موقع الشيخ محمد سرور زين العابدين

    مقالات   


"سوريا" الانشقاقات العسكرية ورهانات الثورة - د. بشير زين العابدين 

موقع المسلم 2011-11-08

 

ما الذي حدث في رئاسة الأركان؟
عانت المؤسسة العسكرية السورية في عهد بشار أسدمن شروخ بنيوية ظهرت بوادرها لأول مرة عام 2004، وذلك عندما قام القصر الجمهوريبحركة تصفيات طالت حوالي 40 بالمائة من ضباط القيادة في دمشق، وكان الهدف من عمليةالتطهير تلك؛ تحجيم القادة العسكريين الذين تزايد نفوذهم، وتعيين ضباط موالين، علىرأسهم العماد علي حبيب الذي عين رئيساً للأركان آنذاك.
ومنذ ذلك العام بذلالعماد علي حبيب جهوداً مضنية لإحكام قبضة القصر الجمهوري على المؤسسة العسكرية،إلا أنه عانى في الفترة: 2005-2009 من وقوع خلافات كبيرة بين ضباط الجيش، وقعت فيهاعمليات تصفية جسدية شملت كلاً من: وزير الداخلية ورئيس الأمن السياسي السابق اللواءغازي كنعان (2005)، وشقيقه علي كنعان (2006)، والعميد محمد سليمان (2008)، وذلك فيظل خروق أمنية أدت إلى مقتل عماد مغنية (2008).
في هذه الأثناء، كان صهرالرئيساللواء آصف شوكت مشغولاً بإقصاء خصومه، وتعيين الموالين له في الجيش وقوى الأمن،وعندما ظن أن الأمور قد استتبت له وجد نفسه في خط المواجهة مع شقيق الرئيس ماهرأسد، وأدى الخلاف بين الخصمين اللدودين (آصف وماهر) إلى حركة تسريحات وتنقلات دفعتبالقصر الجمهوري للقيام بعملية تطهير ثالثة عام 2009، فأعاد هيكلة المؤسسات الأمنيةوالعسكرية، واستبدل مكتب “الأمن القومي” بمجلس “الأمن الوطني”، مما أدى إلى تذمرشوكت ورفضه الالتحاق بمكتبه الجديد بصفته نائباً لرئيس الأركان.
وعلى الرغم مننجاح القصر الجمهوري في فرض حالة من التكتم على الصراعات الداخلية التي هزت قيادةالأركان عام 2009، إلا أن الثورة السورية قد أعادت هذه الصراعات إلى الواجهة منجديد:
- ففي 8 أغسطس 2011 غاب العماد علي حبيب عن المشهد العسكري، بعد ترددالحديث عن تذمره من إدارة ماهر أسد للحملة ضد المتظاهرين، وما نتج عن ذلك من تمردعناصر من الجيش.
- وفي اليوم ذاته أُعلن تعيين العماد داود راجحة خلفاً لحبيب،وكانت بعض المصادر المطلعة قد وصفت راجحة بأنه ضابط ضعيف ليس له قيمة في معادلةالتوازنات العشائرية داخل قيادة الجيش.
- ولم يكن خلف راجحة في رئاسة الأركانأفضل حالاً منه؛ فقد تخطت قيادة القصر الجمهوري العماد آصف شوكت وهو الضابط الأرفعرتبة بين النواب الثلاثة، وعمدت إلى تعيين العماد فهد جاسم الفريج رئيساً للأركانفي 11 أغسطس 2011، وكان القرار مفاجئاً لأن الفريج لا يملك نفوذاً يذكر داخلالمؤسسة العسكرية، وبدا من الواضح أن الهدف من هذا الإجراء هو عزل رئاسة الأركان عنقيادة العمليات العسكرية ضد الثورة.
- أما الإجراء الرابع فقد تمثل في إقصاء آصفشوكت عن رئاسة الأركان من خلال تعيينه نائباً لوزير الدفاع في 13 سبتمبر 2011، وذلكفي انحياز واضح للفريق الذي يديره ماهر أسد في القصر الجمهوري.

