موقع الشيخ محمد سرور زين العابدين

    كلمة المشرف  


حوار في الشأن السوري .. الجلسة الثانية - الشيخ محمد سرور زين العابدين 

 2011-09-19

 

قال : في نهاية جلستنا الماضية قلت لي : الحكام شيء والشعوب شيء آخر، ولا يصح الخلط بينهما ، فدعني في بداية هذه الجلسة أن أتوجه إليك بالسؤال التالي: ماذا قدّمت لنا هذه الشعوب خلال أكثر من أربعين عاما من الضنك الشديد ، لنأخذ دول الخليج كمثال على ذلك لأنها من أقرب الدول العربية إلينا ، ومن أكثرها تأثيرا ًعلى شؤوننا العامة. إن حكام هذه الدول يداهنون لهذا القرمطي الذي ابتلينا به ، كما داهنوا لأبيه من قبله ، ويقدمون له كافة أنواع الدعم : اقتصاديا ً كان أو سياسيا ً ، وهو يقدّم لهم كافة أنواع الغدر والخيانة . وأخطر أنواع هذه الخيانة تحالفه مع الأكاسرة الجدد في إيران الذي بدأ عام 1971م والتمهيد له سبق انقلاب الأسد على زملائه في عام 1970م . لقد ابتلع هذا التحالف الخبيث العراق وسورية ولبنان ، وقدّم حكام الخليج شيئا ًمن المساعدة لهذا الحلف الذي لازال يهددنا في البحرين واليمن بل وفي عقر ديارنا .. يهددنا في ديننا ، وانتمائنا العربي ، وفي مستقبلنا ووحدة أمتنا. قل لي ماذا فعلت دول الخليج تجاهنا وتجاه حكامهم ؟!
 قلت : أوافقك دون أدنى تردد بأن حكام الخليج داهنوا للأسدين ، بل إن السعودية كان لها دور ما في انقلاب الأسد على زملائه في عام 1970م ، وهي التي قدمته للأمريكان ، واستمرت تقوم بدور الوسيط ، ورمت بثقلها من أجل نقل السلطة إلى الابن المعتوه بعد هلاك أبيه ، وكان الملك الحالي عبد الله بن عبد العزيز هو الذي يمثل السعودية في عهود : فيصل ، وخالد ، وفهد ، وفي عهده ، ولولا اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005م ، واتهام الأسد ورجال أمنه ، وإيران وحزبها المدلل في لبنان لاستمرت الصلة حتى يومنا هذا ، واستمر دفاع النظام الحاكم في الرياض عن هذا القرمطي الشعوبي الحاقد ، مع أنهم يعرفون الكثير .. الكثير عن : أخلاقهم ، وديانتهم ، وفسادهم ، وكرههم لكل ما هو عربي وإسلامي .
وليس لشعوب الخليج أدنى صلة بما فعله حكامهم ، ولا يجوز أخذ البريء بحجة المتهم ، وجلّ من قائل :   " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .
قال : أبصر قولك : "إن السعودية كان لها دور ما في انقلاب الأسد على زملائه عام 1970م ". لم أسمع بمثل هذا من قبل !! وجل الذي أعلمه ، ويعلمه غيري ، أن المصالح وحّدت مواقف البلدين في فترات معينة ، فهل لديك أدلة تغيّر مما أنا مقتنع به ؟!.
قلت : نعم ، أنا أعني جيدا ًما قلت ، ولعلنا نعود إلى الإجابة على سؤالك هذا في جلسة قادمة ، لأن موضوع هذه الجلسة هو بيان موقف شعب الخليج من شؤون وشجون العالمين : العربي والإسلامي .
قال : تفضل .
قلت : سأحدثك عن السعودية كبلد عشت فيه ، وعرفت أهله جيدا ً، واستمرت علاقاتي مع أهله عندما أخرجني الظالمون منه ، ثم عشت في الكويت ردحا ًمن عمري .. وسألتزم فيما أذكره قول الله تعالى :      " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى "  ، الأنعام ، الآية : 152 ، وقوله : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " ، المائدة ، الآية : 8 .
