موقع الشيخ محمد سرور زين العابدين

    مقالات   


سوريا: الثورة في مرحلة الحسم / د بشير زين العابدين 

 2011-11-24

 

 
هل يأتي الحسم من الخارج؟
انتقلت الثورة السورية منذ اندلاعها في شهر مارس الماضي من مرحلة السخط الشعبي العام إلى مرحلة الحراك السياسي المنظم، ثم بدأت ملامح العسكرة في الظهور نتيجة تراكم أخطاء النظام في تعامله مع المتظاهرين السلميين والجنود المحايدين على حد سواء.
وبخلاف الثورات العربية الأخرى؛ تعامل المجتمع الدولي مع حملة القمع التي شنها النظام بتباطؤ ملفت للانتباه؛ إذ تطلب انعقاد مجلس الأمن سبعة أشهر انتهت بفيتو صيني وروسي في شهر أكتوبر الماضي، وعلى إثر ذلك تقدمت الجامعة العربية بمبادرة تكررت فيها "المهل" لدفع النظام على الاستجابة دون طائل!
وفي أتون المشاهد اليومية المروعة من القتل الجماعي والقصف العشوائي والتعذيب الممنهج، لم تجد استغاثات الشعب في جمعات: "صمتكم يقتلنا"، و"الحماية الدولية"، و"الحظر الجوي"، و"طرد السفراء" آذاناً صاغية لدى المجتمع الدولي الذي استبعد التدخل المباشر بكل وضوح.
فعلى إثر فشل الأمم المتحدة في إصدار قرار يدين النظام؛ استبعد حلف الناتو فكرة إقامة منطقة حظر جوي فوق سوريا بهدف حماية المدنيين، مؤكداً أن "النموذج الليبي" لن ينجح في سوريا بسبب غياب الإجماع الدولي، ومشترطاً موافقة مجلس الأمن، وهو احتمال بعيد في ظل الفيتو الروسي والصيني.
وعلى الصعيد نفسه صرح وزير خارجية ألمانيا "جيدو فيسترفيله" أن ألمانيا تعارض أي تدخل عسكري لحلف شمال الأطلسي في سوريا، منبهاً إلى خطورة تكرر الدعوة إلى التدخل العسكري في سوريا.
وأكد وزير خارجية فرنسا آلان جوبيه أنه من المستبعد القيام بعملية عسكرية ضد دمشق لأن العقيدة العسكرية لباريس تقوم على اشتراط تفويض من مجلس الأمن للتحرك ضد أي دولة، وهذا لم يتحقق حتى الآن، كما نقل عن وزير الخارجية البريطاني تصريح مماثل يستبعد فيه التحرك العسكري ضد سوريا.
أما بخصوص المبادرة العربية وما تخللها من "المهل" المتعددة التي حظي بها النظام؛ فقد رأت صحيفة الغارديان أن إجراءات الجامعة العربية لا تهدف إلى اتخاذ إجراءات على أرض الواقع، بل تحمل في حقيقتها طابعاً رمزياً يدخل في دائرة "الضغوط"، وكان الأمين العام للجامعة واضحاً في التأكيد على أن إمكانات الجامعة العربية في التدخل محدودة.[1]
وفي مقابل ضعف المواقف العربية والغربية؛ هرعت المنظومة الإيرانية إلى تقديم الدعم المادي والعسكري واللوجستي للنظام، وقد عبر السفير الإيراني في دمشق محمد رضا رؤوف شيباني عن موقف بلاده بقوله: "إن محور المقاومة يشمل إيران وسوريا والمقاومة الفلسطينية واللبنانية والهدف من سعي الأعداء للتدخل في شؤون سوريا الداخلية هو تدمير هذا المحور".