-
وفي استمرارلمسلسل مفاجآت رئاسة الأركان؛ أعلنت وكالة الأنباء السورية الوفاة “المفاجئة” لنائبرئيس الأركان الثالث العماد بسام نجم الدين أنطاكيه لي على “إثر نوبة قلبية حادةفي 24 سبتمبر 2011، وبذلك فقدت رئاسة الأركان نائبيها دفعة واحدة، وأحيل رئيسهاللحكومة، وعين الثالث نائباً له في عملية تطهير شاملة لقياد الجيشالسوري.
الأيام الأخيرة في مكتب وزير الدفاع العماد علي حبيب
تولى العماد عليحبيب منصب رئيس الأركان عام 2004، ثم خلف العماد حسن توركماني وزيراً للدفاع عام 2009، وفي غضون هذه الفترة حاول حبيب بسط سيطرته على المؤسسة العسكرية من خلالإضعاف نفوذ الضباط المتنفذين، فتبنى سياسة التوسع الأفقي للجيش مما أدى إلى تقويةالصف الثاني من قادة الفرق والألوية، وارتفاع عدد التشكيلات العسكرية الوسطى علىمستوى لواء وكتيبة بنسبة 150 بالمائة، ونتج عن ذلك ارتفاع نسبة السنة بين قادةالكتائب من 35 بالمائة إلى 65 بالمائة في غضون خمسة أعوام، وارتفاع نسبتهم فيالتشكيلات القيادية التابعة للقيادة العامة من 38 بالمائة إلى 54 بالمائة في الفترةنفسها.
أما على الصعيد المهني فقد تميز علي حبيب بكفاءته في قيادة القواتالخاصة، وكوفئ على ذلك بتعيينه قائداً لفرقة النخبة السورية التي شاركت في تحريرالكويت عام 1991، وفي هذه الأثناء عمل حبيب على تقوية صلاته مع قيادات عسكرية فيدول الخليج العربي، وبذل جهوداً كبيرة لفك العزلة عن المؤسسة العسكرية، والتخلص منالسمعة السيئة التي جلبتها عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري على ضباطالجيش.
ولدى اندلاع الثورة السورية وجهت الاستخبارات العسكرية الإسرائيليةتحذيراً غير مباشر إلى القيادة السورية بضرورة إقصاء فرق الجيش النظامي عن بؤرالتوتر لأنه لا يمكن ضمان ولاء هذه الفرق للنظام في حالة المواجهة مع الشعب، وأشارتهذه المصادر إلى أنه قد يكون من الممكن المحافظة على ولاء فرق النخبة المرابطة فيدرعا، إلا أنه ليس من الحكمة توريط الفرق الأخرى في عمليات قمع واسعة النطاق في كلمن حماة وحمص ومدن الساحل السوري.
وقد ترددت أصداء هذه التحذيرات في الأروقةالغربية والعربية؛ حيث أكد خبير عسكري غربي أن: “الجيش السوري سينقسم إذا جرتمحاولة تكرار مذبحة حماة”، وسربت إحدى الصحف العربية معلومات عن وجود: “ضباطمستعدين للمساهمة بدور فاعل في الإطاحة بنظام أسد إذا أوغل في العنف ضدالمتظاهرين”.
ونتيجة لذلك فقد وقف علي حبيب موقف المعارض لتدخل الجيش في مدينةحماة، وتم تأخير اجتياح المدينة عدة مرات بسبب معارضته، ولم يرق له أن تعمل فرقهتحت قيادة الأجهزة الأمنية، فأخذ يجاهر بتذمره من إقحام فرق الجيش في عمليات قتاليةداخل المدن، وما نتج عن ذلك من فقدان ألويته بعض المدرعات في الرستن وتلبيسة وكناكرودرعا ودير الزور، وكان لظهور صور الدبابات السورية في قبضة الشعب وقد رفعت عليهاشعارات الثورة أثر سلبي على معنويات علي حبيب.
تزامنت هذه الأحداث مع وقوعانشقاقات عسكرية في درعا، واندلاع اشتباكات على مستوى الدبابات بين العناصر المنشقةوالقوات الموالية للنظام السوري، أما في الحسكة ودير الزور والبوكمال؛ فقد اضطرترئاسة الأركان إلى سحب جميع الفرق المرابطة فيها واستبدالها بعناصر من الفرقةالسابعة، وفي 31 يوليو 2011 رفضت قيادة إحدى الفرق المدرعة التحرك من قطنا في عصيانشمل جميع أفراد الفرقة.
