موقع الشيخ محمد سرور زين العابدين

    كلمة المشرف  


مقدمة كتاب الدولة الإسلامية بين الوهم والحقيقة - الشيخ محمد سرور زين العابدين 

 2014-02-15

 

تقديم
فضيلة الشيخ محمد سرور زين العابدين
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،
أما بعد؛ فقد ابتلانا الله - أهل الشام بتسلط النظام النصيري على رقابنا خلال أكثر من نصف قرن، وتحالف هذا النظام الطائفي مع شيعة إيران، وشيعة العالم الذين يأتمرون بأمر آيات قم وطهران، وزعم الطرفان أنهما ملة واحدة، ولم يكن الأمر كذلك أبدا، وإنما هو تحالف دنس ضد أهل السنة، وخطة إيرانية لتصدير ثورتهم والعمل الدؤوب من أجل تشييع أهل السنة، انفجر مخزون الصبر الهائل عند أهل الشام، فكانت هذه الثورة المباركة، وأنعم بها من ثورة!!
وابتلانا الله بتأييد الدول الكبرى الشرقية منها والغربية لنظام بشار بن حافظ الأسد، ليس حباً له ولا لأبيه، ولكن من باب أن عدو عدوك صديقك، وخوفاً من نجاح ثورة إسلامية استسهلت الصعب، وضربت أمثلةً رائعةً في صبرها ومصابرتها، وفضلا عن هذا وذاك فعالم الكفر العالمي يعلم أن هذه الثورة انفجرت في الشام وليس في بلد هامشـي ليس له قيمة كبرى كانت أو صغرى، ولهذا فقد واجه أهلنا في الشام كيداً لا يحتمله إلا أولو العزم من الرجال.
 