ابتداءً لا أقول العلاقات بين أهل الشام وأهل الخليج قديمة وعريقة وإنما أقول : هم منا ونحن منهم ، ويحضرني هنا قول الشاعر :
                   هما وطن فرد وقد فرقوهما                 لحا الله بالتشتيت شمل المفرق
وكذلك كان الحال منذ أيام الجاهلية ، فليس هناك حدود ولا حواجز وجوازات سفر ، ثم جاء الفتح فتذكر الصحابة رضوان الله عليهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في فضل الشام ، وكونها أرض الرباط ، فأحبوها واتخذوها موطنا ً لهم ، ولا تخلو بقعة فيها من قبر صحابي أو تابعي مات شهيدا ًفي سبيل الله أو مات موتة طبيعية بعد حياة حافلة بالجهاد أو بالدعوة إلى الله تعالى . وأكثر أهل الشام من هذه الذرية الطاهرة الكريمة .
وفي العصر الحديث ، أي قبل اكتشاف النفط ، كان أهل شبه الجزيرة العربية يعيشون حياة البؤس والفاقة بل والمجاعة أحيانا ً، وكانوا يبحثون عن لقمة العيش في كل مكان حتى في الهند ، وكان أهل الشام يعيشون في رغد من العيش قبل أن يبتليهم الله بالانقلابات العسكرية وببني نصير، وبدهي أن تكون بلاد الشام من أهم المناطق التي يقصدونها للعمل ، ومن تتبع خط سير قوافلهم ، يجد عائلات من قبائل شبه الجزيرة العربية استوطنت هذه المناطق ، وأقامت قرى وأحياء في مدن أو عاشوا حياة البادية متنقلين من منطقة لأخرى .. وهؤلاء اليوم يحملون الجنسية السورية أو الأردنية أو الفلسطينية .
وعندما أشاد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مملكته منذ أكثر من مائة عام استعان برجالات الشام في سائر مرافق دولته : ففي مجال التعليم استعان بالعلامة الشيخ كامل القصاب في منتصف العشرينيات من القرن الماضي ، وبالشيخ بهجت البيطار من بعد القصاب ، وفي الشؤون الأخرى من الحكم اختار : يوسف ياسين ] وهو من مدينة اللاذقية ومن أسرة سنية معروفة ، وليست نصيرية كما أشاع البعض [ ، وخالد الحكيم ، وخير الدين الزركلي ، ومدحت شيخ الأرض ، ورشاد فرعون ، وعشرات غيرهم ولايزال أبناء هؤلاء وأحفادهم يعملون كمواطنين سعوديين في السلك السياسي والتعليمي والصحي ، وفي التجارة وفي كل ما يعزز العلاقات بين البلدين .
قال : هذا الذي ذكرته قد يستفيد منه من يريد دراسة العلاقات بين البلدين ، ولكنك لم تجبني على السؤال الذي كررت طرحه عليك : ماذا قدّم الشعب العربي في السعودية وبقية دول الخليج ، لنا في سورية وللأمة الإسلامية ؟! .
قلت : أشادوا المدارس والمعاهد والمساجد والجامعات. حفروا الآبار لإسقاء العطشى من الناس . بنوا المستشفيات والمستوصفات . علـّموا العربية لغير الناطقين بها.
استقبلت جامعاتهم الإسلامية عددا ً كبيرا ً من الطلبة ، وقام أهل الخير بتفريغهم كدعاة ومعلمين في بلدانهم بعد تخرجهم. أسسوا الجمعيات الخيرية المختصة بتقديم كافة المساعدات ، وبعض الأغنياء كانوا لا يكتفون بما يقدمونه لهذه الجمعيات ، بل يجوبون البلاد النائية بحثا عن المحتاجين وهداية الضالين ، وكانوا في تنقلهم يعانون صعوبات جمّة .