وعلى الرغم مما أبداه العماد علي حبيب من تذمر تجاهالأوامر الواردة من القصر الجمهوري؛ إلا أن رئاسة الأركان قد تحملت الجزء الأكبر منالمهانة في وسائل الإعلام العربية والغربية، وما لبث حبيب أن اختفى عن المشهدالعسكري في 8 أغسطس وسط أنباء عن مقتله.
وتنقل بعض المصادر التركية عن وزيرالخارجية أحمد داود أغلو الذي زار دمشق في تلك الفترة؛ أنه وجد الأجواء متوترة داخلالقصر الجمهوري، ولما سأل عن صحة علي حبيب جاءته الإجابة بأنه خضع لعملية جراحيةولن يتمكن من مقابلة أحد قبل شهرين!
وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إقالة عليحبيب جاءت على خلفية الانقسام الواقع داخل الطائفة الحاكمة، مشيرة إلى احتمالانقلاب العلويين على نظام الحكم؛ خاصة وأن عائلة حبيب تعتبر أكبر من عائلة أسد داخلعشيرة المتاورة، وأكدت الصحيفة أنه: “إذا اطمأن قادة العلويين البارزين إلىسلامتهم، فإنهم قد يشرعون في سحب تأييدهم من أسرة الأسد ويجربون حظهم مع المعارضة،وإشارة منهم يمكن أن تقنع قادة الجيش العلويين المتنفذين بالانشقاق وأخذ ضباط آخرينمعهم”.
القصر الجمهوري يخوض معركة البقاء
تؤكد المصادر الغربية أن الدائرةالمغلقة حول بشار أسد تخوض معركتها الأخيرة، ففي تحليل نشر في 4 أكتوبر 2011؛ رأىثيو باندوس” أن المجموعة المحيطة بالرئيس قد تلجأ إلى ممارسات غير مسبوقة من أجلالبقاء، ويمكن تلمس ملامح هذه المجموعة في فرقة العمليات التي شكلها القصر الجمهوريلمواجهة التظاهرات الشعبية، وتضم قادة الأجهزة الأمنية وفرق النخبة العسكريةالتابعة للقصر الجمهوري ومستشاري الرئيس وعلى رأسهم: محمد نصيف، وحسن خليل، وعبدالفتاح قدسية، وعلي المملوك، وماهر أسد.
وبمجرد اندلاع الأحداث عمدت هذهالمجموعة إلى الزج بفرق حماية النظام في مواجهة المتظاهرين، وتتمثل هذه القوى في: القوات الخاصة، والحرس الجمهوري، والفرق المدرعة: الرابعة، والسابعة، والحادية عشر،واللواءين المدرعين (الرابع عشر والخامس عشر) التابعين للفيلق الثالث بحلب، كماتردد الحديث عن إلحاق الفرقة المدرعة الثالثة بالقصر الجمهوري.
أما القيادةالأمنية فقد زجت بقواتها من أجهزة: الاستخبارات العسكرية، والأمن السياسي، والأمنالعام، والمخابرات الجوية، ومكافحة الشغب، ودعمتهم بفرق من عصابات الشبيحةوالمرتزقة من أصحاب السوابق.
وللتأكد من تماسك الدائرة المغلقة حول الرئيسوالتقليل من فرص التمرد والاختلاف؛ قام القصر الجمهوري بإقصاء أجهزة الحكومة وكوادرحزب البعث، وتم عزل قيادة الجيش النظامي عن إدارة العمليات، في حين أخضعت أجهزةالإعلام لسيطرة الرئاسة من خلال تبني الرئيس ونوابه ومستشاريه إدارة الحملةالإعلامية، وقيامهم ببث هواجس “المؤامرة الخارجية”، إضافة إلى مهاجمة الإعلامالعربي والغربي، واستهداف جميع أطياف المعارضة دون تمييز.
استهداف المنشآتالمدنية وقتل المدنيين: إرث بعثي
استفاد النظام السوري خلال العقود الخمسةالماضية من حالة التعتيم الإعلامي، حيث دأب على تكييف الأحداث وفق رواية رسميةواحدة لا منازع لها على المستوى المحلي.
إلا أن تغطية الإعلام الدولي لأحداثسوريا مثلت تحدياً كبيراً لأجهزة الإعلام السوري التي دأبت على تحذير المواطنين منمشاهدة: “القنوات المغرضة”، واقتصرت استراتيجيتها على نفي كل شيء!