ظن المتآمرون أنهم مسخوا الشام بآل الأسد وحلفائهم، ثم فوجئوا بأحفاد أبي عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وعمر بن العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، رضي الله عنهم ورحمهم، فراحوا يمكرون ويخادعون، ويغدرون ويحركون عملائهم في إقليمنا وما علم هؤلاء أن الله جل وعلا أكبر من كل ما يدبرون.
وآخر ما ابتلانا الله به قوم من بني جلدتنا يتكلمون بلغتنا ويرفعون شعاراتنا، ويزايدون علينا في لافتات جهادية يدغدغون بها عواطف الأغرار من الشباب، وكان على رأس هؤلاء هذا المجرم المحترف أبو بكر البغدادي وما كان بكرياً ولا بغدادياً فلماذا لا يذكر اسمه الصحيح ويستتر وراء "أبو"؟
كنت أتابع أمر هذا الرجل من بداية التحاقه بعصابة من عصابات أهل الغلو في العراق، وما ظننت أن يكون له سوق في شامنا وأن يجد هذا السوق من يبيع ويشتري فيه، لكنه دخل وهو ومن معه من الغرباء (غرباء عنا في أفكارهم ومناهجهم وأعمالهم وإن كانوا عرباً) دخلوا أرضنا بعد أكثر من عام من بداية الجهاد، دخلوا بقوة من حيث الإمكانات، وبدءوا نشاطهم بطريقة غير ملفتة للأنظار من جهة، ومن جهة أخرى فلم يدخلوا ابتداء باسم الدولة، إنما باسم آخر من أسماء أهل الغلو ثم جاءوا في الوقت المناسب ليكونوا غلواً لأهل الغلو ووراء ذلك ما وراءه من الطامات، لكنني كنت أراقب استنفار أجهزة المخابرات العربية والأجنبية.. هؤلاء بدءوا يستدعون أسماء معروفةً في جهادها في العراق والشيشان وأفغانستان ويحققون معهم ليستدركوا ما فاتهم من معلومات ثم يراودونهم على تسهيل دخولهم إلى ساحات الجهاد وبالأخص مع جماعة النصـرة ( أعني هنا ما كانت تفعله أجهزة المخابرات ولا أعني تعريضاً بأحد) هذا في الجانب المدني، أما في الجانب العسكري فكان سوق المخابرات مزدهراً مع العسكريين المنشقين عن الجيش، وكانت الدورات ( وقل ما شئت عدد أنواع هذه الدورات، إنها مسميات مزيفة بهدف المعرفة وشراء من هو مستعد لبيع ضميره ) كانت الدورات أبرز وأهم هذه الأسواق.. ثم يقولون لهؤلاء وأولئك إياكم ثم إياكم أن تتحدثوا بما يدور بيننا وبينكم، ولكنا لا نعدم وجود أصحاب ضمائر يرفضون التجارة في دين الله، ويحدثوننا بكل شيء.
وهناك أمر آخر كنا نراقبه ونحذّر منه ألا وهو وجود فرع من فروع المخابرات الكثيرة في سورية - النظام - خاص بالأنشطة المسماة بالإسلامية، ونشاط هذا الفرع قديم، وأقرب مثال على ذلك أبو القعقاع الذي سهّل دخول كثير من شباب المجاهدين السوريين إلى العراق، وكان هذا الفرع على علم كامل حتى بالجزئيات التي تحدث بين أبي القعقاع وهؤلاء الشباب الذين فتنوا بطول لحيته وقدرته الفائقة على التمثيل وبمسجده في حلب الذي جعل منه واحة من واحات الجهاد وأين؟ في نظام بشار بن حافظ الأسد.. كيف هذا.. وكيف أعرض البعض عن نصحنا وتحذيرنا ومن ثم فأبو القعقاع ليس مثالاً شاذاً، وليقرأ من شاء كتابي " مساجد الضرار بين القديم والحديث " ولو كان لدي من الوقت لكتبت أجزاء في هذا الباب، وأحسب أن الأمة بحاجة إليه، وما أردت والله هنا دعاية لكتابي " مساجد الضـرار"، ولكن الذي أردته سدَّ المنافذ على الذين يخترقوننا من باب المساجد واللحى والعمل الإسلامي.
أعود إلى " داعش" وأبي بكر البغدادي فأقول: عندما عم بلاؤه في الساحة الجهادية في شامنا وتردد الشباب في مسألة الدخول بصـراعات مع من يرفع راية الجهاد وقد لا يتفق بعضهم معك أن وراء ذلك ما وراءه، عدت بعد وقوع هذه الفتنة إلى الشيخ الفاضل محمد المنصور وهو شيخ من شيوخ العراق ومن أعلم الناس بأبي بكر البغدادي، وقلت له: لا يجوز السكوت بعد الآن، ويجب أن تقول ما تعرفه عن هذا الرجل، فقال: لقد كتبت شيئا من هذا الذي تعنيه، ودعني أعيد النظر فيه، وأنا بعد ذلك وقبله أرى أنه لا يجوز أن نبقى صامتين وليكن بعد ذلك ما يقدره الله جل وعلا.
