أن رئيس الوزراء اليمني أشار إلى أن الحل العسكري "يسير بشكل جيد"، وأن الانتصار مسألة وقت و"بضعة أسابيع فقط"[2]! إلا أن التدخل القطري جاء لينهي المواجهات الدائرة. وعقب فشل جهود الوساطة القطرية دخل الصراع مرحلة جديدة و(حربا خامسة) منذ مايو 2008م. فقد تجددت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين على أكثر من محور، وامتدت إلى منطقة حرف سفيان التابعة لمحافظة عمران المجاورة، وتجاوزتها إلى منطقة بني حشيش (شمال شرقي العاصمة صنعاء). واستطاع عدد من المسلحين قطع الطرق الواصلة بين المديرية وصنعاء. وصدرت على إثر ذلك توجيهات عليا بإنهاء بوادر التمرد المسلح وحسمه عسكريا في محيط صنعاء. فتدخلت ولأول مرة القوات الخاصة، كما تدخل الحرس الجمهوري في الحرب الدائرة في صعدة وعمران. واستخدم الجيش الطيران والدبابات والصواريخ في قصف مواقع المتمردين، ووجه نيران أسلحته باتجاه أي مبنى يتحصن به المتمردون أو يطلقون منه النار على قوات الجيش. كما أن الدولة استعانت ببعض القبائل في حربها ضد الحوثيين في مواجهتها الأخيرة معهم.
لكن في مقابل ذلك أبدى الحوثيون فنونا قتالية وتكتيكا عسكريا أوقعت الدولة في حرج من إعلانها مرارا عن قرب الحسم النهائي عسكريا.
فقد أسقطوا عددا من الطائرات ودمروا عددا من الدبابات والمدرعات والآليات العسكرية، واستطاعوا محاصرة كتائب من الجيش وإيقاع عدد من الجنود في الأسر.
كما أنهم أداروا حربا إعلامية من خلال مواقع الإنترنت التي بثوا من خلالها عملياتهم المسلحة ضد القوات الحكومية. والتي تتخللها أناشيد وتواشيح خاصة بهم.
كما استطاعوا اغتيال عدد من مشائخ القبائل والقيادات العسكرية والأمنية، وقصف دار الرئاسة في صنعاء، ومقر الكلية الحربية في حي السلال بالأمانة، ووسعوا من دائرة المواجهات، وأظهرت الأحداث وجود تعاون مادي ومالي واستخباراتي من قبل شخصيات في الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة وفي الحزب الحاكم. فقد أعلن عن خيانة عدد من الجنود الذين عملوا علي إيصال كمية من الأسلحة للمتمردين[3]، وكشف عن اتصالات بين شخصيات حكومية وقيادات في التمرد، ويجري الحديث عن تقديم بعض المسئولين للمحاكمة بتهمة التآمر والخيانة.[4]
وفي حين يصف الحوثيون مقاتلوهم بالمجاهدين وقتلاهم بالشهداء يَعِدُونَ برفع راياتهم على قمم جبال صعدة؛ يتهمون الحكومة بأنها عميلة للأمريكان وأنها تنفذ أوامرهم وتستعين بهم[5]. وهو ما يخلق تعاطفا شعبيا ويعطي أتباعها مبررا في قتلهم للجنود ومن يقف إلى صف الدولة.
وإزاء هذا التعنت والصمود الذي أبداه الحوثيون والذي عكس في المقابل مدى الدعم الذي يحظون به، تواردت الأنباء وتعاضدت -في يوليو من عام 2008م- عن عزم السلطة تشكيل جيش شعبي بقيادة حسين بن عبدالله الأحمر، لمساندة قوات الجيش النظامية وإنهاء التمرد، يبلغ تعداده 9 ألف مقاتل. وذلك عقب فشل زيارة حسين الأحمر لألمانيا في شهر مايو (2008م)، والتي هدفت إلى لقاء يحيى الحوثي بهدف تفعيل دور لجنة الوساطة الرئاسية ووقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات. فقد شعرت القيادة السياسية أنها وقفت في حربها ضد الحوثيين مجردة من:
-          السند القبلي وإلى وقت قريب جدا.
-          السند الإسلامي، فالعلماء الذين اعتبروا أن ما يجري في صعدة فتنة لم يفتوا بوجوب القتال ضد المتمردين، كما أنهم لم يوجهوا أتباعهم للقتال في صفوف الدولة كما حدث مع حرب 1994م.
-          السند الإقليمي والدولي، فعلى الرغم من محاولة اليمن استقطاب السعودية في حربها مع الحوثيين إلا أن المملكة فيما يبدو فضلت الحياد والتأييد الخطابي المجرد لموقف الحكومة اليمنية.
-          السند السياسي فكافة الأحزاب المعارضة رفضت سياسة الدولة ومواقفها من الأزمة التي اعتمدت على الحسم العسكري وغيبت عن الأطراف السياسية المعلومات الواقعية كما أنها عزلتهم عن المشاركة في صنع القرار، وطالبوها بوقف الحرب.