والتقت السياسية الإسرائيلية مع الموقف الإيراني في ضرورة المحافظة على نظام أسد ومنعه من السقوط، حيث عبر اللواء عاموس جلعاد وهو رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية عن ذلك بقوله: "إن انهيار النظام السوري سيكون له نتائج كارثية على إسرائيل"، وأكدت دراسة لمركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب بتاريخ 11 نوفمبر 2011؛ أن الفرضية القائلة بأن التدخل الأجنبي من شأنه أن يحل الأزمة في سوريا لا تستند إلى الواقع، فمن الناحية العملية يستحيل تشكيل ائتلاف دولي من أجل القيام بعملية عسكرية لإسقاط الرئيس بشار أسد، وذكر المؤرخ الفرنسي فريدريك بيشون أنه لا توجد مصلحة لدى الدول الرئيسة في المنطقة (تركيا، إسرائيل، إيران) بانفجار الوضع في سوريا، وهو أمر سيضر بمصلحتهم جميعاً.
ولا بد من تنبيه القوى الوطنية على أن الحسم في سوريا لن يأتي من الغرب، فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ترتكز على تحقيق مصالحها في المنطقة، ثم تأتي الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية كعوامل مساعدة في تحقيق الإستراتيجية العليا لهذه الدول وليس كمحرك لها، وبناء على ذلك فإن الحراك الوطني في سوريا يجب أن ينطلق من خلال الوعي بأن مواقف الدول الغربية تجاه سوريا تتحدد وفق سياستها العامة تجاه المنظومة الإيرانية التي تحظى بدعم صيني وروسي هدفه منع امتداد حلف الناتو باتجاه الشرق من جهة، والمحافظة على مراكز نفوذ هذه الدول من جهة أخرى.
ومن المؤسف القول أن الفيتو الروسي والصيني قد أصبحا الشماعة التي تتدثر بها الدول الغربية لتبرير تخاذلها تجاه الوضع الإنساني المتردي في سوريا.
"الردع الإستراتيجي" آخر أوراق النظام
يأتي التردد الغربي إزاء التدخل العسكري المباشر على خلفية استخدام بشار آخر بطاقتين يملكهما في المراهنة على استمرار نظامه، وهما: "التأزيم الإقليمي"، وسياسة "الردع الإستراتيجي"؛ فبالإضافة إلى استقواء النظام السوري بالمنظومة الإيرانية والتلويح بتحريك خلاياها في دول الخليج العربي، هدد بشار بوقوع "زلزال" في المنطقة إذا تعرض نظامه لإجراء عسكري، وذلك في رسالة واضحة إلى الغرب بأنه مستعد لاستخدام أسلحة الردع المتوفرة لديه.
وتعود سياسة "الردع الإستراتيجي" في سوريا إلى مرحلة التسعينيات من القرن الماضي عندما أدرك حافظ أسد صعوبة تحقيق سياسة "التوازن الاستراتيجي" في سباق التسلح بالمنطقة، فأخذ يجمع ترسانة من مختلف الأسلحة الكيميائية المحملة على رؤوس الصواريخ والقنابل وقذائف المدفعية، وتذكر مصادر الاستخبارات الأمريكية أن الجيش السوري قد بدأ في نشر صواريخ تحمل غاز الأعصاب (VX) في منشأة بالقرب من حمص منذ سنة 1997. ويعتقد بأن سورية تمتلك اليوم آلاف القذائف التي تحمل مادة "السارين" في منشآت شمال دمشق وبالقرب من حماة، والتي يمكن إطلاقها من صواريخ سكود المطورة، وتوجد أربع منشآت في سورية لتصنيع الأسلحة الكيميائية والجرثومية، ولكن يصعب تقدير حجم هذه الأسلحة أو تعقبها لأنها موزعة على مخابئ سرية ومتفرقة في أنحاء القطر السوري، وقد تم تطوير حوالي 150 صاروخاً يمكن أن تحمل رؤوساً مزودة بأسلحة كيميائية ولكنها لا تستخدم إلا في حالات استثنائية قصوى، ولا تطلق إلا بمصاحبة عدد كبير من الصواريخ التقليدية وذلك بغية تضليل أجهزة رادار العدو.