أما علىالصعيد الدولي فقد أصبحت صور التعذيب المروع، والقتل الجماعي، وتدمير المساجد،واقتحام البيوت؛ جزءاً من التغطية الإخبارية اليومية في سوريا، دون أن يدرك الرأيالعالمي أن أعمال القمع، واقتحام المدن بالمدرعات واستهدافها بالطائرات والمدفعيةالثقيلة هي سمة ملازمة لحكم البعث منذ قيامه:
- ففي عام 1963 قصفت الطائراتالحربية مبنى رئاسة الأركان في دمشق، وأمر أمين الحافظ بزج الدبابات والمدفعية تحتإمرته في شوارع دمشق، وحصدت مدرعاته أرواح نحو خمسين من المدنيين، إضافة إلى 27ضابط تم إعدامهم فور السيطرة على مقر قيادة الأركان.
- وفي عام 1964؛ اقتحم حمدعبيد مدينة حماة بالدبابات، واستخدم المدفعية لدك مسجد السلطان الذي قتل فيه أكثرمن ستين شخصاً.
-
وفي عام 1965 اقتحم سليم حاطوم المسجد الأموي وأمر بإطلاقنيران المدفعية على المصلين فقتل منهم عدداً كبيراً، واعتقل العشرات.
وما لبثتدوامة العنف أن احتزت رؤوس النظام البعثي وعلى رأسهم: صلاح جديد الذي لقي حتفه فيسجن رفيق عمره حافظ أسد، ومحمد عمران الذي تتبعته مخابرات أسد وقتلته في بيروت عام 1972، وأمين الحافظ الذي خاض معركة شرسة في مواجهة قوة قادها سليم حاطوم أودت بحياةفرقة كاملة من حراسه وأصيب فيها بجروح بليغة عام 1966، ثم قُتل سليم حاطوم على يدعبد الكريم الجندي الذي قام بتكسير أضلاعه قبل إطلاق النار عليه في يونيو 1967، ومالبث عبد الكريم الجندي أن لقي حتفه في هجوم شنه رفعت أسد على مكتبه في مارس 1969.
وفي مطلع الثمانينيات ولغ رفعت أسد في دماء الشعب السوري، وارتكبت قواتهسلسلة مجازر دموية في تدمر وحلب وإدلب وجسر الشغور، وشهدت مدينة حماة في شهر فبراير 1982 آخر عمليات رفعت وأكثرها دموية حيث قامت فرق النخبة بالجيش السوري، مدعمةبالدبابات والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ والطائرات المروحية بحملة عمليةعسكرية واسعة تبعتها عملية مسح لأحياء المدينة القديمة قتل فيها حوالي 30 ألف نسمةأغلبهم من المدنيين، وانتهى طموح رفعت العسكري على يد أخيه حافظ الذي نفاه علىخلفية محاولة انقلابية فاشلة عام 1984.
وتقودنا هذه الحقائق لتقرير حقيقة مهمةتتمثل في ارتباط النظام البعث السوري منذ تأسيسه باستهداف المواطنين في حروب المدن،وتوجيه قذائف الآليات العسكرية والمدفعية الثقيلة ضد المدنيين العزل، ولا شك بأنالدول التي تتهم المتظاهرين بالمواجهة العسكرية وتسم حركة الاحتجاجات السلميةبالعنف؛ تجانب الحقيقة، وترتكب هذه المغالطات بهدف تبرير مواقفها المخزية من معاناةالشعب السوري.
الآثار المترتبة على تصدع أركان المؤسسة العسكرية
أ- ارتفاعوتيرة العنف
على الرغم من الإمكانات الكبيرة المتوفرة للقصر الجمهوري، فإن أداءقيادته لا تزال بعيدة عن المهنية والاحتراف؛ فعندما عجزت فرق النخبة وأجهزة الأمنعن السيطرة على الأوضاع الداخلية؛ لجأت إلى الجيش النظامي الذي سرعان ما ظهرت بوادرالتمرد في كتائبة وألويته، فاضطر القصر إلى تفعيل دور جهاز الاستخبارات العسكريةالذي فشل في المحافظة على تماسك الجيش، فقد أدى الاستخدام المفرط للعنف إلى توسيعرقعة الانشقاقات بين الضباط المحايدين والذين استهدفهم النظام بحملة قتل دفعتبالكثير منهم إلى التمرد ورفع السلاح في مواجهة النظام.