والشيخ محمد المنصور من أهل العلم والفضل - ولا أزكي على الله أحدا - وله عدد من المؤلفات القيّمة، وسيعلم القارئ قدرته وكفاءته من كتابه هذا : "الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم" وفضلاً عن ذلك فهو مربي من الطراز الأول، وهذا ما أعرفه من خلال صحبة دامت أكثر من عشـر سنين، وما تزال تقوى وتشتد والحمد لله، وهو من الملتزمين بالمنهج السلفي، ويفهمه كما فهمناه، فهو عندنا وعنده علمي، دعوي، جهادي، سياسي، تربوي، يجمع ولا يفرّق، يوحّد ولا يشتت، ومن آثار هذا الشيخ الفاضل أنه دعا إلى الجهاد منذ وطئت أقدام الأمريكان والصفويين أرض العراق، وأبلى هو وجماعته بلاءً حسناً ومجرداً من الصخب والضجيج والدعاية للذات أو التجارة بالجهاد، وعندما تعب البعض من الجهاد وانصرف للصحوات أو إلى ما يسمونه بالعمل السياسي بقي صاحبنا ثابتاً محتسباً ولا يرى غير الجهاد سبيلا لتحرير العراق.
والشيخ يعرف المدعو بالبغدادي فقد كان أستاذه في بداية مسيرة التلميذ الدعوية ودرسه شيئاً من زاد المستقنع ثم اعتقل المستعمرون الأمريكان الشيخ، وعندما خرج من معتقله وجد التلميذ الغبي قد أصبحت له شهرة في طريق الضلال والإجرام، قلت للشيخ صف لي هذا التلميذ فأجاب:
"أشهد الله الذي لا إله إلا هو بما أعرف عن قرب هذا الدعي الذي سمّى نفسه بالبغدادي، وقد درس عندي مع مجموعة من الفضلاء شيئاً قليلاً من كتاب زاد المستقنع في سنة 2005، باهت البديهة، فليس هو من طلبة العلم المتوسطين، ودراسته دراسة أكاديمية في الجامعات الحكومية ومستواها هزيل جدا، والتي لا علاقة لها بتكوين طالب علم فضلا عن عالم، ثم إنه كان إلى نهاية 2005 م معنا من ضمن جنود جيشنا، ولم يكن من المبرِّزين في الميدان ولا من أهل الصولة والجولة، ولا المهمات الكبار، ولا نذكر له واقعه مشهودة لا في المواجهة ولا في الإمداد حتى ابتليت بدخول المعتقل، عندها تغيّر الرجل على الأخوة وتنمّر وبدأ يثير المشاكل في الجماعة وانقلب رأسا على عقب، وأسأل الله ألا أقول هذا لهوى في نفسـي، بل ما كنت لأسجّله لولا أنهم كتبوا شهادتهم في كتاب، وأرادوا بهذا الكتاب ما أرادوا فتأثّمت بالسكوت وخشيت أن أكون جسر زور يهوي هو ومن يحملهم في جهنم".
ثم سألت أستاذاً في العلوم الشرعية في إحدى الجامعات، وكان من قبل زميلاً للبغدادي في طلب العلم: أصدقني أسألك بالله في أمر هذا الرجل، فقال ما هو أشدَّ من قول الشيخ وأضاف: كان يتحفظ أمام الشيخ وأمامنا كان شخصية أخرى.. كان متكبراً متعالياً ثم صار أمام من لا يعرف حقيقته إماما وخليفة وعالم العلماء!!
وصارت عصابته تقول فيه:
أيا جبلاً على العلات يبقى      ويا بحراً على الأهوال باقي
وأنت أميرنا رغم الأعادي     بحبك قد شهدنا باتفــــــاق
أمير الدولة العظمى أميري    وهذه بيعتي قبل الفــــــراق
أبايع شيخنا البطل الحسيني     أميراً للشـــآم وللعــــــراق
وما كان لهذه العصابة أن تظهر ولا لهذا الدعي أن يبرز لولا وجود جماعات وأفكار أهل الغلو الذين يخالفون أهل السنة والجماعة، فساروا في ركابهم ليتميزوا بهذا الوضع الجديد عن غيرهم، ثم مرت شهور وأعوام ونحن نواجه جماعة مغالية واحدة، نحن أهل السنة والجماعة نسير في طريق، وهم يسيرون في طريق آخر، حتى جدت أمور دعت هؤلاء يخرجون على جماعتهم ويستقلون بجماعة أخرى أشد غلوا وتنطعا من جماعتهم التي خرجوا على طاعتها، وصارت هذه الجماعة الأم ترفع شعارات فيها شيء من الاعتدال، فنسي الطيبون من إخواننا غلوها ونسي أن غلوها أنتج غلواً أشد، ولا ندري إلى أين يصل هذا التطور؟!