أما المنشأة الرئيسة لإنتاج الأسلحة البيولوجية فتقع في مدينة دمشق، وتنتج فيها كميات من مادة الأنثراكس والكوليرا، ثم توزع توزيعها على أماكن متفرقة لمنع فرص تعقبها، وتشير المصادر إلى أن سوريا قد أنفقت في العقدين الماضيين ما يتراوح بين بين 45 إلى 60 مليون دولار في السنة في مجال تصنيع الأسلحة الكيميائية وتطوير صواريخ سكود، ويمتلك الجيش برنامجاً لتطوير منظومة صواريخ حديثة حيث يوجد حوالي خمسة عشر موقعاً سرياً يتم تشغيلها بدعم من الصين وكوريا الشمالية وإيران، وتصنع فيها صواريخ (Scud-C)، المطورة والتي يبلغ مداها 500 كم بحمولة زنتها 500 كيلو جرام. كما تم إنشاء مخازن مخصصة لتخزين صواريخ (Scud-D) التي يبلغ مداها 700 كم بحمولة 500 كيلو جرام، ويسود الاعتقاد بأن سورية قد نجحت في الحصول على منظومتي صواريخ (M-9) و(M-11) المتطورة من الصين، وتحتوي رؤوس أغلب هذه الصواريخ على مواد متفجرة تقليدية.
جدير بالذكر أن هذه الأسلحة ليست معدة لخوض حروب تقليدية، وإنما الهدف منها تعزيز القدرات الردعية التي تجعل الخصم يتردد في شن هجوم يمكن أن يودي بحياة النظام، والنتيجة التي خلص إليها المحللون هي أن تكديس هذه الترسانة لا يدخل ضمن إطار تعزيز مفهوم "المقاومة" الهادفة إلى تغيير الموازين الإستراتيجية في المنطقة أو دفع الدول الغربية لتغيير سياساتها تجاه القضية الفلسطينية كما يدعي النظام، فهل لا ترقى إلى مستوى الردع النووي الإسرائيلي، بل تمثل في حقيقتها إشارة ضعف تنم عن تنامي هاجس الشعور بالخوف، والسعي إلى امتلاك هذه الأسلحة التدميرية التي لا تستخدم عادة إلا في أشد السيناريوهات قتامة، وقد دأب النظام على استخدامها كورقة تفاوض تهدف إلى فك عزلته والتنفيس عن الضغط الدولي الذي يعاني منه.
ما الذي يحصل في الأروقة الروسية والإيرانية؟
على الرغم من الخلاف القائم حول التعامل مع الوضع السوري بين الصين وروسيا وإيران من جهة، والغرب من جهة أخرى؛ إلا أن الشعور بالقلق هو العامل المشترك بين جميع هذه القوى، وذلك بسبب تصاعد وتيرة المواجهات العسكرية وسوء إدارة بشار للأزمة وعدم قدرته على التعامل معها بكياسة واحتراف.
ومع أن الدول "الصديقة" ترمي بثقلها لدعم النظام السوري في محنته؛ إلا أنه لا بد من التأكيد على أن جهود هذه الدول تأتي في إطار قناعة راسخة لدى زعمائها بأن التغيير في سوريا بات حتمياً، وبأنه لا بد من العمل على ترتيب مرحلة انتقالية تحافظ على مصالح هذه الدول ومكتسباتها، فقد عبرت الصين عن قلقها من تدهور الأوضاع في سوريا، ودعا المبعوث الصيني في الشرق الأوسط إلى: "تسريع تطبيق وعود سوريا بالإصلاح"، كما تحدث وزير الخارجية الروسي لافروف عن قلق بلاده من انزلاق سوريا في حرب أهلية، مؤكداً أن موسكو: "لا تدعم الأنظمة بل القانون الدولي".
وتظهر في الآونة الأخير ملامح هذا القلق لدى المسؤولين الروس، حيث ذكرت صحيفة "روسيسكايا غازيتا" الروسية أن: "موسكو لا تستطيع الاستمرار في الدفاع عن الأسد بلا نهاية"، ودعت الرئيس السوري إلى: "الإسراع في حل مشكلاته الداخلية لأن إمكانية استمرار سياسة روسيا تتوقف على مدى إمكانية بشار من السيطرة على الأمور في بلاده".