وعلى العكس من ذلك شعرت بمدى تغلغل تيار الحوثي في مفاصلها وأجهزتها على صعيد القيادات العليا والوسطى والأفراد؛ بل بلغ الأمر ببعض القيادات العسكرية والجنود والمسئولين خيانة الدولة بتقديم الدعم المادي والمعنوي (الخفي) والمعلومات للحوثيين في إطار مواجهتهم للدولة الأمر الذي أفشل جهود الدولة لمحاصرة هذا التيار وارتد على عملياتها العسكرية بالفشل!
كما أظهر صراعها معهم مدى القاعدة الشعبية لحركة التمرد والتي شملت عددا من المناطق والمحافظات، كما أظهر قدراتهم العسكرية واللوجستية التي تعكس عن خبرة وتدريب ودعم.
لقد استطاع الحوثيون في حربهم الأخيرة من:
-          إدارة حرب إعلامية على الدولة من خلال الإنترنت والقنوات الخارجية.
-          اغتيال عدد من مشائخ القبائل وضباط الجيش وقيادات حكومية في صعدة وصنعاء وعمران كانت تساند الدولة في حربها مع الحوثي.
-          حشد وتجييش أبناء القبائل في عمران وبني حشيش وصعدة وتوسيع دائرة المواجهات.
-          إيقاع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد في الجيش الحكومي وقوى الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والأجهزة الأمنية.
-          محاصرة مجموعات من الجيش وأسر عدد من الجنود وقصف مقرات حكومية وعسكرية.
-          إيقاع الدولة في مواجهة مع المواطنين عبر استخدام منازل المواطنين في مواجهة القوات المسلحة والتي اعتمدت أسلوب الرد المباشر بقصف أي مصدر لإطلاق النار.
-          تكبيد الدولة خسائر مالية عالية يقدرها البعض بملياري دولار، وآخرون بـ600 مليون دولار في أقل الأحوال!
-          إنهاك قوى الدولة الأمنية والعسكرية في حين تواجه مخاطر أخرى.
أمام هذا الوضع وفي 17/7/2008م ودون أي سابق مقدمات أعلن الرئيس علي عبدالله صالح عن إيقاف الحرب في محافظة صعدة منذ ثلاثة أيام؛ وقال: إن الحوار هو الوسيلة الحضارية للحل وأفضل من إراقة الدماء! وهذا الإعلان فاجأ الجميع بمن فيهم قيادات المؤتمر والحكومة والسلطة.
وكان صالح قد صرح في يونيو 2008م بأن حكومته "تواجه خطرين في وقت واحد.. الحوثيين والقاعدة"![6]
وحسب صحيفة (الأهالي) فقد أجمعت مصادر رفيعة رسمية وسياسية في قيادة الحزب الحاكم على تدخل أمريكي في موضوع إيقاف حرب صعدة. حيث أن سفير اليمن بواشنطن عبدالوهاب الحجري نقل رسالة عاجلة لرئيس الجمهورية من الإدارة الأمريكية فحواها مهلة أيام معدودة للحكومة اليمنية بإيقاف الحرب ما لم فستوافق على طلب الأمم المتحدة بإرسال بعثة لتقصي الحقائق حول الوضع الإنساني والاطلاع على أوضاع النازحين خصوصاً بعد أن كانت خطوط إمداد الغذاء والمحروقات قد قطعت عن محافظة صعدة (الشهر الماضي).[7]
وقد رحبت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان وقف الحرب في محافظة صعدة، وأكد مصدر في السفارة الأمريكية بصنعاء ترحيب الولاياتالمتحدة بإعلان وقف الحرب، آملا أن يؤدي هذا الإعلان إلى نهاية دائمة له؛ ونقلت صحيفة (الوسط) عن مصدر بالسفارة ترحيبه بفتح الطرق إلى صعدة لإيصال المعونات الإنسانية وأمله في أن تصل المساعدات الطارئة إلى الناس الأشد حاجة إليها، وبأقصى سرعة ممكنة، لكنه أكد بأنه لم يكن للولايات المتحدة أي دور في قرار وقف الصراع في صعدة.[8]
أما الحوثيون فقد اعتبروا هذا الإعلان بمثابة انتصار لجهادهم، مظهرين احتفالهم بهذه المناسبة، ومؤكدين تمسكهم برسالتهم ومبادئهم التي قاتلوا من أجلها. وتوعدوا في المقابل كل من وقف إلى جانب الدولة في قتالها معهم، مبادرين توعدهم ذلك بتدمير مسجدين تمَّ بناءهما على حساب محسنين من بلاد الحرمين في صعدة. ليعود نشاطهم مؤخرا بإظهار قوتهم الشعبية والعسكرية من خلال احتفالات (الغدير).
من العرض السابق يتأكد لنا أن الحوثية حركة ذات مشروع سياسي، تسعى لفرض نفسها كقوة مذهبية سياسية عسكرية -على غرار "حزب الله" في لبنان! لهذا فقد عمدت إلى بناء نفسها تنظيميا وفكريا وعسكرياً منذ انطلاقتها.