قبل شهور نبهتُ إخواني المجاهدين من هذا الغلو، فقال لي بعض رموزهم: على رسلك ولا ينبغي أن تواجههم بمثل هذه الشدة، ثم رأيت الإخوة بعد حين وقد تغير موقفهم واقتربوا من موقفي السابق.
أيها الإخوة اسمعوها صريحةً واضحةً مني، فإنني في شبابي ما كنت أريد علوا لنفسـي في دعوتي، فكيف بي وقد بدأت أزحف نحو الثمانين من سني عمري، وحسبي أن أقدم لكم تجربتنا مع هؤلاء الغلاة أو مع أهل التسيب والإرجاء، لقد تتبعتُ أمر هؤلاء منذ أربعين عاماً وخبرت انحرافاتهم، ثم رأيت كيف تتطور أمورهم من غلو إلى غلو أشد حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولهذا فإني أحذركم مما يفعله هؤلاء، وكيف يقدّمون من انحرافاتهم أدلةً يستغلها أعداؤنا في تشويه صورة الجهاد، كما يستغلها الطغاة في بلادنا.
أيها المجاهدون الأحرار.. نحن نريد أن يحقق المجاهدون أهدافهم في نصرة دين الله، وأن يحسنوا الظن بإخوانهم المسلمين، ويتدبروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" هذه الطائفة هي من المسلمين ومن أهل السنة والجماعة وهم ظاهرون بعلمائهم ودعاتهم ومجاهديهم، فاعرفوا كيف تفتحون صدوركم لهؤلاء الصالحين الطيبين، وكيف تجعلون منهم حاضنة شعبية، وإياكم ثم إياكم من هؤلاء الذين لا تعرف قلوبهم الرحمة ولا الشفقة، ولو ملكوا أمر النار والجنة وأستغفر الله من ضرب هذا المثال لأدخلوا الناس كل الناس النار إلا بضعة آلاف منهم، فهل الدنيا مظلمة إلى هذا الحد؟ّ! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
أعود إلى مؤلف هذا الكتاب حفظه الله فقلت: يا أبا عبدالله ألا تظن أن هؤلاء مخترقون؟! لقد تتبعت أمرهم منذ بداية مجموعتهم في العراق ورأيت صوراً مؤلمةً لضحاياهم من المجاهدين، وسمعت جمهور المجاهدين من اتجاهات شتى يتحدثون بالأدلة عن صلتهم بإيران، وكيف توسطوا لتسليم الدبلوماسي الإيراني المحتجز، وكيف يقدمون لهم المال والسلاح، وفلسفة إيران في ذلك: هؤلاء نعرفهم جيدا ونعرف أن معظم أفعالهم الإجرامية ستكون داخل الصف السني، ونريد لأهل السنة أن ينشغلوا بأنفسهم، وقد كان، ثم ألا تذكر أن المسؤولين بإيران اتصلوا بغيرهم من المجموعات الجهادية فأبوا أن يتعاملوا معهم، وأخيراً لماذا سلمت إيران من تفجيراتهم واغتيالاتهم رغم ما يلقاه أهل السنة من اضطهاد لا مثيل له في العالم الإسلامي؟!
فأجاب أبوعبدالله: أخي، أنا لم أقل في كتابي هذا إلا شيئاً قليلاً مما عندي، راجياً أن يقرأ جمهورهم هذا الكتاب، ويعرفون حال شيخهم وحال خواص مساعديه، راجياً أن يشرح الله صدورهم للحق ويجنبهم ما هم عليه من انحراف وحسبي ذلك عند الله، ولو أردت غير ذلك لكان عندي الكثير الكثير.
جزى الله أبا عبدالله خيرا كثيرا، فقد جاء الكتاب في وقته، وفي ظروف عصيبة تمر بها أمتنا في الشام، ومصر، والعراق، واليمن، وأفغانستان، وإيران، ووضع النقاط على حروفها في مواضع كثيرة، ومن أهم هذه المواضع التكفير!! فبيّن حفظه الله الفرق بين إطلاق القول بالتكفير وتكفير المعيَّن، وأن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن ، والإمام أحمد كفر أفعال الجهمية ولم يكفر أعيانهم، وتكفير المعيَّن يتحقق إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، واستدل بأقوال عدد كبير من علماء الأمة الأعلام على صحة التحذير من تكفير المعين من المسلمين.
هذا والمجاهدون اليوم من أحوج الناس إلى البعد عن الشبهات وذلك حتى لا يقتلوا مسلماً يقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وليتدبروا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله: " قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا".

لقد استفدت من هذا الكتاب فدعوا عنكم تقدمتي له واقرأوه مرات ومرات، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.



http://www.surour.net