أما في لبنان فقد أكدت مصادر مطلعة انتشار حالة من الذعر لدى "حزب الله" الذي أعلن التعبئة العامة في صفوفه، والتي تتضمن: وقف الإجازات لجميع مقاتليه، واستدعاء الآلاف من عناصره غير المتفرغين، وإصدار الأوامر لكبار المسؤولين بالاختفاء كما هو الحال في وضعية الحرب، ووضع مختلف الوحدات القتالية في حالة تأهب شديد، وخصوصاً الوحدات الصاروخية التي وضعت في مرحلة الجهوزية المسماة "ب" والتي تعني تحضيرها لتكون جاهزة للإطلاق خلال 12 ساعة منذ صدور الأوامر بذلك.[2]
وعلى الصعيد نفسه؛ تحدثت صحيفة لوفيغارو الفرنسية عن تفاقم الخلاف داخل مؤسسات الحكم في طهران حول الموقف من الأزمة السورية؛ حيث أكدت الصحيفة أن: "حرج النظام يتفاقم مع تفاقم القمع الدموي في سوريا"، وعلى إثر ذلك الخبر؛ نشرت صحيفة التلغراف تسريبات حول لقاءات سرية لمسؤولين إيرانيين مع بعض المعارضين السوريين، بهدف دعم فرص الحل السلمي للأزمة قبل تدويلها،[3] كما نشرت مجلة فورين بوليسي معلومات مهمة حول ارتفاع الأصوات المعارضة لموقف طهران الرسمي، حيث ألقى النائب السابق لوزارة الخارجية الإيراني محمد صدر باللائمة على حكومة نجاد في تأييدها غير المشروط للنظام السوري، مما أفقدها القدرة على التعاون مع تركيا للوصول إلى حل مشترك للوضع في سوريا، وقال صدر: "لو أن الحكومة الإيرانية حافظت على وضع دولي أفضل لكان لديها القدرة على التوسط بين الحكومة السورية والمعارضة ولنجحت في السيطرة على الأوضاع الداخلية في سوريا".[4]
وفي موقف شبيه؛ نشر مستشار الرئيس السابق للشؤون العربية محمد شريعتي مجموعة مقالات في موقع "ديبلوماسي إيراني"، انتقد فيها شدة النظام السوري مع حركة الاحتجاجات الشعبية مؤكدا أنه: "على الجمهورية الإسلامية أن تدعم الشعب السوري وليس أفراداً بعينهم"، وانتقد الموقف الإيراني الرسمي المؤيد للنظام.
وكان أحد النواب في البرلمان الإيراني قد زار سوريا في شهر أغسطس وعبر عن قلقه من تصاعد نبرة الكراهية لدى الشعب السوري ضد إيران مؤكداً أنه: "في غضون قرن كامل من الزمان لم يتم حرق العلم الإيراني في المنقطة، لكن هذا الذي يحصل الآن في سوريا"، وعلى الصعيد نفسه صرح أحد أعضاء لجنة الأمن الوطني والشؤون الخارجية في البرلمان الإيراني أن: "تأييد إيران غير المشروط لسوريا هو سياسة خاطئة".[5]
ملامح مرحلة الحسم
نظراً لصعوبة التدخل العسكري، وتعقيدات الموقف الإقليمي، وانخراط الحكم السوري في المنظومة الإيرانية؛ فإن الغرب يتعامل مع دمشق بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع طهران، وتتلخص في: استبعاد جميع وسائل التدخل الخارجي، والسعي إلى فرض التغيير من الداخل، وهي سياسة تهدف إلى تجنب إثارة الحساسيات الإقليمية وتفادي الاصطدام العسكري المباشر.
وقد شهد شهر نوفمبر نشاطاً ديبلوماسياً مكثفاً تتوج باجتماع لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب وأتراك في باريس توطئة لإقامة "مجموعة اتصال" تقوم بتوحيد الجهود في التعاطي مع الملف السوري بكل تشعباته، ولا شك بأن هذا الاتفاق يؤذن بدخول الثورة السورية في مرحلة الحسم، ويمكن تفصيل أهم محاور هذه المرحلة فيما يأتي:
1- المحور الديبلوماسي
هدفت المبادرة العربية إلى تشكيل موقف موحد لهذه الدول حيال دمشق وسحب غطاء الشرعية العربية عن نظامها، ونجحت هذه المناورة في تعميق عزلة بشار وإحراج أصدقائه الذين هرعوا إلى شجب المبادرة بعد تأييدها، ومثّل رفض طلب عقد القمة الطارئة واستبعاد النظام عن اجتماع الرباط رسالة واضحة بأن الدول العربية لم تعبأ بتهديدات بشار.