[1]  في ما يتعلق بالاستعداد العسكري قال رئيس الوزراء اليمني إن التنظيم للشباب المؤمن بدأ بشكل مبكر للمواجهات العسكرية بشراء السلاح بشكل كبير وتخزينه استعدادا للمواجهة. وأضاف أنهم كانوا يخزنون السلاح في الكهوف في جبال صعدة، استعدادا لمواجهات طويلة مع الدولة. وأشار إلى أن الحرب الأولى نشبت في عام 2004م حين بدأ حسين الحوثي بالتحضير لها، حيث بدأ العديد من الأنشطة بإصداره للعديد من الفتاوى بعدم شرعية النظام وأن الحكم في اليمن مغتصب وهذا تقويض لنظام الدولة. الشرق الأوسط، عدد 10401، في 21/5/2007م.
[2]  عكاظ، عدد 2141، في 28/4/2007م.
[3]  كمثال أعلن مصدر أمني -في يونيو 2007م- عن اعتقال أربعة جنود يمنيين بتهمة تهريب أسلحة إلى المتمردين الحوثيين في محافظة صعدة بشمال غرب البلاد. الجزيرة، في 24/6/2007م.
[4]  ينظر في هذا الامر صحيفة (أخبار اليوم) اليومية و(الشموع) الأسبوعية.
[5]  فقد اتهم عبدالملك الحوثي -في مايو 2008م- السلطات اليمنية بالاستعانة بقوات أمريكية (كومندوز) في حربها ضدهم، وهو ثاني اتهام من نوعه بهذا الشأن. فقد سبق ليحيى الحوثي أن اتهم اليمن عام 2005م بالسماح لطائرات أمريكية بقصف مواقع الحوثيين (والمدنيين) في صعدة. كما وصف عبدالله الحاكم المعروف بـ"أبو علي"، أحد أشهر قيادات الحوثيين في مديرية ضحيان، السلطة بأنها خارجة على الملة، كونها أتاحت الفرصة للمبشرين لإخراج أبناء الإسلام إلى النصرانية.
[6]  الشرق الأوسط، عدد 10799، في 18/6/1429هـ - 22/6/2008م.
[7]  موقع صحيفة (الأهالي).
[8]  الوسط، في 23/7/2008م.

طباعة   إرسال لصديق

 



 
 
جميع الحقوق محفوظة ©