ولما فشلت الاستخباراتالعسكرية في أداء مهمتها؛ هبت الميليشات الطائفية لنجدة حلفائها في دمشق، حيث أعلنتلجنة تابعة للمفوضية العليا لشؤون اللجئين بالأمم المتحدة أن إيران و”حزب اللهاللبناني متورطان في قتل الجنود السوريين الرافضين لإطلاق النار على المتظاهرين،وأوضحت اللجنة أنها تمتلك معلومات دقيقة وصوراً للاجئين وجنود منشقين أدلوابشهاداتهم حول تعرضهم لإطلاق النار من قبل عناصر من “حزب الله” والحرس الثوريالإيراني، وذلك بسبب رفضهم إطلاق النار على المتظاهرين.
ب- تزايد الانشقاقاتالعسكرية
إن توجه النظام نحو تصعيد عمليات القمع عبر قتل أقطاب المعارضةالمدنية، وخطف النساء، وتكثيف حملات الاعتقال الجماعي والقتل العشوائي؛ تهدف جميعهاإلى تعزيز مناخ العنف والعمليات الانتقامية خاصة في مخيمات اللاجئين وفي المحافظاتالتي تهيمن عليها عشائر يمتلك أفرادها أسلحة يدوية حصلوا عليها من خلال انضمامهم فيمراحل سابقة إلى فرق الجيش الشعبي.
وعلى الرغم من تفهم الدوافع لمن يستخدمالسلاح دفاعاً عن دمه وعرضه؛ إلا أن الثورة السورية تواجه خطر ظهور مجموعات مسلحةتمارس دوراً يتسم بالانتقامية، وتتفشى فيه روح الانفلات، وقد أثبتت المخابراتالسورية قدرة عالية على توفير الدوافع الكافية لتشكيل مثل هذه المجموعات، ومن ثماستدراجها في مواجهات غير متكافئة، بهدف زيادة الضغط على الشعب، ولا تزال تمثل فيأذهان الشعب السوري مرارة العمل المسلح الذي انتهى بخسائر فادحة إبان فترةالثمانينيات من القرن المنصرم.
وتكمن الإشكالية في أن هذه المجموعات لا تستطيعأن توفر الحماية اللازمة للمدنيين في مواجهة الآلة الحربية الضخمة للنظام بطائراتهومدرعاته ومدفعيته الثقيلة، وفي مقابل ذلك يحقق النظام أهدافاً عدة تتمثل في: تقديمالذريعة اللازمة لمهاجمة المدن واستهداف المتظاهرين السلميين، وتعزيز مشاعر القلقلدى القوى الإقليمية من خطر قيام عمل عسكري شعبي تتغلغل فيه التيارات الدينيةالمتطرفة والإثنيات العرقية التي يمكن أن تستهدف أمن تركيا بصفة خاصة، وإيهام هذهالدول بأن النظام السوري هو صمام الأمان لحماية حدودها، إضافة إلى توظيف الهاجسالأمني لدى اليهود بإمكانية اندلاع الفوضى إذا انهار النظام، ودفعهم للتأثير علىالإدارة الأمريكية بتخفيف الضغط على النظام ومنحه المهلة اللازمة للقضاء على الثورةالشعبية.
ج- الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل الثوري
أكد “سيمون تسيدال” فيمقال نشرته صحيفة الغارديان في 29 سبتمبر 2011 أن الثورة السورية قد دخلت منعطفاًجديداً يتمثل فيما أسماه: “مرحلة تسليح الثورة”، وهو التطور الذي باتت معه سورياعلى حافة الانزلاق إلى حرب أهلية.
وتوقعت المصادر الغربية زيادة وتيرة العنف فيالفترة المقبلة نتيجة إحكام دائرة الحصار الاقتصادي على النظام الذي يعاني أقطابهمن توتر يدفع بهم لارتكاب المزيد من الجرائم الإنسانية، وسيؤدي ذلك حتماً إلىارتفاع وتيرة الانشقاقات والمواجهات المسلحة.