كما نجحت الديبلوماسية العربية في إدخال تركيا على خط التنسيق معها، حيث شارك وزير خارجيتها في اجتماع تنسيقي عقد في الرباط، وتناغم الموقف الأوروبي مع المواقف العربية والتركية، حيث قرر الاتحاد الأوروبي توسيع العقوبات على أقطاب النظام في دمشق ليصبح عدد الذين شملتهم العقوبات 74 فرداً، وبموجب هذا القرار تم تجميد قروض البنك الأوروبي للاستثمار في سوريا، وتعليق أي قرض جديد من بنك الاستثمار الأوروبي، ووقف أي مساعدة تقنية جديدة، وتجميد أصول 19 مؤسسة يشتبه في دعمها للنظام، كما انضمت منظمة التعاون الإسلامي إلى الجهود الدولية في مطالبة النظام السوري بتطبيق الإصلاحات التي وعد بها ووقف أعمال العنف ضد المدنيين لتجنب تدويل الأزمة.
2- المحور السياسي
عززت المعارضة السورية موقفها السياسي خلال الأسبوعين الماضيين، حيث استقبل وزير الخارجية التركي وفداً من المجلس الوطني الذي مُنح رخصة لتأسيس مقر له في إسطنبول، كما تلقت المعارضة دفعة في طريق الاعتراف بها عبر دعوة الجامعة العربية مختلف فصائلها للتشاور حول مستقبل سوريا، خاصة وأن قرار الجامعة قد نص على التشاور مع المعارضة السورية في: "وضع تصور للمرحلة الانتقالية للبلاد".
كما هرعت الدول "الصديقة" للنظام السوري إلى التواصل مع بعض فصائل المعارضة بهدف تجنب تدويل الأزمة، فاستقبلت الخارجية الروسية وفداً من المجلس الوطني، والتقى الإيرانيون مع شخصيات من المعارضة.
وفي 21 نوفمبر اجتمع وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ مع ممثلين لأطياف المعارضة السورية، وكان وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه قد صرح أن باريس جاهزة للاعتراف بالمجلس الوطني السوري المعارض شريطة أن ينظم نفسه وينجح في بلورة برنامج حكم.
وبعد اعتراف ليبيا بالمجلس الوطني، قال رئيس حزب النهضة الإسلامي في تونس أن بلاده تؤيد المجلس الوطني وتعتبره ممثلاً شرعياً للشعب السوري، وتم غلق السفارة السورية وطرد السفير من تونس.
وتؤكد المصادر تركيز المجموعة الدولية على تعزيز حركة التمرد في السلك الديبلوماسي السوري من خلال التركيز على المنشقين السابقين، مما يفسر تكرر الظهور الإعلامي لنائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، ودخول رفعت أسد على خط الأزمة في مؤتمر بباريس أسفر عن ولادة: "المجلس الوطني الديمقراطي"، والذي فُسر على أنه رسالة تطمين لعشيرة الرئيس وأقاربه في حال انشقاقهم عليه، وإشعارهم بأن المجتمع الدولي يضعهم في الاعتبار ويسعى إلى ضمان عدم قيام نزاعات طائفية بعد سقوط النظام.