هذا الجهد المبارك شمل إفريقيا ، وآسيا ، وأوربا ، وأمريكا ، وأستراليا. وتكاد لا تجد مكانا ً في العالم إلا وتشاهد فيه مسجدا ً أو مدرسة ً أو بئرا ً عليه اسم المحسن الذي بناه ، فعلامة الأمة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عندما استنفد البند المقرر لتفريغ الدعاة استمر في تفريغهم على حسابه الخاص ، وحسابه لا يتحمل شيئا من هذا ، فكان يستدين ويستدين ، ويأبى أن يرد أحدا ً من أهل العلم والفضل إلى أن انتبه بعض التجار القريبين منه ، فكفوه مؤونة واحدة من أعماله في ميدان الدعوة إلى الله ، وبعد وفاة الشيخ رحمه الله لم يتوقف ما بناه ، وقد نفع الله بهؤلاء الدعاة ، ووقفوا سدا ً لا يخترق بوجه المد الرافضي وبوجه جميع أنواع الهدم والتخريب .
وقبل الاعتداء على مركز التجارة العالمي في نيويورك كان لأحد كبار التجار السعوديين جمعيات خيرية في معظم بلدان العالم وكأنها سفارات لدولة من الدول ، لكنها مختصة بشؤون البر والإحسان .
وعندما دعا داعي الجهاد ، هجر شباب السعودية الترف ومتاع الدنيا ولبّوا النداء ، وقاتلوا بشجاعة في كل من : أفغانستان ، والشيشان ، وكوسوفو ، والعراق ، واستشهد عدد كبير منهم ، والذين لم يكتب لهم الشهادة كانت تنتظرهم السجون المظلمة عندما عادوا إلى بلدهم.
قال : ألست تعني هؤلاء الغلاة الإرهابيين الذين قتلوا الآمنين ، وكفـّروا المسلمين ، وروّعوا المسالمين ؟!.
قلت : بل أقصد المتصدقين المؤمنين الذين يقاتلون من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، والغلو الذي نستنكره ونحذر منه كان في عهد الخلفاء الراشدين ، ولم يخلو منه أي عصر من العصور الإسلامية ، ومنهم الذين قتلوا عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وأحذرك يا أخي من دعاية المنافقين والمشركين الذين يعملون ما بوسعهم على مسخ مفهوم الجهاد.
وقصارى القول : إني لا أعدو الحقيقة إذا قلت : لم يسبق أحد في هذا العصر بالذات أهل الخليج فيما جئت على ذكره في هذا المقال ، ولا أقلل من جهد أهلنا في الشام قبل أن يبتلينا الله بآل الأسد لكنهم لم يبلغوا مبلغ أهل الخليج.
قال : إن الذي يبلغنا من الذين يعملون في دول الخليج خلاف ما أسمعه منك ، فهم يقولون : إنهم جفاة قساة ، يسيئون إلى الذين يعملون في مؤسساتهم ويأكلون حقوقهم ، أما هذا الذي ذكرته عن تجوالهم في بلاد العالم ، فالذي يشاع أنهم في هذا التجوال يبحثون عن شهواتهم ، ومن هذه الشهوات الزواج الذي يشبه المتعة في كثير من الوجوه .
قلت : السعودية كغيرها من بلدان العالم الإسلامي فيها سفهاء لا يخشون الله تعالى ، وغير مستغرب عليهم أن يفعلوا ما ذكره صديقي داخل بلدهم وخارجه ، ولا يجوز إصدار حكم ظالم على بلد بسبب ما يفعله سفهاؤها وهم يمثلون قلة قليلة لا يؤبه لها . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، ففي السعودية يعمل كثير من المبتدعين والخرافيين العرب ، وهؤلاء يكرهون دعوة التوحيد ، ومهما أحسن إليهم أهل السعودية ، فهم يخفون كراهيتهم ، ويتصيدون الأخطاء فيضخمونها ، ولسلف هؤلاء تاريخ طويل في الدس والافتراء ، فشيوخهم وشيوخ شيوخهم هم الذين كانوا يقولون : إن الوهابيين يكرهون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا وما زالوا يجدون من يصدقهم.
صديقي الفاضل : إن الذي يدعوني إلى هذا الحديث ما يلي : إن العرب السنة اليوم لا يواجهون عدوا ً  واحدا ً، وإنما أعداء كثر ، ويصدق فينا قول الشاعر :