وبناء على ذلك فإنه يتعين على جميعالجهات المعارضة أن تسعى إلى إعادة ترتيب الأوراق في مواجهة النظام الذي يحاولخلطها، وبالأخص منها ورقة العمل المسلح التي تعتبر الأكثر حساسية في مسيرة الثورة،حيث يفرض الواقع عليها استيعاب أهم متغيرات المرحلة التي تحولت فيها مظاهر السخطالشعبي إلى كيان ثوري يستهدف بنية الحكم، ويمثل بديلاً عن نظام الحكم الذي تنخر فيجسده عوامل التعرية ومظاهر الفساد.
ففي مراجعته لنظريات الاجتماع السياسي حولفلسفة الثورة رأى “تيد غور” أن الثورات تمر بثلاثة مراحل رئيسة؛ إذ تنطلق فيالبداية من خلال اندلاع سخط شعبي عارم، ثم تتحول في المرحلة الثانية إلى حركةسياسية منظمة، وتتطور في المرحلة الثالثة لتشكل قوة تواجه نظام الحكم القائم بندية،وتعمل على هدم أركانه وتفكيك مؤسساته تمهيداً لتقديم البديل.
التجاهل أمالترشيد؟
يمكن القول بأن حركة الاحتجاج السلمي في سوريا قد انتقلت بالفعل منمرحلة السخط الشعبي إلى مرحلة تشكيل البنية السياسية للعمل الثوري، مما يفرض عليهاأن تواجه تحديات جديدة، يتمثل الأبرز منها في مواجهة التحدي المتمثل في تحول العملالمسلح إلى حقيقة واقعة فرضها النظام بتعسفه، وجاءت كنتيجة حتمية للتدهور الذيانتاب قيادة الجيش.
ويتعين على القوة الوطنية أن تعترف بوجود هذه الظاهرة، وأنتسعى إلى تدارك عواقبها الوخيمة، على المستويين؛ المحلي والإقليمي، وذلك من خلال مايأتي:
1- الخروج من دوامة النقاش حول جدوى التدخل الخارجي لحماية المدنيين،والسعي إلى تقديم بدائل محلية يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في التقليل من حجمالخسائر المدنية، والدفع باتجاه تحقيق النمط المصري (بدلاً من الليبي) في الانتقالالسلمي للسلطة بأقل الخسائر.
2- احتواء حركة الانشقاقات العسكرية والتمردالمسلح، والعمل على ترشيد هذه الظاهرة واستيعابها ضمن إطار الحراك الوطني بدلاً منتجاهلها، والتمييز ما بين حركة الاحتجاجات الشعبية السلمية من جهة، والتمرد العسكريالذي جاء كنتيجة حتمية لتصدع أركان المؤسسة العسكرية وانهيار معنويات جنودهاوضباطها من جهة أخرى.

3-
في الوقت الذي تكسب فيه الحركة الوطنية زخماً متصاعداًوتسجل نجاحاً في تنظيم صفوفها؛ تظهر ملامح الإنهاك والضعف على مؤسسات النظام، مماينذر بوقوع فراغ أمني يبدأ في المناطق النائية، مما يفرض على القوى الوطنية أن تدرسالخيارات المتاحة لديها للمحافظة على حالة السلم الأهلي، ومنع فرص الاقتتالالداخلي، وتوفير القاعدة الشرعية والقانونية للمبادرات العسكرية المتضامنة مع الشعبومطالبه العادلة.
4- إدراك الأبعاد الإقليمية للأزمة السورية، وتفهم مخاوفالأتراك والدول العربية المجاورة من عواقب تخبط النظام وتلويحه بالتأزيم الإقليمي،وما يمكن أن يسببه ذلك من تأثير سلبي على أمن هذه الدول واستقرارها، والسعي إلىتقديم ضمانات بملء حالة الفراغ الأمني والحد من الخروقات التي يرتكبهاالنظام.
والحقيقة التي لا بد من إدراكها؛ هي أن النظام قد ارتكب سلسلة أخطاءفادحة في تعامله مع الحراك الشعبي، ولم يبق لديه خيار سوى التأزيم، والتهديد بإشعالالمنطقة! ومحو أوروبا من الخارطة! ومعاقبة الدول التي تعترف بالمجلس الوطني! وعلىجميع القوى الوطنية أن تعمل جاهدة للسيطرة على انهيار المعنويات داخل المؤسسةالعسكرية ومنسوبيها قبل أن تتحول إلى حالة انفلات أمني يقوم على الأعمال الانتقاميةوردود الأفعال.
 



http://www.surour.net