3- المحور الاقتصادي
نشرت صحيفة واشنطن بوست دراسة مهمة ، تحدثت فيها عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، حيث ترتفع معدلات البطالة، ويتضاءل دخل الحكومة، ونقلت الصحيفة عن وزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار قوله إن الاقتصاد في: "حالة طوارئ"، وأكدت الصحيفة وجود انخفاض بنحو 40 إلى 50 بالمائة من الأعمال التجارية لأن المستهلكين يدخرون النقود ويتوقفون عن الإنفاق على المواد الأقل أهمية، بينما وصلت السياحة إلى حالة من الشلل، وسط خسارة ملياري دولار شهرياً، إضافة إلى القيود على الخدمات المالية والأفراد، وغياب الاستثمار الخارجي، ورفض كثير من المؤسسات التجارية التعامل مع البنك المركزي السوري خوفاً من وقوعه تحت طائلة العقوبات، ووصف محافظ البنك المركزي السوري أديب ميالة الوضع بأنه: "خطير للغاية"، مشيراً إلى أن: "نسبة البطالة في ارتفاع مستمر، وهناك انخفاض في حجم الواردات، وتقل الواردات الحكومية، ولا يوجد أي نشاط اقتصادي في المحافظات التي تشهد احتجاجات، وبالتالي فإن الناس لا يدفعون الضرائب، ولأنهم لا يعملون فهم لا يسددون القروض، ولذا تواجه المصارف صعوبات كبيرة، ويؤدي ذلك كله إلى إضعاف الاقتصاد"، ونقلت عن راتب الشلاح، وهو رجل أعمال بارز في دمشق قوله: "النظام بأكمله يتقلص وبسرعة كبيرة جداً، تضغط هذه العقوبات علينا، وهو ما يؤثر علينا بالتأكيد". يذكر أن سوريا قد قلصت إنتاجها من النفط بنسبة تزيد عن 25 بالمائة حسب تصريحات ميالة.[6]
وفي أعقاب تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية، تحدثت مصادر عن تجميد حسابات مسؤولين سوريين في الدول العربية، وكان البنك المركزي الأردني قد فرض رقابة على ودائع مصرفية تعود للبنك المركزي السوري والبنك المصرفي التجاري السوري قيمتها 400 مليون دولار موزعة على خمسة بنوك أردنية، وأكدت صحيفة فاينانشيال تايمز أن الأموال تتدفق خارج سوريا جراء المخاوف من الوضع غير المستقر لاقتصادها، مما دفع السوريين للبحث عن أماكن أكثر أمناً لأصولهم، حيث يتم تهريب مبالغ كبيرة إلى لبنان فيما يسمى "السوق الرمادية" بين البلدين، وقد نقلت الطبقات العليا والوسطى ما بين 3 و5 مليار دولار خارج البلاد منذ بداية الأحداث في شهر مارس 2011 بسبب الضغوط على العملة السورية وندرة فرص الاستثمار.
4- المحور العسكري
شهد شهر نوفمبر الجاري تطوراً في المشهد العسكري، حيث أعلن الجيش السوري الحر تشكيل مجلس عسكري مؤقت، وعلى رأس مهامه: "إسقاط النظام ومحاسبة أفراده وحماية المواطنين من بطش أدوات النظام والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ومنع الفوضى"، وما لبثت قوات الجيش الحر أن شنت سلسلة عمليات نوعية شملت محافظتي حمص ودرعا، وأدت هذه العمليات إلى قتل عدد من الجنود الموالين للنظام وإعطاب مدرعات وناقلات جنود، كما هوجم أحد أكبر فروع استخبارات القوى الجوية بحرستا في ريف دمشق وأطلق سراح الأسرى فيه بعد قتل وإصابة أكثر من عشرين عنصراً، وبالإضافة إلى تصوير مقاطع من تلك العمليات النوعية ونشرها بصورة مهينة للنظام؛ تؤكد المصادر أن الجيش الحر قد نجح في اختراق أجهزة الاستخبارات السورية حيث تعاونت معهم عناصر من قوى الأمن في استهداف مكتب الشبيبة التابع لحزب البعث في معرة النعمان، وفي أعقاب ذلك الهجوم انشق 60 عنصراً من الجنود الذين كانوا داخل المبنى وتركوا المدينة بصحبة المهاجمين، وعلى إثر تعهد بشار بمنع وقوع هجمات أخرى؛ هزت قذائف صاروخية المقر الرئيس لحزب البعث في أول هجوم للثوار داخل العاصمة دمشق.[7]
وفي هذه المرحلة الحاسمة يتعين على القوى الوطنية إعادة تقييم مواقفها المحلية والخارجية، وأن تضع في حسبانها الاعتبارات التالية:
1- التأكد من أن سياسة الدول الغربية تنسجم مع حساباتها الإستراتيجية ومصالحها التي لا تنسجم بالضرورة مع القيم الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان، وبناء على ذلك فإنه يتعين الكف عن رفع شعارات تستجدي التدخل الخارجي، والتركيز على المفاهيم الوطنية، وإضعاف معنويات النظام، والتركيز على الشأن المحلي.