          وسوى الروم خلف ظهرك روم            فعلى أي جانبيك تميل
وقال آخر :
          فلو كان سهما ً واحدا ً لاتقيته              ولكنه سهم وثان وثالث
وأخطر هؤلاء الأعداء ، وأشدهم مكرا ً ولؤما ً الرافضة الفرس الذين ينظرون إلى العرب بعيون وعقول قدامى الأكاسرة . ومن مكرهم ودهائهم قدرتهم على إقناع شعوبنا بأنهم قادة الصمود والتصدي والممانعة ضد إسرائيل والأمريكان مع أن تعاونهم مع إسرائيل لا يخفى على كل من يتابع الأحداث ، وفي طليعة الذين صدّقوا هذه الدعاية الإخوان المسلمون في البلاد العربية !! وإذا كانت إيران بعيدة عنهم نسبيا ً ، فقد صدّقوا أن سورية الباطنية حليفة إيران دولة ممانعة .. نعم صدّقوا هذه المقولة وتناسوا الجولان ، والاتصالات المباشرة وغير المباشرة بإسرائيل ، كما تناسوا القانون "49" الذي ينص على إعدام كل من يثبت انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين !! لا أدري كيف تتخذ القرارات عند أصحابنا ؟! .
ومن دهاء ومكر الإيرانيين قدرتهم أيضا ً على إقناع عربنا بأن السعودية وكل البلدان العربية التي لا تدين بدين الرافضة ، هي دول خنوع واستسلام أو هم أنصاف رجال كما وصفهم القرمطي المعتوه في خطبة من خطبه العصماء ، وهذا الحكم ينسحب على الحكام والشعوب ، ويريدون من وراء إشاعته نزع الثقة بيننا وبين إخواننا وأهلنا في كل بلد عربي ، وإنه لا مفر من حرب ضروس ستنشب بيننا وبين إيران ومشتقاتها في البلدان العربية ، ولست أنا الذي أريد هذه الحرب أو أدعو إليها ، بل هم الذين أرادوها وصرّحوا بها منذ وصول خمينيهم إلى إيران ، لقد رفعوا شعار " تصدير الثورة " وأعقبوا هذا الشعار بحروب وفتن لم ينجو منها أي بلد عربي .
وأمام ذلك يجب علينا توحيد صفوفنا ، وجمع شتاتنا ، وقطع الطريق على كل من ينشر الإشاعات ، ويروج للفتنة ، وينشط في خوض معارك جانبية لا يستفيد منها إلا الأعداء.
ودعني أيها الصديق الصدوق أن أختم هذه الجلسة بتوجيه النداء التالي لأهل بلدنا :
يا أهلنا في الشام : إن السعودية قلعة من قلاع الإسلام الشامخة ، فيها رجال يفرحون لفرحكم ويحزنون لحزنكم ، ويعادون من تعادون ، ويبسطون قضيتكم في خطبهم يوم الجمعة ، ويدعون لكم في سرهم ونجواهم ، ولولا المزعجات من الليالي لرأيتم الرياض وقد أصبحت دمشق أخرى .
إن الطريق طويل وشاق ، والأهداف واحدة ، والعدو واحد وإن تعددت سبله ، والواجب يحتم علينا أن نفتح باب الحوار بين شعوبنا ، فالشعوب باقية وحكامها يتغيرون ، وما نعجز عن فعله اليوم سيتحقق غدا ً بإصرارنا وقوة توكلنا على الله سبحانه وتعالى .
قال : إذا كنت قد أعلنت عن ختم هذه الجلسة ، فأريد منك الإجابة على السؤال التالي : لماذا لا أرى لك حضورا ً فعّالا ً في هذه المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك ، ومن لا يعرفك قد يظن بك الظنون ، هذا من  جهة ، ومن جهة أخرى فإن البعض يزعم أن بعض أصحابك شاركوا في بعض هذه المؤتمرات أو هم الذين صنعوا بعضها فهل هذا صحيح ؟!.
قلت : هذا سؤال وجيه ، وأسأل الله أن يكتب لنا لقاءً آخر والحمد لله رب العالمين .
 
محمد سرور زين العابدين
20 شوال 1432هـ
18 /9/2011



http://www.surour.net