2- السعي إلى تصعيد الموقف في كل من دمشق وحلب، وغيرها من المناطق الهادئة، مع تجنب الاصطدام بقوى الأمن لتقليل الخسائر البشرية، وتبني وسائل جديدة تسهم في إرهاق النظام واستنزاف قوته في تلك المحافظات.
3- حشد جهود الجالية السورية في الخارج (والتي يقدر تعدادها بنحو 17 مليون نسمة) للضغط على السفارات وأعضاء البعثات الدبلوماسية إلى الاستقالة والتبرؤ من النظام، وهو أمر تؤكد المصادر بأنه أصبح وشيكاً بالفعل.
الصراعات الداخلية تؤذن بانهيار النظام
على الرغم من شدة وطأة الضغوط التي تواجهها دمشق، إلا أن روبيرت فيسك رأى أنها لا تدفع الرئيس على الرحيل، مؤكداً أنه لا يمكن توقع تغير فعلي في بنية النظام إلا إذا تغير موقف المؤسسة العسكرية بصورة جذرية، إذ إن الجيش هو عنصر الحسم باعتباره مفتاح بقاء السلطة أو زوالها.[8]
وهناك إقرار لدى المراقبين بأن العنصر الأقرب إلى تحقيق الحسم الوضع السوري  هو الصراع الداخلي الآخذ في التزايد، وكان رفعت أسد قد صرح لصحيفة لوفيغارو الفرنسية أن: "معنويات العلويين هابطة وقد فقدوا ثقتهم بقدرة بشار على إخراجهم من الأزمة"، ولا يمكن الاستخفاف بمثل هذه التصريحات إذا علمنا بأن بشار كان يحسب حساباً كبيراً لعلاقات عمه رفعت مع ضباط الجيش من طائفته، وتربطه بهم علاقات قرابة ومصاهرة، حيث أوكل بشار إلى ابن خالته عاطف نجيب مهمة رصد اتصالات الضباط العلويين بعمه رفعت، خشية من تأثيره عليهم.
وفي منتدى هاليفاكس الأمني الذي عقد بكندا في 20 نوفمبر 2011؛ أكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن أعضاء أجهزة الأمن والقوات المسلحة والجهاز الحكومي في سوريا بدأوا يقيّمون مستقبل الأسد ويرتبون كيفية المحافظة على رهاناتهم، مؤكداً أنه: "نتيجة لذلك أعتقد أننا نتوقع لأول مرة ظهور بعض التصدعات في الدعم الذي يحظى به داخل دائرته"، وتابع: "هناك مؤشرات على وتيرة متسارعة تقود إلى نهاية هذا النظام".
وتأتي هذه التصريحات في ظل تسرب معلومات حول انتشار حالة من الهلع في المناطق التي عرفت بولائها للنظام، حيث يعمد السكان إلى نشر المتاريس ونقاط التفتيش، ويشترون الأسلحة التي يتم تهريبها من البلدان المجاورة، فقد ذكر الباحث بيتر هارلينج من مجموعة الأزمات الدولية أن تجارة السلاح بدأت تزدهر في سوريا وخاصة في أوساط الموالين للنظام بسبب تخوفهم من الأوضاع، وكذلك من قبل المعارضين الذين يشترون الأسلحة الخفيفة لحماية أنفسهم من عصابات النظام، وأكد هارلينغ أن قرى "علوية" قد تسلحت بشكل واسع خوفاً من عمليات ثأر محتملة.
ويمكن القول أن بداية العد التنازلي لحكم بشار قد بدأ بالفعل منذ الإعلان عن إقالة وزير الدفاع العماد علي حبيب في ظروف غامضة، وإقصاء صهر الرئيس آصف شوكت عن رئاسة الأركان، والوفاة "المفاجئة" لنائب رئيس الأركان العماد بسام نجم الدين، وما أعقب ذلك من تصاعد وتيرة الانشقاقات العسكرية وفقدان الجيش مجموعة من فرقه إثر تحلل تشكيلاتها.
أما على الصعيد الخارجي فقد ظهرت ملامح تآكل النظام وتخبطه من خلال حالة الهياج التي أبداها الديبلوماسيون السوريون، وتناقض مواقف دمشق تجاه المبادرة العربية، والحملة الإعلامية "البذيئة" التي دشنها يوسف الأحمد ووليد المعلم، وما صاحبهامن تهجم على السفارات العربية والفرنسية والتركية.
وتتابعت أخطاء الديبلوماسية السورية ضد تركيا بصفة خاصة حيث أدى الهجوم على السفارة التركية ومقار بعثتها في حلب واللاذقية وحرق العلم التركي فيها إلى تضامن المعارضة التركية مع الحكومة، فغيرت موقفها المعارض لتدخل حكومة أردوغان في الشأن السوري، وشاركت في دعوة بشار إلى التنحي، وفي هذه الأثناء  تحدث كبير مستشاري الرئيس التركي "إرشاد هرموزلو" عن إيواء دمشق لبعض رموز حزب العمل الكردستاني بعد أن كانوا يقيمون في أوروبا، مؤكداً: "يعرف الجميع أن اليد التي تمسك بيد الإرهاب تحترق".
وتكمن الإشكالية الأكبر في بنية النظام الذي يكدس صلاحيات واسعة في جعبة شاب أغر فشل في احتواء الأزمة ولم ينجح في إدارتها، ولم تخرج خطاباته في الداخل وتصريحاته للصحافة الخارجية عن نمط سابقه القذافي بإطلاق التهديدات والتلويح بورقة التأزيم الإقليمي، دون إدراك لرمزية تحريك العناصر المنشقة عنه في الخارج، والتي جاءت لتذكيره بوجود عدد كبير من الضباط الذين عارضوا عملية استخلافه عام 2000، وعلى الرغم من تسريحهم إلا إنهم لا يزالون يحتفظون بنفوذ داخل الطائفة وفي صفوف العشيرة.[9]
أما الضباط الذين وقفوا إلى جانبه في مرحلة استخلافه العصيبة، فقد فقدهم بشار من جملة ما فقده في العقد الماضي، وعلى رأسهم: العماد علي حبيب، واللواء بهجت سليمان، واللواء محمد إبراهيم العلي، وغيرهم من الضباط الذين لا يقفون اليوم إلى جانبه.
في آخر مقابلة إعلامية له مع صحيفة صنداي تايمز بتاريخ 20 نوفمبر 2011، تعهد بشار بالاستمرار في حملته الأمنية ضد معارضيه، مؤكداً أنه: "سيقاتل شخصياً في مقاومة التدخل الأجنبي حتى النهاية"، وقد فات الرئيس الغر في مرحلة الربيع العربي أن: "القتال حتى النهاية"، هو عنوان الفصل الأخير في سيرة الطغاة.


[1]The Guardian 15th November 2011.
[2] صحيفة النهار الجزائرية، 15 نوفمبر 2011.
[3]The Daily Telegraph 14th November 2011.
[4]Ataie, M (2011) Iran Supports Assad, but not at any cost’, Foreign Policy, November 9, 2011.
[5]Ibid.
[6]Washington Post 16th November 2011.
[7]The Sunday Times 20th November 2011.
[8]The Independent 16th November 2011.
([9]) أخذت التسريحات صفة التدرج وشملت كلاً من: العماد علي حيدر، العماد شفيق فياض، العماد إبراهيم الصافي، اللواء محمد إبراهيم العلي، اللواء علي دوبا، اللواء علي صالح، اللواء محمد الخولي، واللواء محمد ناصيف.



http://www.surour.net